الخلافات الفقهية بين الحركات الإسلامية..من جهاد الحكام إلى إعفاء اللحية //على عبدالعال

د.محمد البنا في ندوة موقع “الإسلاميون..”:

الخلافات الفقهية بين الحركات الإسلامية..من جهاد الحكام إلى إعفاء اللحية

جانب من ندوة الخلافات الفقهية
جانب من ندوة الخلافات الفقهية

على عبدالعال

جانب من ندوة الخلافات الفقهية
يُنظر لأكثر الجدل المتعلق بالجماعات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي من زاوية سياسية، دون اعتبار كافٍ للوزن الفقهي للاختلافات، ودون التطرق إلى الاعتبارات الحاكمة للاختيارات الفقهية.. فكثيرًا ما يفرق بين “السلفية” و”الإخوان” على أن هؤلاء يشاركون في العمل السياسي وهؤلاء لا يفعلون، دون النظر إلى الأدلة التي يستند إليها هؤلاء وهؤلاء؛ خاصة إذا عرف أن “الإخوان” كجماعة لا تتبنى خيارًا فقهيا معينًا، ولا تدين لمذهب فقهي واحد، بينما أصحاب المنهج “السلفي” يغلب عليهم الاختيار “الحنبلي” بشكل أساسي.

ولعله من الجدير بكل مهتم ومتابع لتطورات المسيرة الإسلامية التعرف على هذه المشارب الفقهية، والوقوف على مساحة انعكاسها على قدرة التنظيم والحركة في الاشتباك مع قضايا جدلية حديثة، مثل دخول “المجالس البرلمانية” والولوج إلى مساحات الفنون والثقافة وغيرها.

وفي هذا الإطار، التقينا بالدكتور محمد عبد اللطيف البنا -الباحث والمتخصص في دراسة الحركات الإسلامية- ضمن ندوة نظمها موقع “الإسلاميون ..طرق وحركات” -تحت الإنشاء- التابع لشبكة “إسلام أون لاين.نت”. والدكتور البنا عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو هيئة علماء المسلمين بألمانيا، ومدير النطاق الشرعي في “إسلام أون لاين”، وله العديد من الكتابات والندوات حول الشأن الإسلامي، وهو صاحب كتاب “الاختلافات الفقهية لدى الاتجاهات الإسلامية المعاصرة” الذي كان أطروحته لنيل درجة الماجستير عام 2000.

فقه الخلاف في الإسلام

في بداية حديثه يشير د.البنا إلى أهمية دراسة وفهم أحكام الخلاف المقررة في علم “أصول الفقه” المعروف في الإسلام، والتي تساعد على إيجاد مساحة من المرونة الفكرية والفقهية تسمح للمسلم بالتعامل مع المجتمع وأفراده وحتى أصحاب الأدلة المخالفة منهم، كما تسمح بالأخذ والتعاطي مع الأدلة ما دام أن الشريعة الإسلامية تسمح بها، وكان هذا العلم من الأهمية التي جعلت فقهاء الإسلام يؤكدون ضرورة أن يحيط الطالب علمًا بأدبياته حول الخلاف، والحكم الشرعي في التعامل مع المخالف، وهو مجال رحب كتب فيه الكثير من فقهاء الأمة السابقين والمعاصرين؛ إذ إن أصول التشريع الإسلامي واحدة؛ وهي: كتاب الله تعالى، والسنة النبوية، شارحة ومبينة ومفصلة، وأحيانا منشئة للأحكام.

وتعود الخلافات الفقهية إلى أن التشريع الإسلامي احتوى على كثير من الأدلة التي تحتمل أكثر من رأي، وأكثر من معنى، لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى محددًا فيها، وإلا لالتزم كل الناس هذا المعنى المحدد ولم يجز على الإطلاق الاختلاف حوله.

كما بقيت بعض الأدلة فيها من المرونة اللفظية، والمرونة الثبوتية، والمرونة الفكرية التي جعلت الإنسان يعمل فيها نفسه، بالإضافة إلى أن الشخص الذي يتعامل مع الدليل نفسه بفكره ومنهجه وأسلوبه يختلف عن غيره من المتعاملين “فأنت بمقدار فقهك ودراستك وثقافتك تستطيع أن تستنبط من النص أكثر مني، وأستطيع أنا أن آخذ من النص نفسه أكثر منك بكثير”، وهذا هو مقصود قول النبي صلى الله عليه وسلم:”رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه”.

