التنسيق السوري الفلسطيني استحقاق متأخر // نقولا ناصر

التنسيق السوري الفلسطيني استحقاق متأخر  

بقلم نقولا ناصر* 

بانتهاء ثماني سنوات من عهد جورج دبليو. بوش كانت سوريا خلالها مدرجة أميركيا في “محور الشر” وبدء عهد إدارة باراك أوباما الجديدة التي تحركت بخطى متسارعة ، قوبلت سوريٌا بمثلها ، نحو تطبيع العلاقات الأميركية السورية انفتحت إمكانيات واقعية لتحريك مسار السلام السوري الإسرائيلي ، لتنفتح معها مساحة واسعة أمام المناورة الإسرائيلية التقليدية المألوفة للٌعب على المسارات وضرب بعضها ببعض للتهرب من أي استحقاقات للسلام على المسارات كافة ، مما يعيد بقوة مسألة التنسيق بين أطراف السلام العربية ، وبخاصة السورية والفلسطينية ، على جدول الأعمال العربي عشية قمة الدوحة العربية في الثلاثين من الشهر الجاري ، وكان مثل هذا التنسيق مطلبا دائما لدمشق وسياسة سورية ثابتة تتناقض أولا مع توجٌه عربي نحو السلام “المنفرد” عمليا بالرغم من الإجماع العربي نظريا على “مبادرة السلام العربية” وتتناقض ثانيا مع استراتيجية إسرائيلية تاريخية تصرٌ عل “ثنائية” التفاوض مع كل طرف عربي على حدة . 

وفي هذا السياق تبدو أهمية التحذير الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلته مع الخليج الإماراتية في التاسع من الشهر الجاري من أن “من مصلحة المفاوض الفلسطيني أن ينسٌق مع المسار السوري” لأن “إسرائيل إذا وقٌٌعت مع سوريا” سلاما منفردا “فإنها ستصفي القضية الفلسطينية في يوم من الأيام” وهو تحذير لم يلق ما يستحقه من اهتمام عربي بعامة وفلسطيني بخاصة ، لتبدو القيادة السورية نفسها أكثر وعيا وإدراكا لمخاطر أي سلام منفرد لها على القضية الفلسطينية من المتضررين الفلسطينيين من سلام كهذا يمكن أن تتوصل دمشق إليه مع دولة الاحتلال الإسرائيلي دون تنسيق عربي – فلسطيني معها . 

ومع أن الرئيس السوري حاول أن يبدٌد المخاوف الفلسطينية والعربية من مخاطر الإنفراد السوري بالسلام مع دولة الاحتلال حين أوضح أولا عدم ثقته في جديتها في السعي إلى السلام ، وثانيا حين ميٌز بين اتفاقية سلام منفرد توقعها سوريا قال إنها ستكون “ورقة توقٌع وهذا لا يعني تجارة ولا يعني علاقات طبيعية أو حدودا أو غير ذلك” وبين “السلام نفسه” الذي “يجب أن يكون شاملا” ، وثالثا حين خيٌر دولة الاحتلال بين “خيار السلام الشامل و(بين) اتفاقية سلام ليس لها قيمة عملية على الأرض” ، مع ذلك فإنه لم يستبعد أو ينفي أو يرفض “اتفاقية سلام” كهذه ، إن تم التوصل إليها فإنها عمليا ستحاصر أي مفاوض فلسطيني تحت رحمة نظيره الإسرائيلي ليظل بعد ذلك اللاعب التفاوضي العربي الوحيد المتبقي ، مما يضفي أهمية مضاعفة للتنسيق السوري الفلسطيني بخاصة . 

