الخيار الأخير وبالهجوم المعاكس//فادي الحسيني

الخيار الأخير وبالهجوم المعاكس

فلسطين واحدة موحّدة.. لا دولتان !

فادي الحسيني

(عن القدس عاصمة للثقافة العربية/ المسرح الوطني الفلسطيني)

         حين تغادر قطاع غزة في اتجاه الضفة الغربية في وطننا المحتل، ينتابك شعور غريب يختلط فيه الفرح مع الألم، والدهشة مع الارتباك، مما تقع عليه عيناك بمجرد خروجك من بوابة ” إيريز”، وخاصة إن كنت قد أمضيت وقتاً طويلاً معزولاُ في هذا القطاع المحاصر.  تبدأ رحلتك القصيرة في اتجاه الطرف الآخر من وطنك برؤية أراضي واسعة خضراء، وشوارع نظيفة وحركة مرورية سلسلة، وترى تحركات طبيعية للناس ولا تكد تلحظ أي انتشار للسلاح باستثناء الجنود الذين ينتظرون توصيلة أو ما شابه، وما هي إلا لحظات وتبدأ بالاستمتاع بجمال طبيعة بلادك وكأنك تراها لأول مرة، وكأنك بالفعل قد عبرت قارات تفصل بين ما كنت فيه وما تمر به بكل تفاصيلها وتضاريسها رغم الامتداد الطبيعي مع الأرض التي قدمت منها.  أمر يدعوك للتفكير ملياً بأن من تركتهم وراءك يستحقون أكثر من غيرهم هذه الحياة وهذا الجمال والنظام الذي حفظه قانون اقترن تطبيقه بقوة تحميه.  ثم تقترب من الضفة الغربية المحتلة، ويخال لك في بداية الأمر أن تلك البيوت البيضاء المزينة بقرميد أحمر هي بيوت عربية، وأن هذه المدن الكبيرة الواسعة المنظمة هي مدن ضفتنا الغربية، وتبدأ الغبطة تشق طريقها  إلى قلبك ولكن سرعان ما تدرك أن الأمر قد اختلط عليك لأن كل ما تراه هي مستوطنات إسرائيلية، ومساحتها أكبر بكثير مما رسمه خيالك لحجم هذه المستوطنات.  تستمر رحلتك وتلحظ أن كل تجمع عربي يقابله تكتل استيطاني كبير، يقع في أغلب الأوقات على جبل يكشف جميع تفاصيل الحياة في هذه التجمعات العربية.  رحلة قصيرة وسريعة ولكنها ثقيلة ومريعة، من هول الأفكار التي تتسلل إلى خيالك ومن شدة القلق والشك الذي يتسحب نحو تمثال أحلامك، حول مستقبل البلاد وشكل ومضمون الدولة إن تحققت نبوءة المفاوضات. 

         تعلم القيادة الإسرائيلية أنه في اللحظة التي تم فيهاتوقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل، خرجت المعادلة الفلسطينية من منظومتها العربية وأصبحت تتمتع بخصوصية لها العديد من الإيجابيات والسلبيات ولكننا لسنا بصدد التطرق إليها في حديثنا هنا، وتعلم القيادة الإسرائيلية أيضاً علم اليقين أن مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية هو مشروع مؤقت يهدف إلى حل الدولتين كحل نهائي ينهي هذا الصراع الطويل، وكذلك تدرك تلك القيادة أن هناك قدراً من الاستحقاقات يتوجب عليها تقديمها في حال الوصول إلى اتفاق مع الطرف الفلسطيني وخاصة أن المجتمع الدولي قد بدأ بالفعل يضيق ذرعاً بالقضية ككل وبالمماطلات الإسرائيلية على وجه التحديد، ومن المعلوم أيضاً أن أي سياسي إسرائيلي مهما بدا تشدده في التصريحات، إلا أنه يدرك تماماً أنه آجلاً أم عاجلاً سيتم التخلي عن أجزاء من الأراضي التي احتلوها في العام 1967 لطرف آخر قد يكون فلسطينياً أو أردنياً أو غيره.  ومن هنا يبدو جلياً مغزى التوسعات الاستيطانية المستمرة، والبناء الاستيطاني في ضواحي القدس والضفة الغربية بغية تقليل حجم الاستحقاقات أو ما يطلقون عليه “التنازلات المؤلمة”.  فلا يكاد يمر شهر، إلا ونسمع عن توسع استيطاني جديد، أو عطاء لبناء وحدات سكنية أو مصادرة لأراضي جديدة، ولم تكن المفاوضات كافية لتمنع هذه الأنشطة في حين أن الانتقادات الخجولة للتوسع الاستيطاني من دول العالم لم تكن  سوى حافزاً للمضي قدماً في هذه المخططات بعد مشاهدة حجم التهاون الدولي في التعامل مع هذه القضية.  ثم جاء قبل أيام عديدة وعلى لسان السيد ياسر عبد ربه تصريح مفاده أن السلطة الفلسطينية تدرس وقف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، فيتبادر لذهن الجميع، ماذا وإن توقفت المفاوضات، فهل أعد الفلسطينيون أنفسهم لخيارات أخرى في ظل استمرار إسرائيل لمصادرتها لمزيد من الأراضي الفلسطينية واستمرار التوسع الاستيطاني؟ وهل لنا أن نبدأ في دراسة خيارات أخرى فقط عند إعلاننا عن فشل الخيار الأول غير عابئين بالعامل الزمني وأثره في المزيد من التغيير على أرض الواقع؟

