شمس كانون حارقة  رواية // عمر حمّش/ غزة 

HTML clipboard

شمس كانون حارقة

رواية

عمر حمّش/ غزة

صدرت في طبعتين في 992ا/ 2002 عن اتحاد الكتاب الفلسطيني

وعن وزارة الثقافة الفلسطينية

الفصل الأول

لا شيء في الفراغ غير الشمس جمرة عظيمة في الفضاء، تشعُّ بقوة لتجتاح الغيوم، تطيّرها عاليا، بعيدا، فتتمطى الغيوم، راسمة مختلف الأشكال!

وتأتي نسمات غربية، تطير خفيفة تلامس الوجوه والأطراف، تدغدغ الأجساد المتراخية في ظل الجدران.

بيوت القرميد حطّت هنا، قعدت على التراب، تراصّت متجاورة، تزاحمت وحوش تعبى أعلنت قبحها، لم تخجل من تشقق حيطانها، لم تدار صدا أبوابها وحطام نوافذها

هنا المخيم!

المخيم الرابض في حفرة منذ سنين، وحشٌ هائل مهزوم، يرخي أطرافه فيهوي بين تلين، محاصرا بالبحر والحدود؛ ليدور بسكانه في حلم عجيب، جاء المخيم في حلم، في غفوة، فطال أمد الحلم، امتدت الغفوة، الحجارة تصطف وتكون جدران، تتغطى بقرميد، تتغطى بصفيح، الطرقات تعفر التراب في الوجوه، ترفع حفرها العربات في الهواء، تضربها في رمل الطريق.

والأزقة تتفرع، تتلوى أفاع وثعابين، تعرض أبواب الصفيح المرصوصة، أبوابا مدعوكة، مشروخة، معابر لأكواخ القرميد.

السماء تصفو والمخيم مرتع الجرذان، يطلق وحله من تحت الجدران، يجري الوحل على التراب، يصنع قنوات ترمح من التلين، يأتي الوحل يلاحقه الذباب، يلاحقه البعوض، أسرابا توصله إلى البركة، بركة الشيطان، وتأتي النسمات خفيفة طرية.

تأتي النسمات فوق القنوات، تطير على سطح البركة، وتصل وجه العجوز إبراهيم نوار اللوز، تلامس الجلد المغطي عظم الوجنتين، تداعب الجبين المحتطب، الجفنين الناشفين!

يحدق العجوز في البركة، يمرّ بناظريه في السطح الآسن، يصرهما، يزفر الهواء، يطرد الرائحة المقتحمة عليه جلسته، يتمتم:

  • أبوك يا الكبر!

الرأس ثقيل يهتزّ على العنق الضامر، العنق الرجراج، اللحم ضاع، أكلته السنون، نخرته الأيام، عظم مصفوف يشجّ الجلد، جلدٌ باقٍ محروق بشمس الساحل، الأنف كبير في وسط الوجه، وفي العين الغائرة لازال بريق.

حرارة الشمس تفعل ما تشاء، تبدد الغيوم، تنثرها على صفحة السماء، وتنثني ساقا العجوز في القماش القديم، يحركهما، يزحزح مؤخرته، ضاغطا كفيه على التراب، يأخذ وضعا جديدا، ينفخ من بين بقايا أسنان طويلة صفراء، يتمتم:

  • أبوك يا الكبر

العمر طويل، يمتدّ عميقا، قفز إلى المائة قبل شهور، تؤكد ذلك زوجته أم سعيد، وهو يؤيد، ثمّ يقول:

– عشر سنين أخرى، ثمّ أموت!

– كيف، كيف؟

يسال من يسأل، يعجب من يعجب!

– منذ شهور جاءني الموت، سعى إلي، هاجمني، فهمت أن الأمر سيقضى، يكفّ القلب، وتغمض عيناي.

قلت:

يا أم سعيد هاتي الصندوق، يا أم سعيد احضري حنان والزعبي الصغير، كان النور يخفت رويدا رويدا، وبدأت أحس ببرودة الموت تسري في أطرافي، رجف قلبي، وحملقت في الصندوق.

افتحيه يا أم سعيد.

قربوا إلىّ الأوراق، لا تزال الأوراق هي الأوراق، والمفتاح هو المفتاح، الأوراق تثبت، والمفتاح يفتح، الأوراق توصل، تحدد المعالم، الحدود، المزروع من البور، المروي من الظمآن، والمفتاح في القفل يدور، يستسلم للمفتاح، يزيل اللسان من الثقب،يئن الباب، يصرّ، ينفتح الباب ويدلف الزعبي، سيدلف الزعبي يتفقد ارثه، وتسير شريعة الناس المعهودة، فالأرض للزعبي، والدار للزعبي، للزعبي تكون الأوراق والمفتاح.

يا حنان أحفظي الأوراق والمفتاح.

كان الموت حقيقيا، اشتدّ هجومه، زحف من الساقين، سبح في الذراعين، كان الموت حقيقيا، رجفتُ تحته، أرنب تحت حد السكين، الموت كريه، أغمضت عينيّ على صورة أم سعيد وقد صرخت:

وحد الله يا حاج

وعلى وجه حنان الباكي، كان الزعبي عند ساقيها يحدّق في الأوراق والمفتاح الكبير، لم استطع أن اشرح للزعبي، الموت كان كاسحا، هتفتُ:

افهموه، افهموا الزعبي يا ناس!

وأغمضت عينيّ، أطبقتهما على صورهم جميعا ومتّ، كان الموت كريها، جاءني ملك الموت، جلس عند ساقيّ، ثقبت عيناه عينيّ، ارتجفتُ، صغرتُ، حاولت أن اصرخ، أن اهمس: لا، لا، لكنّ حلقي كان مشروخا، كان لساني مقطوعا، وهنت أمام ملك الموت، وبقيت منتظرا، في لحظة دخل ملائكة كثيرون، التفوا ولبثوا صامتين، وفجأة عاودني دفء الحياة، طري حلقي، حركت لساني فتحرّك، جاءني السقف المعقود، يا للسقف المعقود، في الصنعة المألوفة لعينيّ، في فنّ دميت فيه يدايّ، عجبت فأين أنا..؟

تلفتّ فإذا براسي يتلفتّ، وعنقي قوي كأعناق الأحياء، أرى الجدران الدائرة ترقبني، والزوايا تبتسم لي من حولي، والملائكة في جسدي يتأملون، وملك الموت لم تمتد إليَّ قبضته!

لماذا يا ملك الموت قبضتك لم تمتدّ؟

عبر جمع علينا، من ذات المدخل عبروا، قصدونا، بل قصدوني، هتفوا:

لا ليس بعد!

وإذ بالوجوه اعرفها، استرجعها، أميزها، تفرزها ذاكرتي، هنا كانوا يجلسون، هنا كانوا يستلمون، من هذا البيت كانوا يتزودون بعتادهم، ثمّ يرحلون إلى الجبال، علا هتافهم وأضحى ضجيجا، لم يلبث ملك الموت أن قطعه:

لن يموت، وهبه الله عشر سنين!

صرخت برعب:

بل تقبضني، يا ملك الموت، هنا أريد أن أموت

قفزت مع صرختي، فإذا بعويل أم سعيد يلفني، وحنان تحمل الأوراق والمفتاح، وكان الزعبي مازال يحدق!

يعجب من يعجب، يفهم من يفهم!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s