(3) عائدون من الخليج// مجيد البرغوثي

(3) عائدون من الخليج

أبو عبد الله  يعود من قطر بتسع جوازات سفر

*********

جدَّدَ الكفيلُ القَطَريّ إقامةَ ” أبو عبد الله” الأردني الفلسطيني الأصل، وتمَّ وضعُ مُلصق الإقامة على جواز سفرٍ يَمَنيٍّ سليم حصلَ عليه عن طريق ديبلوماسي يَمَني صديق. كان “أبو عبد الله” ممنوعاً من دخول الأردن بسبب تقارير ووشايات مُلفقة، فنشأت لديهِ حاجةٌ ماسّة وهوايهٌ مُلحَّة لجمع جوازاتِ السفر كُلما أتيحَت له الفرصة، سواء عن طريق صديق محترم أو بدفع مبلغ معقول للاستثمار وفقا لشروط بعض الدول. وقد اعتاد كفيلهُ أن يستخرجَ لهُ جوازَ سفر قطَرياً لسفرة واحدة للقيام ببعض مَهام العمل خارج قطر. ثم حُلَّت مشكلة الجواز الأردني، فجدَّدَهُ وجدَّدَ إقامته بموجبهِ في السنوات الأخيرة.

عملَ ” أبو عبد الله” في البداية مُحاسباً لدى كفيلهِ الذي كان يثق به ثقة مطلقة، ثم أصبحَ مديراً مالياً لدى نفس الكفيل الذي يملك عدداً من المحلات التجارية بالأضافة إلى منصبة الحكوميّ الرفيع. كان يريدُ العمل مدة سنتين أو ثلاث، ثم السفر لاستكمال تعليمهِ العالي، إلا أن زواجه من إحدى قريباتهِ حمَّلَهُ مسئولياتٍ جديدة إلى جانب مسئولية إعالة بعض ذوية في فلسطين. مرَّت السنوات .. وصرف النظر عن الدراسات العليا. بعد 25 سنة من العمل، وعدَهُ كفيلهُ بالحصول على الجنسية القطرية نظراً لخدمته الطويلة وإخلاصه في عمله. في كل سنة من السنوات العشر اللاحقة، كان “أبو عبد الله” يتوقعُ الحصول على الجنسية، لكنه في السنة السادسة والثلاثين من إقامته، لم يذكر لزوجته شيئاً عنها إلى أن سألَت:

      –  شو أخبار الجنسية؟ السنة ما جبت سيرتها أبداً .. من عشر سنين وانت تقول .. بُكرة أو بَعدُه جاي الجنسية!

      –  السنة غيرت رايي! .. يعني لو اخذتها، مش رح أفتح شركة ولا محل تجارى بعد هالعمر، ولا أنا طمعان في قطعة أرض أو قرض عشان أبني بيت عليها .. مشكلة جواز السفر الاردني انحلت وجددته. بعدين الولد تزوج وسافر، والبنات الثلاث اتجوزن والحمد لله وسافرن .. وبعد شهرين عرس الولد، آخر العنقود، يعني الجنسية أصبحت مسألة تكريم لا أكثر ولا أقل، وعندي اليوم جوازات سفر سليمة سارية المفعول، ولا ينقصني إلا جواز سفر يوصلني حيفا وهي حرة، بدون تصريح من الاحتلال وبدون جواز سفر أوسلو.

     –   بس الجنسية بتأمِّن الولاد ..

     –   لا .. الجنسية مُش رح تشمل كل العيلة .. إذا اخذتها بتكون لشخصي فقط .. ويمكن تشملك إنتِ والولاد بعد سنة أو سنتين أو أكثر. وما ضل في العمر قد ما مضى، إحنا لازم نفكر نرجع على فلسطين ونكمل باقي العمر فيها واللي بدو يصير يصير .. الأسير مِنا جوّا أحسن ألف مرَّة من الوزير بَرّة ..

    –   ليش ما قلت هالكلام من قبل؟

     –   كل شي في وقته مليح .. كل شي اله وقت ..

    –   خلينا في ترتيبات العرس .. يا سيلفا (الشغالة الفلبينية) سوّي فنجانين قهوة.

    –   فيه مشكلة في عرس الولد .. رغم الواسطة، ما فيش موافقة على نقل كفالته مني للشركة اللي بدو يشتغل فيها. يعني لازم يغادر الدوحة خلال هالشهر ويشوف شغل برة. وبطاقات العرس انطبعت ..

    –   وبعدين؟ وشو السبب؟ الكفيل بقدرش يجيب موافقة؟  

أخذ “أبو عبد الله” القهوة من يد أم “عبد الله” بعد أن وضعت سيلفا الصينية على الطاولة.

    –   السبب مش معروف .. أكيد السبب مؤقت .. كل شي في الدنيا مؤقّت .. حياتنا مؤقتة، مُمكن الكفيل يساعد ويخلي الولد في البلد لغاية العرس، وما بيقصر معنا .. بس بعدين لازم الولد يغادر الدوحة .. يعني يتجوز ويسافر يدوّر على شغل، لو أجلنا العرس لغاية ما يحصل وظيفة محترمة في دبي أو عمَّان .. أو غيرها .. بيكون أحسن ..

   –   مش ممكن تأجيل العرس .. يتجوز وبنساعده حتى يلاقي وظيفة ..

   –   واذا ظل بدون وظيفة سنة أو سنتين؟

   –   لازم نستشير أهل العروس .. يمكن ما يوافقوا على تأجيل العرس ولا على سفر بنتهم برّة .. يمكن حابّين تظل معهم في قطر …

في الليلة التالية، اشتد الخلاف بين “أبو عبد الله” وزوجته من جهة وبين أهل العروس، ووقف الولد الى جانب أهله .. أما العروس، فقد خرجت من الجلسة وهي تبكي حين ارتفعت نبرة الكلام وتحوَّل الى صراخ ..

إنهار “أبو عبد الله” .. تبين بعد نقله الى المستشفى أنه أصيب بسكتة قلبية. إنتهت إقامته في الدنيا .. وأعيد بعد يوم واحد من وفاته مُحمَّلا جَواً إلى عمّان حيثُ دُفِنَ في مقبرة سَحَاب .. 

بعد أيام، وجدت زوجته في حقائبه تسعَ جوازات سفر .. أردني ويمني وسوري وعراقي وليبي وتركي وماليزي وكولمبي ودومينيكاني .. ثم وجدت ورقة داخل جواز سفره الدومينيكاني كَتب فيها: الدومينيكان ليست لنا .. حيفا لنا .. فلسطين كلها لنا. ووجدت بين أوراقه الرسالة التالية:

إلى أم عبد الله،

أنا أبو عبد الله .. بكامل قواي العقلية .. أوصيك مرة ثانية كتابةً .. بدفني في حيفا .. جنب إمي وأبوي، طبعاً بعد عمر طويل! .. أول ما تصير فلسطين كلها حُرة .. أنت عارفه إني ما دخلتش فلسطين بتصريح الاحتلال ولا بجواز أوسلو .. بس روحي بدها تدخل حرة .. على حيفا الحرة .. خبري الولاد .. كبير صغير .. إوعي تنسي .. ترى صايرة تنسي .. إوعي يا بنت عزّ الدّين .. ولا اعتبري كل اللي بينّا انتهى … بَحبّك .. موت.

              أبو عبد الله

————————————

مجيد البرغوثي

الموقع

http://majeedbarghouthi.net/Majeedweb/default.htm

المدونة

http://majeedb.maktoobblog.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s