عندما سقطت بغداد كنت هناك، مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق(4) //رشيد شاهين

HTML clipboard

عندما سقطت بغداد كنت هناك، مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق(4)

رشيد شاهين

الحلقة الرابعة

ما ان وصلنا الى الشقة

حتى تراكض الجيران الذين في اغلبهم ممن تبقوا في الشقق خلال فترة نزوحنا عنها، حيث لا يزال معظم من غادروا لم يعودوا بعد من اماكن لجوئهم، لقد كان اللقاء من الحميمية بحيث كان الكل يبكي بحرقة قاتلة، وصارت بعض النسوة تنتحب بصوت عال فيه الكثير من الحرقة والالم، اما الرجال منا فقد كانت النظرات زائغة في فراغ لا منتهي، وبداخل كل منا دموع بحجم لا محدود، وقلوب يعصرها الم قاتل. لم يكن هناك الكثير لقوله، كان الجميع لا يزال يعيش حالة من الذهول، اما الاطفال فبرغم حالة الفرح التي كانوا يعيشونها بسبب عودتهم الى ديارهم، الا انه كان بالامكان ملاحظة انهم يعيشون في حالة من اللاتوازن، كما انهم لم ينفكوا يسالون عن اقرانهم الذين لم يرجعوا بعد، وكان علي ان اشرح لهم الموضوع.

كانت البلد تعيش هكذا بدون سيد اذا جاز التعبير، لا وجود للدولة، حالة من اللامعقول،فراغ غير معهود، لا قانون ولا حكومة ولا شيء، والبلد على كف عفريت، كنت اشعر وكاننا نعيش كما لو اننا في مهب الريح، خاصة وان الكثير من قصص القتل والانتقام قد حدثت، قتل بلا سبب وقتل لاسباب تافهة، وثارات قديمة امتدت لسنوات طويلة خلت تم استرجاع صداها، الخدمات معدومة، فلا كهرباء ولا وقود ولا شيء.

كان علينا في الساحة كما في كل الساحات والاحياء الاخرى ان نتفق على كيفية التصرف، من اجل حماية الحي واغلاق الطرقات والمداخل كما توفير السلاح لكل من يستطيع حمله، اذ ان لا امكانية للعيش بدون سلاح، فاعطى من عنده اكثر من قطعة سلاح قطعة لمن لا وجود لسلاح عنده، وصار لا بد من اقتناء السلاح في كل بيت، لقد كانت الاسلحة بلا قيمة تذكر وكان من الممكن ان تشتري بندقية الكلاشنكوف بخمسة دولارات او قد يعطيك اياها احدهم هكذا مجانا بلا مقابل، حيث كان قد تم رمي السلاح في الشوارع والساحات مِنْ قبل مَنْ تخلى عنه وفر هاربا، كما ان المقرات الحزبية المنتشرة في كل المناطق كانت تحتوي على الكثير من الاسلحة، وقد كان بالامكان ايجاد السلاح بدون عناء يذكر لمن يرغب او يشاء.

بدات العائلات التي غادرت خلال الحرب بالعودة الى الشقق تباعا خلال الايام التالية، ومع عودة كل عائلة الى البناية كانت تنهمر الدموع من جديد ويتعمق الالم ويتجدد، وقد كان لكل منا قصته خلال فترة التشرد تلك، كانت بعض القصص فيها الكثير من الالم والحزن لما تحتويه من معاناة والم واحيانا دمٍ مراق، لقد كان كل منا يتحدث عن تجربته خلال فترة اللجوء وما رآه او سمع عنه من مآس، وقد كانت بعض من تلك القصص لا تخلو من الطرافة الا ان غالبها كان يبعث على الكثير من الالم والقهر.