الحركات والفقه الإسلامي

طبيعة الجذور الفقهية والفكرية التي تبناها أفراد الجماعات الإسلامية أو رموزها هي جذور في الأصل تسمح بها الشريعة الإسلامية، كما يسمح الشرع بالخلاف حولها، ولعل كل ما كتب في الحركات الإسلامية تناولها من ناحية التأريخ لها أو من ناحية الفكر، وأحيانا كتب بعض العلماء من ناحية دورها في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وكأنهم مدارس دعوية توجه وتحرر الناس من مشاكلهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، إلا أن العلماء لم يفصلوا في القضايا الفقهية للجماعات والاختلافات التي تثار فيما بينهم أو قد يثيرونها على غيرهم، كنتيجة لاختياراتهم الفقهية.

قضية الاختلافات على الرغم من صعوبة تناولها إلا أنها من الأهمية بمكان، مما يجعلها جديرة لإجلاء هذا الواقع العملي المعايش، يقول البنا: “من اعتبر فرعًا فقهيًا أصلًا من الأصول فقد تجاوز في المسألة، ومن اعتبر أصلًا من الأصول فرعًا فقهيا فقد تجاوز في المسألة، وإن وضع الأمور في نصابها فهو يسلك مسلك السلف الصالح، ويأخذ بروح التشريع الإسلامي في هذا الأمر، وفي الدعوة إليه بين الناس”.

ويضيف: “لذلك كان مدخلي للخلافات بين الجماعات مدخلا تأصيليا، حاولت أن أؤصل لهذه الجماعات فقهها؛ ليتسنى الكشف عن حقيقة مواقفها، وعن روح ما تتمتع به من سماحة، وعن الفقه الذي يحركها في هذا الواقع المعاش”.

الاتجاهات المعاصرة

د.محمد البنا

ولعل الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة يمكن ردها جميعًا إلى عدد محدود من الجماعات، وفي محاولة مسحية من الدكتور البنا لهذه الجماعات المعاصرة ذهب إلى أن أبرزها:
1- الأزهر: وقد أتي به على رأس القائمة نظرًا لدوره التاريخي كمؤسسة إسلامية قديمة تخرج منها الكثير من العلماء والأئمة، وكرمز إسلامي لدولة كبيرة هي مصر، وقد جاء اختياره بعيدًا عن كونه اتجاهًا رسميا للدولة.

وكان الأزهر كمؤسسة إسلامية تجري أموره على انتخاب الشيخ من خلال رابطة تضم كبار علماء المسلمين، إلا أنه جرى تقليص دور الأزهر مع ظهور الدولة الحديثة في عهد محمد علي.

ولعل من الثابت تاريخيا -في هذا الإطار- أنه ومنذ تأميم أوقاف الأزهر، وبعد ضم الأزهر إلى الحكومة، صارت كلمة الأزهر خافتة سياسيًا، خافتة في توجيه الأمة، وفي تحريكها.. بعد أن كان الأزهر منارة العلم وقبلة طلابه.

2 ـ دار الإفتاء المصرية: وهي ليست مستقلة كالأزهر الشريف؛ باعتبارها تمثل اتجاه الدولة الرسمي وتتبع وزارة العدل، وقد اختلفت مع الأزهر في كثير من المسائل، ولعله من المعروف تاريخيًا أن السبب الأول في إنشائها هو الحد من سلطات الأزهر الإسلامية، وقد شهدت دار الإفتاء على فترات تاريخية عدة تقلبات إزاء الفتوى الواحدة مع تقلب الظروف السياسية والحكم في البلاد.

3 ـ الإخوان المسلمون: كفصيل أساسي في الحركة الإسلامية، له نظرة معينة في التغير تشمل جميع مناحي الحياة. وقد نشأت الحركة في فترة زمنية معينة، وفي ظروف معينة، ومرت بمراحل وهزات مع الحكومات والأنظمة المتعاقبة في مصر، وبرغم ذلك لم يلزم الإخوان أنفسهم بمذهب فقهي معين يلتزمونه ولا يتجاوزونه.