ويكتسب تطبيع العلاقات الأميركية السورية وتحريك المسار السوري المتوقع نتيجة لها دون تنسيق مع المسار الفلسطيني خطورة مضاعفة على المسارين ، لكن على المسار الثاني بخاصة ، لأنه يمثل مهربا مثاليا للمناورة لأي حكومة يؤلفها رئيس الوزراء المكلٌف في دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي لم يخف بل أعلن رفضه لمبادلة الأرض بالسلام على كلا المسارين من حيث المبدأ ويلتزم بدلا من ذلك بمبدأ السلام مقابل السلام ، وعليه فإنه يرفض الانسحاب من هضبة الجولان العربية السورية المحتلة لأنه “طوال 35 سنة كانت هذه أهدأ حدودنا لأننا فوق الجولان وليس تحته” ، كما قال ، ويقترح بدلا من ذلك اتفاقا “مؤقتا” يعلن بموجبه الجانبان “حالة عدم اعتداء” مقابل انسحاب إسرائيلي من جزء صغير من الهضبة ، وبصورة مماثلة يرفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة في الأراضي المحتلة عام 1967 ويقترح بدلا من ذلك ترتيبا “مؤقتا” أيضا يتعهد فيه بتحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين تحت الاحتلال وتوسيع صلاحياتهم لإدارة شؤونهم في إطار الحكم الذاتي بينما يتعهد في الوقت نفسه بتوسيع الاستعمار اليهودي الاستيطاني وعدم تفكيك أي من المستعمرات القائمة ، مما ينسف أولا المرجعيات الأميركية التي قامت عليها عملية السلام “السابقة” على المسار الفلسطيني وهي نفسها المرجعيات التي تريد واشنطن تحريك المسار السوري على أساسها ، ويقتضي ثانيا أرقى مستوى من التنسيق السوري الفلسطيني كاستحقاق تأخر أكثر مما ينبغي ، ويكشف ثالثا أن ما تسعى إليه دولة الاحتلال فعلا هو ترتيبات “مؤقتة” طويلة الأمد تتحول عمليا إلى ترتيبات “دائمة” كما هو الحال منذ زرعها في قلب الوطن العربي قبل أكثر من ستين سنة . 

إن سابقة التنسيق السوري اللبناني في مواجهة دولة الاحتلال الإسرائيلي والتي توٌجت بتحرير الجنوب اللبناني وانسحاب الاحتلال منه دون قيد أو شرط ، بالرغم من سلبياتها المعروفة على الوضع اللبناني الداخلي وعلى العلاقات السورية اللبنانية الثنائية التي نجحت الوساطة العربية في احتوائها ، هي سابقة ناجحة في نتائجها وربما لهذا السبب استهدفها العدوان الإسرائيلي عام 2006 وكذلك إدارة بوش الأميركية السابقة ، لكن نجاحها هو قدوة حان الوقت لتكرارها بتنسيق سوري فلسطيني مماثل إن توفرت حرية كافية للقرار الفلسطيني كي يستجيب للدعوة السورية القديمة المتجدٌدة له فإنه بالتأكيد سيوفر محورا قويا يستقطب إجماعا عربيا حوله بدل أن يستمر عدم التنسيق السوري الفلسطيني من العوامل الرئيسية للانقسام العربي ، كما أن العلاقات السورية مع حركات المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” ، وهي علاقات حرصت دمشق على أن لا تكون بديلا لاعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني كما أثبتت في قمة دمشق العربية بالرغم من الخلافات مع قيادة المنظمة ، ستتحول إلى رصيد للوحدة الوطنية الفلسطينية بدل أن تكون سببا في الانقسام الفلسطيني وتستمر سببا في الخلافات الثنائية ، ناهيك عن أن تبلور جبهة عربية موحدة للسلام سيحوٌل أي عملية للسلام إلى معركة تفاوضية وسياسية حقا توفر لها حدا أدنى من توازن القوى لا يتوفر لأي مفاوضات ثنائية في ضوء انحياز الوسيط الأميركي لإسرائيل ، ولأن دولة الاحتلال طالما رفضت التفاوض إلا ثنائيا فإن عملية التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية بخاصة قد تحولت عمليا إلى عملية فرض إملاءات إسرائيلية يتفاوض الجانب الفلسطيني على تخفيفها ولا يستطيع رفضها . 

وهذا الاستحقاق السوري الفلسطيني المتأخر يكتسب أهمية خاصة عشية انعقاد قمة جامعة الدول العربية في الدوحة أواخر الشهر الجاري ، لأنه إن تحقق سيوفر جبهة سلام ثلاثية مع لبنان يتمحور حولها أي جهد عربي جماعي نحو سلام شامل وعادل . إن “رفع الحظر” الأميركي عن سوريا هو شرط موضوعي ينبغي أن يحرر الإرادة السياسية الفلسطينية من وطأة “الفيتو” الأميركي الذي كانت تفرضه إدارة بوش السابقة على التنسيق السوري الفلسطيني ، لكن القادة العرب الذين سوف يجتمعون في الدوحة يتحملون مسؤولية خاصة في دفع القرار الفلسطيني في هذا الاتجاه إذا كانت أعباء رهان صانع هذا القرار على الوساطة الأميركية في صنع السلام ووجوده تحت الاحتلال أقوى من قدرته على الاستجابة للتنسيق مع سوريا من تلقاء نفسه . 

