خريف غزة العاصف)9(//د. أكرم حجازي

HTML clipboard

خريف غزة العاصف

من يمتلك عقيدة قتالية؟(9)

د. أكرم حجازي

التباس العدو أو غيابه أو التحالف معه أو العجز عن فتح أية جبهة مساندة ضده كان الموضوع الأكثر إثارة خلال الحرب على غزة. أين الجيوش العربية؟ لماذا لا تتدخل؟ تساؤل يبرز في كل مواجهة دامية تعيث فيها إسرائيل فسادا في الأرض وتمعن في القتل والدمار أيما إمعان دون أن يرتد لجيش عربي أو جندي طرف يذكر. تساؤل يطرح تساؤلا حاسما: من هو العدو للجيوش العربية والدول والأنظمة السياسية والحركات الثورية والأمة؟ هل اليهود وإسرائيل عدو؟ هل ثمة عقيدة قتالية شاملة تجتمع عليها الأمة في قتالها لإسرائيل؟ ما هي عقيدتنا القتالية؟ وما هي عقيدتهم؟

لما نقرن العقيدة بالقتال فمن المفترض، منهجيا، أن يجري الحديث عن العقيدة القتالية بشقيها العسكري والمدني. وفيما يخص الجيش فالعقيدة القتالية هي، من جهة، مفهوم يتسم بالاستقرار والثبات لحزمة واضحة من المعايير والأهداف التي تمثل مرجعية صارمة في توجيه سلوك الجيش لفترات طويلة من الزمن في الحرب والسلم. ومن جهة أخرى هي حزمة، قابلة للتطور، من التقنيات والوسائل الكفيلة بإنتاج جندي محترف يمارس مهنته بفخر واعتزاز كما يمارسها أي مهني آخر في المجتمع المدني.

بهذا المعنى فالجيش الإسرائيلي هو جيش محترف وذو عقيدة قتالية يمارس، بواسطتها، مهمة بقاء الدولة على قيد الحياة، هذه هي مهمته. فالعدو بالنسبة له واضح لا لبس فيه، والأهداف واضحة لا غبار عليها، لكن هل العدو والأهداف واضحة بالنسبة للجيوش العربية؟ أو للجماعات الثورية؟ أو حتى للأمة وقواها؟

مشكلة الجيوش العربية أنها تأسست في دول الغنيمة، وبطبيعة الحال فالسلطة بالنسبة للحاكم  لن تكون سوى غنيمة أيضا. وهذا يجعل من الجيوش العربية، مهما تسلحت، مجرد ملاحق للمنظومة الأمنية التي لا يهمها العدو الخارجي بقدر ما يبدو لها العدو الداخلي أكثر وضوحا وأولى بالمراقبة. إذ أن مهمتها هي الحفاظ على النظام وليس على الدولة. ولأنها لم تكن في يوم ما جزء من منظومة دفاعية كونها ليست معدة لهذا الغرض أصلا ولا هي قادرة عليه، فهي ليست جيوشا محترفة. لذا من السهل أن نلحظ سقوط أية دولة عربية في مواجهة عدو خارجي مهما كان حجم قواتها أو قدراتها البشرية والمادية.

لا ريب أن الخوف والحذر كانا من أبرز إفرازات هكذا دول في تشكيل شخصية المواطن الذي غدا، في المستوى الأمني، يحسب حسابا للشرطي ورجل الأمن ومراقب السير أكثر مما يحسبه للجندي. بل أن الجيش، رغم أن له نفس الوظيفة، إلا أنه أكثر القوى المحلية اضطهادا وتدجينا. وفي بعض الدول العربية يبدو الجندي أقرب إلى التسول، ولسنا ندري كيف لجندي لا يزيد راتبه عن مائة دولار أن يدافع عن كرامة أمة وهو مطعون بكرامته! وفي دول عربية يجري التعامل مع الجنود وكأنهم حيوانات تساق إلى مهامها بقسوة وتحقير من قبل الشرطة العسكرية التي تتصرف معهم كقوات مكافحة شغب في دولة فاشية.

