الرمادي: واجهة عرض وسراب في صحراء العراق


 

الرمادي: واجهة عرض وسراب في صحراء العراق

GMT 23:45:00 2007 الجمعة 13 يوليو

الغد الأردنية

 

 

جون اف. بيرنز – نيويورك تايمز

كان التجار السنة يراقبون بقلق من خلف أكوام نظيفة من الفواكه والخضراوات، فيما كان اللفتنانت جنرال ريموند تي. أودييرنو يسير مع فصيل من حرسه الشخصي عبر سوق القطنة الشعبي في الرمادي في عصر احد الأيام مؤخرا. وأخيرا، خالس تاجر مشعث الوجه النظر في الشارع الضيق المليء بالنفايات من أوله إلى آخره ليكتشف إذا كان هناك من يسترق السمع، ثم كسر ستار الصمت. وقال بإنجليزية ركيكة وهو يرفع إبهامه في وجه ثاني اكبر قائد عسكري اميركي في العراق: “أميركا جيدة! والقاعدة شريرة!”.

حتى اشهر قليلة مضت وحسب، كان شارع السوق المركزي ارضا عدوا تخضع لمراقبة جنود اميركيين متمترسين خلف دشم من أكياس الرمل على سطح بناية المحافظ عبر الشارع. وكانت الرمادي اخطر المدن العراقية على الإطلاق، فيما كانت المنطقة المحيطة ببناية المحافظ هي أكثر مكان مميت في الرمادي. والآن، أدى اتفاق بين شيوخ القبائل المحلية والقادة الاميركيين إلى إرسال الآلاف من الشباب العراقي من محافظة الانبار للقتال ضد المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. وأثمرت الاتفاقية عن وقف القتال في الرمادي وإعادة هيكلة المدينة كرمز للأمل بان ينقلب مد الحرب لصالح الاميركيين وحلفائهم العراقيين.

في كلمة له قبل حوالي 10 أيام في كلية الحرب البحرية في نيوبورت إن أي، استشهد الرئيس بوش بالانقلاب الحاصل في الرمادي وغيرها من أجزاء محافظة الانبار، وهي صحراء شاسعة نائية تحتل ثلث مساحة العراق تقريباً، واستغلها كمبرر لرفض مطالبات الديمقراطيين في الكونغرس بسحب مبكر للقوات الاميركية من العراق. لكن نغمة السيد بوش وضعت قناعا على قضايا حساسة ما يزال القادة الاميركيون يواجهونها.

ثمة عاملان اثنان أفضيا إلى النجاح المذهل في الانبار: هيمنة السنة على المحافظة، وطبيعة العدو هنا، واللذان يمكن أن يكون لهما أثر معاكس في مكان آخر، خاصة في بغداد. وهناك، يشكل السكان خليطا من الطوائف أكثر من كونهم سنة في أغلبهم. كما أن قتال السنة – كما ظهر بصورة جلية كتلك المتجسدة في العديد من المتطوعين الحديثين- لا يدور ضد المتطرفين المرتبطين بالقاعدة، وإنما هو في نهاية المطاف ضد التواجد الاميركي هنا، وضد ما هو وراء الاميركيين، أي القوة الجديدة للأغلبية الشيعية.

طرأ الانقلاب في الانبار في الوقت الذي كان الرئيس بوش يلتزم فيه بإرسال حوالي 30,000 جندي اميركي إضافي إلى العراق في محاولة لاستعادة السيطرة على بغداد والمناطق التي تحيط بها. ووصلت ما تدعى بزيادة القوات أوجها في منتصف حزيران – يونيو، فيما بدت النتائج حتى الآن متفاوتة. وعلى أي حال، ابلغ البنتاغون القادة الاميركيين بأنه يمكن الحفاظ على الوضع الراهن فقط حتى آذار – مارس المقبل على ابعد تقدير.

ترك هذا القادة وهم ينظرون إلى ما وراء نهاية الزيادة، أي إلى نقطة يتحدد فيها مسار الحرب باطراد بناء على قرارات يتخذها العراقيون لأنفسهم. وعليه، فان السؤال هو ما إذا كان بالامكان تصدير تجربة الانبار إلى مناطق قتال أخرى كما قال السيد بوش، وذلك من خلال تجييش قوات امن قبلية محلية، ومن خلال تعيين آلاف الشباب السنة، بمن فيهم أعضاء سابقون في جماعات التمرد البعثية في الجيش وقوات الأمن العراقيين.

ولكن، أيكون ما حدث هنا قد أصبح ممكناً بسبب الديمغرافيا في الأنبار؟ وهل استطاع الشيوخ المحليون الوقوف في وجه المجموعات المتطرفة لان سكان الانبار البالغ عددهم 1.3 مليون نسمة هم في سوادهم الأعظم تقريبا من السنّة -سكان لا يجدون أنفسهم أمام إلزام حماية الوحدة السنية أمام الميليشيات الشيعية وفرق الموت التي نبتت في بغداد وغيرها من المحافظات ردا على هجمات المتطرفين السنة؟

ثم هناك تعقيدات وتشابكات سياسات بغداد التي ينبغي البحث فيها. فقد دعم رئيس الوزراء نوري كمال المالكي الذي يقود الحكومة الوطنية العراقية ذات الهيمنة الشيعية فكرة الاتصال مع القبائل في الانبار كوسيلة لتقوية المعتدلين السنة في وجه المتطرفين السنة هناك، لكنه حذر من أن تكرار هذا النموذج في مكان آخر يمكن له أن يقوي شوكة وتجهيزات الميليشيات السنية لاستخدامها في حرب أهلية ضد الشيعة.