كنت اقف امام البناية اراقب الطريق العام واولئك السراق الذين ما زالوا يمارسون عمليات افراغ المخازن التي تقابل المجمع السكني، كما اراقب السيارات العسكرية الاميريكية المختلفة التي لا تتوقف عن الحركة ذهابا وايابا، كانت القوات الاميريكية تتحرك بكثير من الشعور بالطمأنينة والارتياح، لقد كانت غير آبهة بما يقوم به هؤلاء اللصوص وكأن الامر لا يعنيهم، لا بل ويقومون بتشجيعهم من خلال الصيحات واحيانا التحيات التي يلقونها على هؤلاء الرعاع الذين لم يتوقفوا عن النهب، كانوا يستمرون في النهب منذ ساعات الصباح الاولى الى ما بعد مغيب الشمس، وكنت الاحظ ان منهم من يحمل اشياء لا تستحق ان تحمل ولا تستحق هذا الجهد المبذول في نقلها.

بينما كنت اقف مهموما في مكاني افكر بكل هذا الذي يحدث، لاحظت ان رتلا اميريكيا بدا بالتوقف بالمنطقة مقابل الشقق على الشارع العام، وبدا الجنود ينزلون من السيارات العسكرية المختلفة بما فيها المدرعات، وقد بدا نفر من الناس يقتربون من الجنود، عندما مر بجانبي ثلاثة من الشبان الغاضبين الذين اخذوا يشتمون الاميريكيين ويبصقون على اولئك الذين يقتربون منهم لتحيتهم، لقد كان لذلك اثر طيب في نفسي، اما ما اثار حنقي وغضبي فهو انه وبعد ان اعتلى العديد من الجنود البنايات التي نسكن، فان ام محمد التي كانت لا تتوقف عن البكاء خلال الغارات الاميريكية على بغداد كانت تحيي هؤلاء الجنود المحتلين، والحقيقة ان اطفالي اخبروني وبطريقة فيها الكثير من العتب ربما، قالوا لي بينما انت تمنعنا من تحية الاميريكان ها هي ام محمد تقدم لهم الماكولات والمشروبات، وعندما استفسرت عن الامر ممن هم اكبر سنا ومن بعض الجيران اكدوا لي ذلك، لقد قيل لي انها ارسلت اليهم بعضا من العصير والساندويشات، ولم يكن بالامكان ان اصدق ذلك لولا ان الجميع كانوا يتحدثوا عن ذلك بكثير من الاستهجان.

ام محمد هذه كانت كباقي الجمع المرتد الذي انقلب على اعقابه بعد الغزو، بالنسبة لي شخصيا فلقد بُهِتْتُ من حجم الردة في موقف زوجها الذي ما ان سقطت بغداد حتى باع نفسه للشيطان ولم يتردد في الارتباط بجماعة من القادمين الجدد، لقد تحول الى احد الابواق التي تروج لهؤلاء القادمين على ظهور الدبابات الغازية، الذين لا ازل اصر على انهم وَهْمٌ جاء وسيظل وهماً وسيرحل ويعود كما كان وهماً، لقد كان من المخجل انه ارتبط باكثر الجماعات انحطاطا من بين كل تلك الجماعات التي قدمت من خارج الحدود، هؤلاء الذين كانت عصاباتهم تجوب بغداد وبقية المناطق والمدن العراقية لشراء اي شيء مسروق من سيارات الدولة و التحف او اللوحات او اي شيء ذا قيمة.

كان الجميع في حالة من الذهول بعد سقوط بغداد، كما سادت حالة من الخوف والهلع في صفوف من كانت له علاقة بحزب البعث او مؤسسات الدولة الامنية، وقد اضطر بعض من اعرفهم من هؤلاء الى مغادرة المنطقة، وهذا كان حال صديقتنا الكربلائية التي رحلت الى كربلاء لانها رفيقة حزبية نشطة عدا عن كونها زوجة رفيق قديم في الحزب، كما رأيت وجوها جديدة في المنطقة، وقد ادركت ان هؤلاء القادمين الجدد لا بد انهم اعضاء حزبيين جاؤوا من مناطق بعيدة او من بغداد نفسها، الا انهم غير معروفين هنا وبهذا فهم ربما يشعرون بنوع من الأمن اكثر مما لو بقوا في مناطقهم، برغم ان بعضهم تمت ملاحقته الى المنطقة، فكان عليه ان يغادر او يقتل، وقد غادر البعض وقتل البعض، كما ان البعض الاخر فضل مغادرة القطر الى الدول المجاورة.