على امتداد عقود أثبتت الوقائع السياسية والحربية أن الجيوش العربية ليس لها عدو، فلقد تقاتلت فيما بينها بالتحالف مع الأمريكيين والأوروبيين الذين دمروا الأمة وزرعوا إسرائيل في قلبها، ومن المنطقي أن تكون إسرائيل ومن يرعاها ويدعمها هم العدو المصيري للأمة. لكن الأحداث بينت العكس تماما، فقد يكون زعيما عربيا كصدام حسين، في لحظة ما، عدوا لأغلب العرب واليهود والأمريكيين والغرب في آن واحد. وبعيدا عن الموقف من صدام حسين فإن معاداته والتحريض على قتاله ونزع سلاحه وتدميره كان أيسر على الكثير من العرب من معاداة إسرائيل وقتالها. ومنذ ذلك الحين ثبت لكل مراقب أن النظام العربي، بشقيه الغربي والشرقي، ليس له عدو أصلا، ولم تكن حرب الخليج الثانية إلا مناسبة للإعلان عن صيغة جديدة لعلاقة التحالف التاريخية بين العرب من جهة والأمريكيين من جهة أخرى، وصيغة جديدة لواقع عربي يخطب ود اليهود ويسعى بأي ثمن للتحالف أو التطبيع أو التوصل إلى تسوية معهم.

فالحقيقة أن إسرائيل لم تكن سوى عدو ظرفي أو إعلامي لهدف سياسي يراد تحقيقه، وفي ساحات المعارك كان الجيش هو الأشد عرضة للتآمر السياسي عليه حتى من قبل النظام بما في ذلك رأس الدولة. يروي الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيوش المصرية خلال حرب تشرين 1973 أنه فزع من قرار الرئيس السادات نقل لواء من غرب القناة إلى شرق القناة. ورغم أنه حاول إقناعه، باستماتة، أن قرارا من هذا النوع سيشكل خطرا شديدا على مصير القوات بالنظر لصعوبة حمايتها في منطقة ضيقة الانتشار إلا أن الرئيس أصر على قراره. أما الشاذلي فقد نفذ القرار وهو يعلم أن النتيجة كانت إبادة لآلاف الجنود ووقوع آلاف آخرين في الأسر. ولا شك أن السادات كان يعلم بمثل هذه النتيجة! لكنها المؤامرة التي تكررت في غير مناسبة ومكان.

على مستوى الحركة الوطنية العربية ظلت المشكلة كما هي بلا حل. بل أن التراجع هو الذي ميز مواقفها كونها تأسست، منذ انطلاقاتها الأولى، على خلفية أيديولوجيات وافدة أو مستوردة ليس لها أية علاقة بالواقع العربي والإسلامي. فكيف يمكن توقع بناء عقيدة قتالية مستمدة من أيديولوجيات أجنبية لأمة غالبيتها الساحقة تدين بالإسلام وليست أمة وثنية بحيث تتقبل عقائد وضعية تعمل بموجبها كدليل تسترشد به؟ وكيف يمكن توقع بناء عقيدة قتالية من رحم حركة وطنية، هي كالدول والأنظمة، تشتغل بموجب محركات سايكس بيكو؟