إنه لأمر مؤسف حقا أن يبلغ العجز العربي الرسمي حدٌ إسقاط الخيار الدفاعي والإجماع عل السلام كخيار “استراتيجي” ويستمر هذا العجز في الوقت نفسه ليفشل في الاتفاق على جبهة موحدة للسلام ، لتجد أطراف هذا العجز نفسها كلا على حدة محاصرة بخيار وحيد للصلح “منفردة” مع دولة الاحتلال بينما الاحتلال متواصل ليتحول الانفراد في الصلح إلى عقبة جديدة أمام إنهائه . 

وأذكر عندما كنت في مقتبل حياتي الصحفية لقاء في نادي الصحافة الأميركي بواشنطن عام 1987 مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق سايروس فانس رد فيه على سؤال حول إغلاق مكتب الإعلام الفلسطيني آنذاك بقوله إنه كان هناك أكثر من عشرين مكتبا لوكالة الإعلام الأميركية في العواصم العربية لو هدٌد العرب بإغلاقها في المقابل لأعيد فتح المكتب الفلسطيني ، لكن العرب لا يتفقون لا في الحرب ولا في السلام ، كما قال ، مضيفا أن الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد كان هو القائد العربي الوحيد الذي زار واشنطن وطالب بدولة فلسطينية بالرغم من مطالبة الدول العربية بذلك في وسائل إعلامها الرسمية فقط ، ويبدو أن الإدارات الأميركية المتعاقبة ما زالت تصنع سياستها الخارجية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي مراهنة على استمرار العرب في عدم الاتفاق لا في الحرب ولا في السلام . 

إن تحريك مفاوضات سورية إسرائيلية غير مباشرة بوساطة تركيا قد تزامن مع وصول “عملية أنابوليس” لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إلى طريق مسدود ، كما أن تسارع الإشارات الأميركية والسورية إلى قرب تحريك مفاوضات سورية إسرائيلية مباشرة هذه المرة يتزامن الآن مع مجيء حكومة إسرائيلية تسد المنافذ كافة أمام أي إمكانية عملية لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ، وذلك دليل دامغ على أن المسار الفلسطيني قد توقف أو يكاد عمليا ، مما يجعل التنسيق السوري الفلسطيني ضرورة لتحريكه بقدر ما هو ضرورة لقطع الطريق على المناورة الإسرائيلية المتوقعة باللعب على المسارات وضربها ببعض للتهرب من استحقاقاتها كافة . 

لقد أعلنت إدارة أوباما مقاربة “شاملة” جديدة للسلام في الشرق الأوسط وفسرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون هذه المقاربة خلال زيارتها الأخيرة للمنطقة بأنها العمل من أجل السلام العربي الإسرائيلي على “جبهات كثيرة” ، وتعتبر هذه السياسة وصفة مثلى لتصول حكومة الاحتلال وتجول مناورة بين هذه الجبهات “الكثيرة” ، أي أنها سياسة أميركية توفر مهربا لإسرائيل من أي التزامات محددة بموجب أي اتفاقيات كان قد تم التوصل إليها ، لتؤجل تنفيذ التزاماتها الفلسطينية بحجة انشغالها بالمسار السوري ، وبالعكس ، وطوال عقد التسعينات من القرن العشرين الماضي لعبت إسرائيل هذه المناورة على أفضل وجه متذرعة بأن أي مسؤول إسرائيلي لا يستطيع تقديم “تنازلات مؤلمة” على مسارين في الوقت نفسه ويظل يحظى بثقة ناخبيه . 

وقد حان لهذه “اللعبة” الإسرائيلية أن تنتهي ، والطريقة الوحيدة لإنهائها هي بلورة جبهة تفاوض عربية موحدة عمليا كما هي موحدة نظريا حول مبادرة السلام العربية ، ومثل هذه الجبهة لن تقوم إلا إذا تبلور محورها الثلاثي السوري الفلسطيني اللبناني ، وهذا المحور بدوره لن يتبلور إلا باستجابة فلسطينية للدعوة السورية القديمة – الجديدة ، ومثل هذه الاستجابة الفلسطينية لن تتحقق إلا إذا توفرت موازنة عربية للضغوط الأميركية – الإسرائيلية على القيادة الفلسطينية في الاتجاه المعاكس ، وفي هذا الصدد تتحمل قمة الدوحة العربية مسؤولية خاصة .         

*كاتب عربي من فلسطين

  nicolanasser@yahoo.com*

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s