تعقيب على مقال الأستاذ حسين راشد(العرب أحجار على رقع شطرنج أمريكي إيراني تركي//بديع يوسف عطية

ولا ننس العامل اليهودي الصهيوني ..

تعقيب على مقال الأستاذ حسين راشد

طالعنا الأستاذ حسين راشد ببحث عنوانه “العرب أحجار على رقع شطرنج أميركي إيراني تركي”، فتلهفنا على الوحدة الحقيقية، وحدة الجبهة العربية الواحدة التي تقف سداً منيعاً في وجه المطامع الاستعمارية والمخاطر الخارجية، وتضمن للمجتمعات العربية السيادة على أرضها ومواردها، والحياة الكريمة المبنية على استعمال هذه الموارد في نظام صحيح.

وهذا ما دونه أبالسة الجحيم وجنوح النفس إلى الهوى وفقدان الدرس وانعدام التخطيط ، حتى أصبح العرب فعلاً حجارة شطرنج على رقع أوطانهم نفسها، يسهل استغلالهم وانجرارهم واعتمالهم بالهوى نفسه والعواطف المتوارثة البعيدة عن فهم المصالح الحقيقية والأساليب الناجعة لتحقيقها، حتى ساد النهج البدائي العشائري على سياسات العالم العربي من محيطه إلى خليجه، إلا في حالات تكاد تكون أكثر ندرة من بيضة الديك.

إن ما يلزمنا من التربية والدرس والإعداد والتدريب والوقت لنقارب ما يسمونه التخطيط السياسي المؤسساتي ما يمكن اعتباره خلقاً جديداً لشعوبنا، خصوصاً في ظل حكم نواطير الذل والتخلف والجهل والفقر المالكين سعيداً في الوقت الحاضر على رقاب العباد.

فإذا أعلنت دولة ما على سبيل المثال أنها تؤيد حقنا ضد الاغتصاب في فلسطين هللنا لها وكبرنا ووضعنا نفسنا مكان شعبها في خدمة مصالحها وفتحنا لها بلادنا أسواقاً استهلاكية لسلعها، حتى تصبح قاعدة حركتنا في مواجهة أعدائنا، لها القرار وعلينا السمع والطاعة، لتزيد مصالحنا تبعثراً وهدراً.

وإذا قامت دولة أخرى، توهمنا أن صلة عاطفية مذهبية أو عرقية تجمعنا بشعبها، بدعم علني لأعدائنا، خلقنا لها المبرر وخجلنا أن نكسر “الأخوة” العاطفية الوهمية معها. واستمرار هذه الحالة اللاعقلانية في المثلين تجعلنا موضع انفعال مطلق بالسياسات الموجهة علينا، لنكون حجارة شطرنج حقيقية، لا إرادة لنا ولا فعل ولا وزن لا في الداخل ولا في المجال الإقليمي ولا في المجال الدولي، في حين أن موقعنا الذي لا نتحكم به ومواردنا وثرواتنا التي نستغلها بأنفسنا تؤهلنا جميعاً لأن تكون فعلاً، وعلى الأقل، سداً منيعاً في وجه المطامع الاستعمارية والمخاطر الخارجية.

وهذه الحالة من الانسياب والانفعال اللاإرادية واللاعقلانية تقودنا إلى تفحص علاقتنا مع جارتينا الحميمتين تركيا وإيران، بطريقة علمية واقعية بعيدة عن الهوى والعواطف والانفعال. والمثلان اللذان ذكرناهما حول الموقف من العدو الاستراتيجي ينطبق تحديداً عليهما، وهما الآن في موقف القرار بشكل متفاوت بكل ما يتعلق بمصير العراق، إحداهما من الشمال والأخرى من الجنوب.

فعلى الجبهة الجنوبية يجري ، من فوق أو من تحت العداء المعلن مع الأمريكان والحرب الكلامية المستمرة منذ 1978، اجتماعات للتشاور والتحاور والتفاوض معهم “بشأن العراق” دورياً وفي عاصمة الرشيد نفسها.

وتتم هذه الاجتماعات مع “الشيطان الأكبر” تحت طبقة كثيفة من الصراخ بضرورة القضاء على “الشيطان الأصغر” … والعراقيون الذين لا يشاركون بالحوار بين “الشيطان الأكبر” والجارة الحميمة يتلمسون على مدار الساعة نتائج هذه السياسة، دون أن تخرج كلمة رسمية واحدة من العالم العربي حول واقعة واضحة وضوح الشمس للعالم أجمع، لأن “الشيطان الأكبر” يضمن صمت “عبيده الأوفياء” لولي النعمة، وحين صدرت بعض الكلمات كانت مثارً للفتنة وليس دعوة للوحدة.

وفي الشمال يقوم الجيش التركي مباشرة بحرب يمكن اعتبارها استباقية على الذين اعتادوا أن يثوروا على الهيمنة التركية على سفوح طوروس السورية (وتبعياً على كيليكيا واسكندرون). وجيوش “التحالف” التي يقودها “الشيطان الأكبر” نفسه لا تتعرض للعملية العسكرية التركية.