لم يكن هؤلاء هم الوحيدين الذين كانت وجوههم جديدة في الحي، فلقد كانت هنالك وجوه اخرى جديدة، الا انها هذه المرة هي من بين اولئك الذين اتوا مع الدبابة الاميريكية، وكان هؤلاء يعيشون بقلق لا يقل قلقا عن الرفاق الحزبيين فهم في كثير من الاحيان كان ينظر اليهم على انهم غير مرغوب بهم، وكانوا قليلا ما يختلطون بالاخرين، كما انه كان بالامكان ملاحظة انهم لا يشعرون بالاطمئنان، كان بعضهم لا يتحرك الا ضمن سيارات محروسة فيها اكثر من مسلح، وقد اختفى اغلبهم مع استمرار التدهور الامني في البلد ولم يعد موجودا في الحي.

النوع الثالث من الوجوه الجديدة هو اولئك السراق الذين تخصصوا في سرقة البنوك او استطاعوا ان ينهبوا ما نهبوا من المخازن والقصور والفلل وغيرها، وهذا ما شكل لديهم حالة من الثراء المفاجئ، لقد كان بالامكان تمييز هؤلاء من طريقة تعاملهم ومن ملابسهم وتصرفاتهم كما ووجود اجهزة الثريا لديهم، لا بل افصح البعض منهم عن ذلك، اضافة الى نوع السيارات التي يقودون والتي لا تتناسب مع اعمارهم او مناظرهم.

هذه الفئة كانت قد سطت على هذا البنك او ذاك، وكان لها شركاء في عملياتها القذرة، وبعد ان تم فك الشراكة بينهم، صار الكل من هؤلاء يبحث عن بعضهم البعض في محاولة للسيطرة على ما حصل عليه شريكه، وقد تخصصت بعض العصابات بملاحقة هؤلاء، حيث كانت تلاحقهم من خلال ما لديها من عناصر ادمنت على الاجرام منذ فترة بعيدة وقبل سقوط النظام، وقد ذاعت اسماء عديدة في هذا المجال وكان يحسب لها الف حساب، هذه العصابات اذا ما اكتشفت هؤلاء السراق الذين لا يرقون الى مستوى العصابات، فانها تقوم باختطافهم ولا يتم تحريرهم الا بعد ان يكونوا قد اعلنوا ولاءهم وطاعتهم لرؤساء تلك العصابات ودفع المبالغ المطلوبة منهم، هذه المبالغ يحددها رئيس العصابة بعد ان يكون هؤلاء قد اقروا بحجم ما نهبوه بالضبط من البنوك او من غير البنوك.

استقرار محفوف بالمخاطر

بعد ان استقر الوضع نسبيا في العاصمة وتعود الناس على ما آلت اليه الامور، صار بالامكان التحرك في العاصمة برغم ما يشوب هذه الحركة من مخاطر، لقد كان من الممكن ان يتم ايقاف اي سيارة من قبل مجموعة من اللصوص الذين هم ايضا قتلة، ويجبرون سائقها على النزول منها وسرقتها على مراى من كل الناس بدون ان يجرؤ احد على التدخل، الا انه وبرغم ذلك فان الحركة والحياة كانت تسير بشكل شبه طبيعي، لان من غير الممكن ان تتوقف الحياة تحت اي ظرف من الظروف.

كنت في ساحة بيع السيارات بمنطقة البياع في عصر احد الايام، وهي ساحة تضم عشرات المعارض وهذه تضم مئات وربما الاف السيارات، وينتشر فيها عشرات الحراس المسلحين بالمسدسات والبنادق من نوع كلاشينكوف، اتت مجموعة من السراق القتلة، كانوا في سيارتين وعددهم ستة، لم يدخلوا الى ساحة المعارض، بقوا على الشارع العام في سياراتهم، وعندما شاهدوا احدهم يلتف بسيارته الحديثة يريد الدخول الى الساحة من اجل بيع السيارة، – وهذا ما افصح عنه فيما بعد-، هجم عليه ثلاثة منهم واجبروه على النزول منها تحت تهديد السلاح واخذوا السيارة وانطلقوا بها بعيدا.