في سعيه للحصول على إجابات عن هذه الأسئلة، قام الجنرال اودييرنو قائد عمليات قوات الائتلاف في العراق برحلته إلى الرمادي. وطار على ارتفاع منخفض في واحدة من أربع طائرات عمودية فوق كامل المسافة التي تمتد تسعين ميلا من بغداد فوق حقول القمح المحصود الذهبية والخضراء، وفوق قنوات الري وبساتين النخيل، حيث المنطقة شريط خصب عرف في الأزمنة الغابرة باسم بلاد الرافدين، وهي الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات. وفي الحقول يقود الرجال الجرارات الزراعية، ويلهو الأطفال في الطرقات غير عابئين بالنظر إلى طائرتي البلاك هوك الناقلتين وطائرة الحراسة “الاباشي” المرافقة لهما فوق رؤوسهم. وقد ظلت الانبار منطقة حرب منذ أربع سنوات، وأصبح الاميركيون فيها بدورهم جزءا من الحياة، حيث تصل درجة الحرارة في الصيف إلى 120 درجة فهرنهايت.

أما الرمادي التي تقع على حافة الصحراء الممتدة غرباً وحتى المملكة العربية السعودية والأردن وسورية، فقد كان فيها عدد سكان وصل إلى 400.000 نسمة في عهد صدام حسين. كان قبل أن يدخلها المتمردون -وهم مليشيات مرتبطة بالقاعدة وموالون أشداء لحزب البعث العراقي بزعامة صدام حسين وغيرهم من مجموعات المقاومة الأخرى التي تقاتل لإخراج القوات الاميركية من العراق-، وشنوا فيها حملة إرهاب أحالت جزءاً كبيراً من المدينة إلى مدينة أشباح، وجزءاً كبيراً من الانبار إلى وعاء طهي للقوات الاميركية. وفي السنة الماضية اعترف تقرير استخباراتي تسرب عن المارينز بأن الحرب في الانبار قد تم خسرانها فعلاً، وإنها في طريقها لان تصبح مكانا لإعداد خطط المتشددين الإسلاميين لإقامة خلافة جديدة في العراق.

أما العامل الرئيس في تحويل الوضع رأساً على عقب هناك، فكان تحول ولاء شيوخ القبائل. لكن الشيوخ تحولوا فقط في أعقاب هجوم طويل الأمد شنته القوات الاميركية والعراقية في تشرين الثاني – نوفمبر الماضي، وأفضى إلى هروب مجموعات القاعدة من الرمادي وغيرها في عموم المنطقة غرب الانبار.

وكما حدث من قبل، فقد تعلم الاميركيون درساً أساسيا من دروس الحرب هنا، وهو أن العراقيين الذين تعرضوا للكبت مدة 24 سنة تحت حكم صدام حسين باتوا يخشون الثورة على أي قوة مهما كانت وحشية ما لم تكن هذه القوة في طور التراجع. وفي الانبار، كان المتطرفون السنة هم القوة المهيمنة، حيث كانوا يحظون بدعم شعبي شبه كامل أو بفرض الخضوع إلى أن قصم الهجوم ظهرهم.

طرحت حملة الرمادي ثمارها في وقت سابق من هذه السنة مع وصول فريق القتال في الكتيبة الأولى التابعة لفرقة المدفعية الثالثة تحت قيادة الكولونيل جون. دبليو. تشارلتون البالغ من العمر 47 عاما، والذي يأتي من منطقة سبوكان في ولاية واشنطن. وكان يؤدي، مثل الكثيرين من الجنود الاميركيين في العراق، فترة خدمته الثالثة في العراق في غضون أربع سنوات.

رصت قوات الكولونيل تشارلتون المدعومة بوحدات من المارينز صفوفها مع صفوف الجيش العراقي في حملة تطهير مناطق الرمادي من المتطرفين، واحدة تلو الأخرى. وفي شباط – فبراير الماضي، كان معدل الهجمات اليومية يتراوح بين 30 إلى 35 هجمة. ومع حلول نهاية حزيران – يونيو هبط المعدل إلى هجمة واحدة يوميا، فيما أحصى الاميركيون مرور 50 يوم تقريبا دون وقوع أي هجمات على الإطلاق.