نعود بالملاحظة العلمية والتدقيق إلى الأساس الطبيعي لهذه السياسات، لنوضح بأن ” العوامل التي تكون ما نسميه بالمصالح لأي مجتمع من المجتمعات تجد أساساً لها قبل كل شيء في الموقع الجغرافي لبيئة هذا المجتمع بالنسبة للبيئات المجاورة ومدى حاجة هذه المجتمعات الحياتية لبيئات بعضها البعض نقلاً وانتقالاً ومروراً وتبادلاً اقتصادياً وثقافياً.

والعامل الآخر الذي يدخل في تكوين المصالح هو موارد بيئة المجتمع ومدى تنوعها وكثافتها وسهولة استدرارها لسد حاجات ذلك المجتمع وكفايتها لتلك الحاجات. وغني عن القول أن منطقة الهلال الخصيب التي تشكل قلب العالم العربي هي مفتاح العالم بربطها شبكة خطوط المواصلات البرية والبحرية عبر ثغورها وممراتها المائية، بالإضافة إلى مواردها الهائلة التي أثارت عبر التاريخ لعاب أية قوة دولية أو إقليمية تمكنت من بناء قوة عسكرية كافية لغزوها.

والتاريخ الذي يعتبر أن الجغرافيا الطبيعية والبشرية لأي مجتمع حفظ لنا الكثير من مشاهد العلاقة المتأرجحة مع الجارتين، خصوصاً في عصوره الحديثة، وعلى الأخص بعد الفتح العربي لبلاد فارس وإلحاقها بالإمبراطورية العربية، وعبور جيوش هذه الإمبراطورية لتركيا، ومن ثم في مشهد آخر ردة الفعل العثمانية في “عصر الشطرنج” الحديث. كما يحفظ لنا تداخل سياسة الجارتين سلباً وإيجاباً مع المطامع الأوروبية التقليدية الموروثة في موقع الهلال الخصيب وثرواته.

واستقر المشهد التاريخي في مطلع القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الأولى، على فرنسا وهي تسلم سفوح طوروس وكليكيا لتركيا أتاتورك في معاهدة بينهما عام 1922، ومن ثم لواء اسكندرون في وقت لاحق. وعلى بريطانيا وهي تقضي على إمارة المحمرة الأحوازية وتقتل أمير المحمرة الشيخ خزعل الكلبي وتسلم المنطقة لوالد الشاهنشاه المخلوع.

ومن العوامل العديدة الأخرى التي “تنشّط” التداخل بين سياسة الجارتين وسياسة الغرب في العالم العربي قربهما من الدب الروسي الذي لا تأمنان جانبه، مهما اقتضت بعض الحاجات الآنية من التقارب المؤقت معه. بالإضافة إلى هاجس تركيا الدائم المكبوت بالانشطار إلى قسم أوروبي وقسم آسيوي.

وهنا نعود لنذكر بالأهمية القصوى لبترول الأحواز في معادلة العلاقات مع إيران، وللموقع السياحي الفريد لجبال طوروس في العالم ولموارد لواء اسكندرون وموقع خليجه الاستراتيجي خصوصاً بالنسبة لجزيرة قبرص.

ولا ننس في متابعة أحداث القرن العشرين من أن نتوقف أمام الأهمية المفصلية لحلف بغداد ودوره في فرض مشروع إيزنهاور المستمر في مشروع بوش الحالي. وهنا نصل إلى بيت القصيد في رسالتنا هذه. وهو أن الفصل المتعلق “بالشرق الأوسط” من مشروع إيزنهاور قد استهل بعبارة أن “إسرائيل واقع تاريخي” وقد وجدت لتبقى، لنضيء، رجوعاً إلى التاريخ القديم على الدور التاريخي اليهودي التقليدي في التداخل مع سياسات جميع الطامعين في منطقة “أرض الميعاد” المدّعاة زوراً وتزويراً للتاريخ.

وهنا نسجل لأستاذنا الكريم ملاحظة، نرجو أن يتقبلها حول عنوان البحث “العرب أحجار على رقع شطرنج أميركي إيراني تركي ” لنضيف إليه “يهودي صهيوني”. وبراهين هذا الرأي تجد أساسها في فضيحة ووترغيت وفضيحة إيران غيت من جهة، وفي التحالف الاستراتيجي المعلن بين تركيا والاغتصاب في فلسطين عام 1995 ومن جهة أخرى. ولا نعلم المصير الرسمي لهذا التحالف ووضعه الحقوقي القانوني الحالي بين الطرفين.

إننا نثمّن لفتة الأستاذ حسين راشد إلى هذا الموضوع الإستراتيجي الذي يحتاج إلى درس دقيق وتحليل عميق لسلسة من الإحداث من مفاصلها “غزوة قورش” الشهيرة … وأسباب التشيّع الإيراني .. والعلاقات الإيرانية الروسية .. والدور التركي .. هل هو مصدر لخطط سياسية أم معبر لخطط الغرب؟؟. ونتمنى أن يتم التواصل للتدارس وتبادل وجهات النظر عسى أن تتحول رقع الشطرنج إلى أوطان حقيقية، على أيدي باحثين منزهين لا تأخذهم الصيحة ولا يغشي بصيرتهم ضباب الإعلام المعاصر المأفون.

بديع يوسف عطية
http://arab-unity.net/forums/showthread.php?p=5164

اترك رد