         وبعد الأخذ بعين الاعتبار لجميع المعطيات السابقة، وخاصة فيما يخص السياسات الإسرائيلية لخلق واقع جديد على الأرض، لم يبق للفلسطينيين سوى خيار الهجوم المعاكس، والذي يتمثل في رفضهم ليس فقط لخيار المفاوضات، بل أيضاً لخيار الدولتين و إعلانهم قبول دولة واحدة ثنائية العرقية على جميع أراضي فلسطين. لقد بدأت هذه الفكرة تأخذ طريقها نحو الواقعية مع استمرار الظلام الدامس الذي يحيط بمستقبل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية من جهة، ومع استحالة تطبيق حل عملي يضمن شكل مقنع ومعقول لشكل الدولة الفلسطينية الوليدة في إطار حل الدولتين، فالانفصال الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية لم يكن وحده أولى عقبات التواصل الإقليمي للدولة الفلسطينية، بل التواصل الجغرافي داخل أراضي الضفة الغربية في ظل صعوبة التخلص من التجمعات الاستيطانية الكبيرة والذي ينطوي عليه الاحتفاظ بطرق خاصة للمستوطنين مع ترتيبات أمنية إسرائيلية لحماية تلك الطرق وغيرها.  لم تقف إشكاليات حل الدولتين عند قضية التواصل الجغرافي، بل امتدت إلى القدس الشريف بعد عمليات التهويد المستمرة فيها حتى وصلت المطالب الفلسطينية إلى أحياء معدودة وليس الشق الشرقي والبلدة القديمة كما كان في السابق. أما وإن تطرقنا نحو الترتيبات الاقتصادية  وترتيبات الموارد الطبيعية وخاصة المياه وكذلك ترتيبات تنقلات السكان والعمال والشاحنات (من دولة إلى دولة في حال تم تطبيق حل الدولتين) وهي تحركات يومية وطبيعية تعكس التداخل الكبير بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي، فتبدو الأمور أكثر تعقيداً، وإن عرجنا نحو قضية اللاجئين وحق العودة إلى أراضي 1948 فنجد أن الأمر برمته أصبح صعب المنال ويصبح من الأجدر أن نبحث عن خيار جديد حتى وإن رأى البعض أن كل هذه القضايا يمكن أن تحل بشكل لا يتناقض مع الثوابت الفلسطينية.

          بدأ بالفعل الكثير من الكتاب والمفكرين الفلسطينيين يرون في حل الدولة الواحدة ثنائية العرقية الحل الأمثل للقضية الفلسطينية بعد سنوات الثورة والمقاومة من جهة، وتجارب المفاوضات والاتفاقيات من جهة ثانية، وخاصة أنه وعلى مر تلك السنين وبعد تلك التجارب لم نستطع الحصول على الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشريف. هذا الحديث قد يثير حفيظة البعض وخاصة أنه يتجاوز الكثير من القرارات الدولية والاتفاقيات التي كانت تحاول أن تجسد حل الدولتين ولكن دون نتيجة تذكر، ولكن الحديث عن دولة واحدة سيواجه بلا شك بعاصفة إسرائيلية خاصة وأن مثل هذا الحديث يكرس مخاوف الإسرائيليين من التفوق الديموغرافي للفلسطينيين إضافة إلى فقدان دولتهم الأكيد للطابع اليهودي.  إن هذا الطرح سيشكل ضربة مركزة لجميع الخطط الإسرائيلية في تقزيم شكل الدولة الفلسطينية وتكريس واقع جديد على الأرض، إضافة إلى أنه سيحرم بلا شك الطرف الإسرائيلي من المناورة بعد أن استنفذت جميع طاقتها الدبلوماسية والإعلامية لحشد الرأي العام العالمي لصالح مخاوفها الأمنية وتكبيل الدولة الفلسطينية الوليدة في هذا السياق وخاصة أنه يشكل قاعدة مقبولة لدى المجتمع الدولي لأن العديد من التجارب السابقة المشابهة وأهما جنوب أفريقيا قد أثبتت نجاحها وأصبحت تمثل رمزاً للتحرر والمساواة ونموذجاً يحتذى به لحل النزاعات.  

         إن إعلان الفلسطينيين قبولهم بمبدأ الدولة الواحدة يشكل خياراً جديداً وأداة ضغط في آن واحد، فإذا قبل الجانب الإسرائيلي بهذا الخيار، فسيكون الفلسطينيون هم الرابح الأكبر من هذه الصفقة، أما وإن استطاعت إسرائيل مجدداً إقناع المجتمع الدولي بخطورة هذه الخطوة على وجودها، فسيبقى عليها أن تقدم للفلسطينيين بديلاً معقولاً أفضل وأكبر مما تطرحه الآن عليهم، حتى يتخلوا عن خيار الدولة الواحدة، ويقبلوا بخيار الدولتين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s