حبيبي وسجني//د. فايز أبو شمالة

حبيبي وسجني

د. فايز أبو شمالة

كتبت [عطاف]: حبيبي، وعمري، وحياتي، وعيوني، وأملي، وقلبي، إذا ضاقت عليك المعمورة، وصانعتك الأشواك والصعاب، والأحزان، خذ قلبي إليك أنيساً، خذ فكري يذلل إليك الصعاب، وخذ يديّ اقلع فيهما الأشواك، أما إذا شعرت بالوحدة، والفراق، فاعلم أن وجودي المرهف، وقلبي الحائر يجتاح الجو ليعيش ساعات حنان في خيالي، يتمنى أن تتحقق ولو بعد حين، أما المعنويات ففولاذ.

باقة من المشاعر الإنسانية أهدتها “عطاف” إلى محمود الصفدي في سجن نفحة بمناسبة مرور سنتين على خطبتهما بتاريخ 31 /10/ 1988، وحتى يومنا هذا ما زال محمود في السجن!. فما هو مصير عطاف المقدسية؟ هل ما زالت تنتظر محمود، أم فاض عليها الحزن، واستبد بها الواقع، فتركت خطيبها للأسوار ولبست سوار فرح آخر من جديد؟ هل من حقها التحرر من رباط الحب، وتنطلق بحياتها، أم واجبها أن تتحمل، وتنتظر حتى يتحرر محمود ولو في آخر العمر؟ وإن صبرت، واحتسبت، وانتظرت، فمن يعوض ما فات من طويل الليالي؟ وأي مالٍ يرمم تجعد الزمن؟

كل ما أعرفه أن عطاف المقدسية قد ظلت تنتظر حتى خمسة عشر عاماً من تاريخ قراءتي كتاب حبها، وربما ما زالت تنتظر، لا أعرف، ولا أحسب أن مثل هذا الحب ينطفئ من ريح السجن العاتية، فقد سما فوق المحسوس، وشفّ من التسفع فصار بلون البنفسج، وصارت عطاف يمامة، لا يطوقها الزمن وهي تحط كل مساء على سطح السجون، توشوش محمود، وتكتم هديلها المبحوح، لتمسح في الصباح دموع الوسادة.

ترى؛ كم قلبٍ كقلب عطاف يرتجف في المساء؟ وكم مهجةٍ، وعقلٍ، ووجدان امرأة فلسطينية تعلق بأسوار السجن عشرات السنين، وراح يفتش عن ابن، وأب، وأخ وحبيب، ولا أمل لهم باللقاء إلا من خلال صفقة “جلعاد شليط” , وهنا أقول لأولئك الذين كتبوا، وتحدثوا، وصرخوا معترضين على أسر “جلعاد شليط” وقالوا عنه ساخرين: “أغلى سجين في العالم” تالله لو كان السجود لغير الله، لطالبت أن يخر أولئك سجداً تحت أقدام آسري “جلعاد شليط”، ويقبلوا جبين المفاوض في أقدس قضية، لأن دلالة التفاوض حول صفقة “شاليط” تتجاوز حدود الأرقام لترتقي بالحس الإنساني الفلسطيني، وتخرج بالسياسي من دائرة الإملاء والخنوع إلى فضاء الندية والسطوع.

إن صرخة عطاف المقدسية، ونداءها الشفاف على محمود الصفدي الممتد اثني وعشرين عاماً في غياهب السجن، لهو المعادل الموضوعي لصرخة العربية : وامعتصماه، فكان رد كتائب القسام: لبيك يا أختاه!!!

سامحني يا محمود الصفدي، يا ابن القدس، وسامحيني يا عطاف، لقد نكأت جرحكما على الملأ، بعد أن صار ندبة على جبين الإنسانية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s