ربطتني به علاقة حميمة، كنت اجده حلو المعشر، كان في اواخر الخمسينات وربما في اوائل الستينات، انه ابو حيدر، اشترى سيارة حديثة جميلة، كان يعمل عليها في كسب رزقه، لم يكن يغادر المنطقة، كان يعمل ضمن منطقته فقط حتى لا يتعرض للسرقة او القتل، وفي المرة الاولى التي غادرها لايصال احدهم الى منطقة المنصور، هوجم من قبل السراق القتلة، اخذوا سيارته هكذا بكل بساطة، كان يحدثني وهو يبكي عن كيفية سرقتها، انها مصدر رزقه الوحيد وقد اشتراها بالتقسيط، كان كل همه كيف سيقوم بدفع ما تبقى من اقساطها وهو مبلغ كبير.

ام حقي امراة في اواخر الستينات من عمرها، كانت في سوق الشورجة الشهير، كانت تتسوق لان الاسعار هنا اقل من غيرها كونها تعتبر اسعار جملة، هاجمها مجموعة من القتلة السراق، لم ترحمها توسلاتها، ولم يغفر لها كبر سنها. لقد اختطفوها واتصلوا بالعائلة طالبين فدية كبيرة، وعندما رد ابنها عليهم قالوا له ان عليه ان يدفع 50 الف من الدولارات، توسل اليهم واخبرهم ان ليس بامكانه دفع هذا المبلغ، وان كل ما يملكه من “تحويشة العمر” لا يتجاوز ال15 ورقة اي 1500 دولار، وظلت المساومات طيلة اربعة ايام، اذاق الرعاع المراة الطاعنة الامرين وساموها سوء العذاب، كل ما استطاع جمعه من الاصدقاء والاهل وبيع كل ما يحتويه بيته هو خمسون ورقة، اي خمسة الاف دولار، وقد وافق القتلة اخيرا على المبلغ وافرجوا عن الوالدة ولكن بعد ان رات كل انواع العذاب.

كان الوقت قبل الظهيرة عندما توقفت سيارة في الساحة التي اسكن، كان فيها اثنين من هؤلاء القتلة، نزلوا من السيارة، كان العديد من الاطفال يلعبون برغم الحرارة الشديدة، طلبوا من احدهم- عامر الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره وكان يسكن في البناية المقابلة لنا مباشرة-، ماء يشربونه، ذهب الى الشقة وجلب لهم الماء ليطفأوا ظمأهم، الا انه وعندما ناولهم الماء، ألقوه في مقعد السيارة الخلفي وانطلقوا به بعيدا، لقد اخبرني اطفالي عن ذلك وهم في حالة من الرعب الشديد، وزوجتي في حالة من الذهول، الصدمة ربما، لا بل اسوأ من ذلك، كانت ترتعد خوفا، تبكي بحرقة، لم ارها تبكي هكذا الا عندما سقطت بغداد، كانت تسرد لي كيف راتهم من النافذة وهم ينطلقون بالسيارة وهي لا تستطيع حتى الصراخ، كانت تحدثني عن كيفية اختطافه وكانه احد اولادها، قالت لي انه تم اخذه هكذا من بين اقرانه، بقلوب قاسية لا مكان فيها للرحمة، وبمشاعر لا تهتز، في رابعة النهار.

وبدأت الحكاية كما كل الحكايات المماثلة، مساومات ومفاوضات، وضرب للطفل على مسمع من اهله من خلال الهاتف النقال، وتهديد باغتصابه او قطع اجزاء منه وارسالها الى الأهل كقطع الأذنين مثلا، وتنتحب النساء، ويعجز الرجال عن فعل اي شيء، لقد كنت اشعر كم نحن عاجزين عن فعل اي شيء لهذه الام التي تنوح ليل نهار، كان عويلها يتسبب في قشعريرة في جسدي، كان قلبي يتقطع ألمًا وحزنا، وكنت اشعر باننا مجموعة من العجزة لاننا كنا فعلا عجزة، لا نستطيع عمل اي شيء من اجل تهدئة هذه السيدة التي قد يقتل ابنها في اي لحظة، هذا الشعور بالعجز كان يتسبب في مضاعفة المعاناة، فلقد اخذه قوم قساة القلوب، هذا ان وجدت لديهم قلوب اصلا، ولم يتم استرداد الطفل الا بعد فترة اسبوع ودفع عشرين الف دولار.