حتى منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن لتقبل بالإسلام كمصدر في عقيدتها، بل أن أحد مؤسسيها من كبار الأدباء أصر على رفض إدخال كلمة الإسلام إلى ميثاقها. ولما  سيطرت عليها المنظمات الفدائية سنة 1968 لم تعدل شيء في الميثاق. ومنذ ولادتها تخلت هذه المنظمات، وأولها حركة فتح، عن الحركات الجماهيرية واحتمت بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل ولم يعد لها أية عقيدة قتالية تذكر. وطوال حياتها ظلت الحركة الوطنية الفلسطينية، بشقيها الوطني والإسلامي، تستنجد، عبثا، بالجيوش العربية وبالأمة العربية وكذا الإسلامية وبالأمم المتحدة والشرعية الدولية والوسطاء كلما تعرضت والشعب الفلسطيني للفتك العسكري على يد إسرائيل أو السياسي على يد الفيتو الأمريكي والأوروبي. وكلما اشتدت الهجمة والحصار كلما طغت مصطلحات كالمرحلية والسلطة الوطنية والدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي سنة 1967 والشرعية الدولة والمؤتمر الدولي للسلام وغيرها من المصطلحات على الخطاب السياسي للمنظمة. ولم يعد أحد يدري لأية أهداف يقاتل: هل لتحرير “فلسطين المغتصبة” أم “فلسطين المحتلة” أم بمقتضى “التهدئة مقابل فك الحصار وفتح المعابر“؟

والطريف أن الانفصام في الموقف الفلسطيني ما زال قائما حتى بعد الحرب على غزة. فالعسكريون يحاربون، غالبا، بموجب الحق التاريخي فيما يحارب السياسيون بموجب “عدالة القضية” و “الحقوق الثابتة“! بل أن بعضهم يحارب بموجب “الوحدة الوطنية“!

هذه الوضعية انعكست على مجمل الأمة وكافة مكوناتها الرسمية والشعبية بصورة مواقف بالغة التناقض والتنافر، وأبعد ما تكون عن أية عقلانية ناهيك عن شرعيتها الدينية. فالبعض يتحدث عن السلام والبعض عن الحرب والبعض عن التسوية والبعض لا يدري عن فلسطين إن كانت محتلة أو مغتصبة والبعض لا يدري كم هي عدد الدول العربية وآخرون يشفقون على اليهود في المحرقة النازية ولا يشفقون على قضاياهم أو حالهم، ومثقفون حلفاء لليهود وآخرون عنصريون يزدرون الفلسطيني لكونه فلسطيني، ومثلهم حاقدون بصورة تبعث على العجب، وفلسطينيون أشبه بالمتهودين، وهم أرحم باليهود من رحمتهم ببني جلدتهم. وكثير من العرب والعجم من المسلمين متعاطفون وآخرون يعانون من القهر بما لا يقل عن شعور الفلسطينيين به، وغالبية ساحقة من الأمة تغط في سبات عميق.

كل ما سبق يعني أمرا واحدا جوهره أن اليهود وإسرائيل، في أحسن الأحوال، لم يعودوا عدوا للأمة ولا للدولة ولا للنظام ولا للقوى السياسية ولا حتى للراديكاليين منهم. ولما تسقط إسرائيل من كونها عدو يجب استئصاله فهذا يعني أنها باتت واقعا يجب التعامل معه وهو ما لا تنكره حتى بعض الجماعات الإسلامية. ويعني أيضا أننا سنستمع إلى مصطلحات قديمة جديدة تميز بين اليهودي والإسرائيلي وأخرى تميز بين اليهودي الصهيوني واليهودي المعادي لها لإرضاء حركة ناطوري كارتا أو من هم على شاكلتها في مواقفهم، ويعني أيضا أننا سنتحدث في السياسة أكثر مما نتحدث بالقتال ونبحث عن التسوية أكثر مما نبحث عن المواجهة. وفي المحصلة، شئنا أم أبينا أو كابرنا، يجب الإقرار بأننا لا نمتلك أية عقيدة قتالية فعالة طالما أن العدو لدينا ملتبس منذ وقت طويل، وطالما أنه لم يعد عداؤه لنا محسوما سياسيا وشرعيا، وطالما أن مواقفنا السياسية وإمكاناتنا وتطلعتنا وحتى حروبنا ستظل رهينة للأصدقاء والأشقاء والشرعية الدولية ومشاريع الحلول والوساطات. فلماذا نقاتل إذن؟ وكيف؟ بأية وسائل؟ ولأية أهداف؟

ويستمر سقوط الأوراق …

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s