في كامل الانبار، كما تقول أرقام جمعتها القيادة الاميركية، تراجعت هجمات المتمردين من 1300 في تشرين الأول – أكتوبر الماضي إلى 225 في حزيران. وتقول القيادة إن هجوم الرمادي شل حوالي 800 متطرف، وأنه قد تم قتل وجرح نحو 200 فيما القي القبض على حوالي 600. وكانت الخسائر الاميركية في الرمادي في نفس الفترة مقتل 19 جنديا وجندي مارينز واحد، فيما كانت خسارة قوات الأمن العراقية أعلى. وفي اعقاب هجومها، تحولت الوحدات الاميركية والعراقية من قواعد ذات تجمعات ضخمة في ضواحي الرمادي إلى إقامة أكثر من 100 نقطة اصغر في أنحاء المدينة، كان معظمها في مناطق كان الذهاب إليها محظوراً. والآن، يقول الكولونيل تشارلتون: “بتنا نعيش بين الناس”، ونبني علاقات مع الزعماء المحليين.

بالتزامن مع ذلك، أحيا الاميركيون هياكل الحكومة المحلية، وطرحوا برنامجا بقيمة 30 مليون دولار -جزء من مبلغ قيمته 300 مليون دولار- من أجل إصلاح ما دمرته الحرب وتعويض أصحاب الممتلكات، وتمويل إنشاء أعمال تجارية واعدة، فيما عادت آلاف العائلات إلى الضواحي التي كانت قد هجرتها. وارتفعت في الغضون أسعار المنازل أضعافا وصلت أحيانا إلى أربعة إضعاف. ويقول الكابتن أيان بروكس، وهو ضابط مارينز في قاعدة جديدة في أحدى الضواحي: “عندما وصلت إلى هنا، لم نكن نستطع الذهاب مسافة تزيد على 200 متر من هذه القاعدة. أما الآن، فإنني أستطيع السير في كافة الشوارع دون أي مشاكل”.

ويقول ضباط اميركيون إن التغيير الذي جعل كل التغييرات الأخرى ممكنة هو التحالف مع الشيوخ المحليين، حيث طلب 23 شيخ قبيلة في الرمادي من الاميركيين السماح لهم بقتال المتطرفين عبر تشكيل “وحدات أمنية حسب المنطقة”، وفرق شرطة ضواحي مساعدة، وعبر إرسال متطوعين للخدمة في الجيش والشرطة العراقيين. وقد قفز عدد رجال الشرطة في الانبار في تشرين الأول – أكتوبر من 3500 شرطي إلى 21.500 شرطي في حزيران – يونيو. وفي الرمادي حيث كان هناك اقل من 100 شرطي في السنة الماضية، بينما هناك الآن حوالي 3500 شرطي.

في الوقت نفسه، يعترف ضباط اميركيون بأن العديد من المجندين كانوا في عداد المتمردين في السابق. ويقول الكولونيل تشارلتون: “هناك الكثير من الأولاد الذين يرتدون قمصاناً زرقاء ممن كانوا يطلقون النار علينا في السنة الماضية”. وقد امتد هذا الاتجاه إلى مناطق أخرى حيث يقاتل الاميركيون والعراقيون المتطرفين، بما في ذلك المنطقة السنية المعروفة باسم العامرية في بغداد. وهناك تم إعطاء المتمردين السابقين أسلحة وذخائر لمقاتلة المجموعات المرتبطة بالقاعدة. وكذلك في المناطق الأخرى التي تقع في محافظة ديالى وأجزاء مما يسمى بمثلث الموت إلى الجنوب من بغداد في محافظة بابل، وأجزاء من محافظتي صلاح الدين ونينوى اللتين تقعان إلى الشمال من بغداد، وهي مناطق فيها غالبية سكانية من السنة.

في مقابلة أجريت معه قبل نحو أسبوع، وصف القائد العام للقوات الاميركية في العراق الجنرال ديفيد اتش باتريوس الشغف الذي يبديه بعض السنة على الأقل في كل واحدة من المحافظات الخمس بقتال المتطرفين السنة على أنه التطور “الأبرز دلالة” في فترة قيادته الممتدة منذ خمسة اشهر. وأضاف: “إن الأمن الداخلي يلقى المساعدة بشكل غير متوقع بواسطة الدعم المحلي والتدخل المحلي، وذلك ما حدث”.

لكن، وفي وجه الصعوبة التي تسبب بها التعامل الاميركي مع المجموعات السنية في العلاقات مع القيادة الشيعة، شدد الجنرال على الحذر الذي ينبغي أن تبديه القيادة الاميركية. وقال “إن ما تحاول الحكومة العراقية، وما نحاول نحن فعله هو ضمان ربط هؤلاء العناصر بالهياكل الحكومية، وهم يدخلون في سلم رواتب الحكومة العراقية، ويقسمون يمين الولاء للحكومة العراقية. وقد اختارتهم الحكومة العراقية وقوات الائتلاف، وقد أعطوا لنا كافة بياناتهم الحيوية التي تم إدخالها في قواعد بياناتنا الخاصة بالمتمردين المطلوبين”.

وأضاف أن الهدف من هذه الخطوات كان ضمان “أننا لا نساعد فقط في شرعنة المجموعات التي ما إن تفرغ من تصفية أمر القاعدة حتى تحول أسلحتها إلى طرف آخر”

 

 

 

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.