كانت احد معلمات ولاء وعمر الذي دخل الصف الاول في المدرسة القريبة من البيت، كانت على درجة عالية من الاخلاق والثقافة، اختطف المجرمون زوجها، اتصلوا بها طالبين خمسين الفا من الدولارات، واتى الاهل وبعد مفاوضات معقدة وكيف واين يتم التسليم، تم الاتفاق على دفع مبلغ عشرين الف دولار، وتم دفع المبلغ، الا ان الزوج لم يعد ابدا. لقد قتله القتلة، لقد اتصلوا بها بعد ان دفعت الفدية بان بامكانها ان تستلم الجثة من المشرحة في مستشفى اليرموك، لقد كانت صدمة في المدرسة، لقد بكت المعلمات كما الطالبات والاطفال، لقد عمت المدرسة حالة من الذهول، الرعب والهستيريا والنواح سادت في جنبات المدرسة، لم احتمل ما نقلته الي زوجتي عن الموقف، شعرت بالغثيان، بقرف وتقزز شديدين مما يحدث وتساءلت لماذا قتله؟ أوَ لم يدفع لهم ما وافقوا على اخذه هكذا غيلة وغدرا، اذا لماذا قتله؟ لقد ادمت تلك الحادثة القلوب وخاصة الاطفال الذين كانوا يشاهدون المعلمة وهي تنوح بحرقة وتمرغ وجهها بالتراب هي واطفالها الذين كانوا يدرسون في المدرسة كذلك، لقد ظل الحديث عن ماساة المعلمة في المدرسة طويلا.

لقد كانت هنالك مئات لا بل الاف القصص المماثلة ولا زالت, ان بالامكان الحديث عن الاف القصص والحكايات المشابهة, ولسوف تستمر هذه الجرائم طالما بقي الجيش الاميريكي الذي لا هم له سوى توفير الحماية لجنود الاحتلال.

في محاولة لاسباغ نوع من التغيير وبث روح من الديمقراطية الخادعة، دفع المحتلون بازلامهم واحزابهم ان يقوموا بنشر صحف تلك الاحزاب، وقد بدات تنتشر في الاسواق صحف عربية الكتابة واللغة تابعة للاحزاب العراقية التي أتى معظمها على ظهر الدبابة الاميريكية، الا انها كانت فارسية وغربية الانتماء والقلب والمعاني، هذه الصحف كان اغلبها يصدر في الخارج، كما بدات تتشكل انوية لاحزاب جديدة جل اعضائها من الداخل العراقي، وقد كانت اغلب تلك الصحف وخاصة تلك التابعة للاحزاب المعارضة التقليدية تنشر سموما لا بل ما هو اخطر من السموم، فهي لم تتوقف عن الدس والتحريض على الامة العربية وضرورة الانفكاك من هذا الارث او التركة، وضرورة عدم الارتباط بهذه الامة. وكان يمكن ملاحظة ذلك في صحف الاحزاب التي تربت ونشات وتدربت في ايران كما في الصحف التابعة للاحزاب الكردية.

ململة متصاعدة فمقاومة جسورة

مع استمرار الاحداث وبقاء الامور الحياتية في العراق هكذا بدون تقدم لا بل يمكن القول انها صارت في تراجع، برغم كل المحاولات الاميريكية للكذب والخداع، كان بالامكان ان يلمس اي مراقب للمشهد العراقي بتغير نغمة الحديث عن الاحتلال ونهاية النظام السابق، ومع مرور الشهور صار يمكن سماع الناس في الشارع او في السوق وهم يترحمون على ايام “العهد البائد”، في البداية كان الكل يجمع على ان الخلاص من النظام هو انجاز برغم كل الذي حدث، فمساحة من الحرية افضل من عدم وجودها، ولابد من ثمن بدفع لقاء ذلك، هكذا اعتقد البعض، وعلى اي حال فانه وفي البدايات الاولى للاحتلال ذلك لم يكن احد ليجرؤ على انتقاد هذا الاحتلال، فحتى اولئك الذين كانوا ضد الاحتلال كانوا لا يجهرون بذلك، لان الجهر بمعاداة الاحتلال يعني انك من جماعة النظام السابق ومن اعوان صدام الى اخر الموال.