4 ـ الدعوة السلفية: ويقول البنا: “والأمة كلها سلفية”؛ لأن كلمة سلفي تعني: الذي يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي تنطبق على السلف والخلف إلا المنافقين منهم، فكل من يطبق تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم فهو سلفي، سواء سمى نفسه سلفيا أو لم يسم.
وكان الغرض من إنشاء الحركة السلفية هو حماية العقيدة الإسلامية ومحاربة الشركيات ومحاربة البدع، ودعوة الناس إلى التمسك بصحيح الكتاب والسنة.

وقد تميزت المدرسة السلفية في مصر بعدة اتجاهات على رأسها “السلفية العلمية” وهي تحظى باحترام وتقدير شديدين؛ لأنه صار من المعروف عن رموزها أنهم يبحثون المسألة بشكل علمي دقيق، ويقرون بالمسألة الخلافية وغير الخلافية فيها، وإن كان الباحث يرجح رأيه في الآخر وهو حقه.

وقد ذكر البنا على رأس شيوخ الدعوة السلفية من علماء الإسكندرية الشيخ محمد إسماعيل المقدم والشيخ ياسر برهامي والشيخ أحمد فريد.

معضلة الحركات الجهادية

الشيخ عمر عبدالرحمن خلف القضبان

5- الحركات الجهادية، وتضم الجماعة الإسلامية” بزعامة الشيخ عمر عبد الرحمن، وحركة “الجهاد” بزعامة محمد عبد السلام فرج، وعبود الزمر، وهي الجماعة التي نفذت اغتيال الرئيس السابق أنور السادات عام 1981؛ إذ تعد وسيلة التغيير لدى الجماعتين واحدة ألا وهي “القوة” والجهاد حق من باب تغيير المنكر باليد.

ولا توجد خطوط فاصلة كبيرة بين الجماعتين، والفرق بينهما هو أن الجهاد تحكم بكفر الحاكم ومؤسسات الدولة معًا، بينما تفصل الجماعة الإسلامية التي تؤكد أدبياتها على كفر الحاكم الذي لا يحكم بشرع الله دون مؤسسات الدولة.

6 ـ التكفير والهجرة: وهم امتداد لمنهج الخوارج؛ لأنهم يكفرون أفراد الأمة ممن ليسوا على منهجهم، وكل كتب التراث في نظرهم باطلة إلا القرآن والسنة، ويعيشون في عزلة تامة عن المجتمع في انتظار المهدي المنتظر، وكانت جماعتهم قد انطلقت من قلب السجون والمعتقلات بعد أن تعرضوا للتعذيب الشديد على أيدي أجهزة الأمن، مما دفعهم إلى القول: لا يمكن أن يكون هؤلاء مسلمين؛ لأنهم يعذبوننا على الإسلام.

وكان زعيمهم المهندس شكري مصطفى، الذي أعدم سنة 1977على خلفية حادثة اغتيال الشيخ الذهبي، وكان إعدام مصطفى هزة كبيرة لباقي أفراد المجموعة.

أسباب تأجج الصراع بين الجماعات

وفي إطار البحث حول خلافات الإسلاميين، يقول الدكتور البنا: وكان ما استرعاني في الواقع العملي هو أن هناك مجموعة من الأشياء والعوامل خارجة تمامًا عن أسباب الخلاف الفقهي المعهود، “وجدتها بين أطراف هذه الجماعات هي التي تؤجج موضوع الصراع”، ولولا هذه الأسباب لكانت المسألة أبسط ما تكون، ولسكنت في مسارها الطبيعي، كما يسكن الاختلاف الفقهي، من بين هذه الأسباب:

1ـ قضية التعصب للرأي، وهذه المسألة شديدة الوضوح عند بعض الجماعات التي لا تقبل فكرًا مخالفًا، ولا تقبل نقاشًا فيما تأتي به من أفكار، ولا تقبل أن ينافسها أحد على الساحة، خاصة في مجال ما تميزت به، إن كان عملا دعويا، أو كان عقيدة أو عملًا روحيًا، كما تفعل الصوفية على سبيل المثال، فكل واحدة من الاتجاهات تفهم أن لها السبق في هذه المسألة وتحتكرها على نفسها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s