في البداية كان الكل سعيدا بالتخلص من النظام السابق، او هذا على الاقل ما يبدو على السطح، او ما يمكن للمراقب ان يلامس، الا انه وبعد مرور فترة من الزمن ليست بعيدة، صار بالامكان ملاحظة او تلمس الململة، فلقد صار بالامكان ان تسمع من يشتم هؤلاء “الخنازير” كما كان يتم وصف الاميريكيين، وصار بالامكان ان تسمع ان من يقف وراء كل عمليات القتل والتفجيرات التي تحدث في العراق انما هي من تدبير هؤلاء “الخنازير”، وصارت اصابع الاتهام تشير اليهم في كل ما هو سيء.

صار الكل يشعر ان لا تحسن على الاوضاع، لا كهرباء ولا ماء ولا غاز ولا وقود في بلد يملك اكبر مخزون بترولي او نفطي في العالم، كما انه بلاد الرافدين ولا وجود للماء السائل في البيوت واذا وصلت فانها تكون غير منقاة وغير معقمة، او ملوثة بمياه المجاري التي تسربت اليها نتيجة لاسباب كثيرة، لا بل صارت الامور تميل الى السوء بعد دخول الغزاة، فكل الاشياء ارتفعت اسعارها باشكال جنونية، وخاصة العقارات التي تضاعفت مرات عدة، كما المواد الغذائية وحتى التعليم الذي كان مجانيا، فقد صار لا بد من دفع اقساط برغم قلتها اذا ما قورنت بالدول المجاورة، الا انها في العراق تعتبر عالية وغير مبررة.

هذا الواقع ادى الى مزيد من التذمر في صفوف العراقيين، خاصة الذين بدا عليهم الترحاب في البدايات، وقد صار كل ما يحدث في العراق خاضع للنقد، وكانت الجهة التي يقع عليها اللوم هي القوات الغازية، بعد ان كان هذا ممنوعا قبل اشهر قليلة، وصارت الامور تزداد تعقيدا خاصة في ظل القوانين الجديدة التي تم سنها بعد الاحتلال، كما ان بعض القرارت التي تم اتخاذها من قبل الادارة المدنية التي يقودها الحاكم الاميريكي بريمر كانت سببا في زيادة الحقد على الاميريكي وقواته في العراق.

كنت انوي التوجه من الحي حيث اسكن، الى البياع، والحقيقة ان المكانين لا يبعدان سوى اقل من دقائق معدودة، كنت قد سمعت صوت انفجار هائل قبل ان اغادر الشقة بدقيقتين او ثلاثة دقائق، كان واضحا ان الانفجار قريب جدا من الحي لانه هز اركان العمارة بشكل ذكرنا بايام القصف الرهيب على بغداد، وهنا كان لا بد من ان اتشاجر مع الزوجة التي ارادت منعي من المغادرة حرصا وخوفا، الا انني كنت مصرا على التوجه الى مبتغاي، وقد كان الانفجارقريبا جدا من المكان فهو يبعد اقل من كيلومتر، وقد توقفت كما كل الفضوليين الذين توقفوا، كانت بعض الجثث لا تزال ملقاة في الشارع، لقد كان الانفجار عند تقاطع للاشارات الضوئية الذي عادة ما يكون مزدحما بالسيارات، وكانت عمليات الانقاذ لا تزال مستمرة، لقد ترجلت من السيارة، وصرت اراقب ما يحدث واسمع ما يقال، لقد كان الكل يلعن الاميريكيين، وكثير من هؤلاء يؤكد لا بل يحلف اغلظ الايمان انه شاهد طائرة اميريكية وهي تطلق صاروخا ومن بعد ذلك حصل الانفجار.

لقد وقع الانفجار في صهريج للنفط بينما

24-3-2009

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s