غزة تطلق العد العكسي لزوال (اسرائيل) // عصام زروق

HTML clipboard

غزة تطلق العد العكسي لزوال (اسرائيل)

عصام زروق

في عام 1954 قال موشيه ديان، وزير الدفاع والخارجية الإسرائيلي، في جنازة صديق له قتله أحد الفدائيين الفلسطينيين: “علينا أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يسقط السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة.. فالضحايا الذين طردوا من ديارهم تحولوا هم وأبناؤهم إلى فدائيين يقرعون الأبواب يطالبون بالأرض التي سلبت منهم”. انتهى كلامه..  

إن الإحساس الدائم لدى الصهاينة بأن نهاية ما يسمى دولة (إسرائيل) هو شيء متجدر في نفوسهم، وهي من الهواجس الكبرى التي تقض مضاجعهم كل يوم، فقد نشرت جريدة يديعوت أحرونوت 27 يناير 2002 مقالا بعنوان “يشترون شققاً في الخارج تحسباً لليوم الأسود”، اليوم الذي لا يحب الإسرائيليون أن يفكروا فيه، أي نهاية (إسرائيل)!.

و صدرت مجلة نيوزويك في أحد أعدادها حيث حمل غلافها صورة نجمة إسرائيل، وفى داخلها السؤال التالي: “مستقبل إسرائيل: كيف سيتسنى لها البقاء؟”. وقالت: “هل ستبقى الدولة اليهودية على قيد الحياة؟ وبأي ثمن؟ وبأية هوية؟”.

وكتب إيتان هابر مدير مكتب إسحق رابين في عهده في يديعوت ــ 29 – 6 – 2008 يقول: “من دون ذكر الأسماء، لا يبدو أن أغلبية المرشحين لهذا المنصب الرفيع بعد أولمرت ملائمين لمطلبنا بالحصول على شخصيات قيادية تتمكن من الحلول محل شخص كدافيد بن غوريون أو موشيه شاريت أو ليفي اشكول أو مناحيم بيغن أو اسحق رابين وغيرهم”، مضيفا: “فللمرة الأولى منذ عشرات السنين تتعرض الدولة لتهديد حقيقي لوجودها”. و نشرت أحد المقالات بجريدة يديعوت أحرنوت عنونه كاتبه بـ: “عقارب الساعة تقترب من الصفر لدولة إسرائيل”، وجاء فيه “في مؤتمر المناعة الاجتماعية  عُلم أن معدلاً كبيراً جداً من الإسرائيليين يشكون فيما إذا كانت الدولة ستبقى بعد 30 سنة. وهذه المعطيات المقلقة تدل على أن عقارب الساعة تقترب من الساعة 0 أي لحظة النهاية” ..

و للأسف كثير من العرب والمسلمين خاصة الأنظمة العربية تعتقد بأن هذه هي من الخرافة التي لا يمكن التصديق بها أو التعاطي معها أو حتى التفكير فيها، وتكفي مبادرة السلام التي أطلقوها أو لنقل أحيوها بعدما رفضها الكيان الصهيوني في سنة 2002 إبان الانتفاضة الفلسطينية، وهي دليل تطبيعي كافي مع الكيان الصهيوني من أجل إدماجه داخل الأمة العربية، وهو دليل مباشر على القناعة التامة على أن الكيان الصهيوني حقيقة لا مفر منها، لا سيما والمبادلات التجارية منها المعلنة أو الخفية، تجري وكأن سفارة الكيان مفتوحة في كل الدول العربية.

لكن هذه القناعة بمسألة الزوال لم تكن لتترسخ داخل الكيان الصهيوني وتتأكد بالدليل الواضح الفصيح إلا بعد  حرب الفرقان، حرب غزة.. حيث أن هذه الحرب كانت هي الحرب المفصلية في تاريخ القضية وهي حرب تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقبيل الحرب كانت كل مبشرات الإجهاز على القضية الفلسطينية وعلى كل مقومات الحراك لدى الأمة الإسلامية  تنبئ وتؤكد هذا الأمر.

وأول دليل  هو التصريح العلني بالعمالة للكيان الصهيوني الذي نتج عنه إخضاع الضفة الغربية بالكامل وانقطاع نفس المقاومة داخلها على أيدي أجهزة عباس وزبانيته، وقد ظهر هذا الأمر جليا أثناء الحرب في قمع التظاهرات وكل أشكال المقاومة.

والأمر الثاني هو إدخال قطاع غزة في حصار استنفد أهم مقومات الحياة- فما بالك بمقومات الحروب- والتي من خلالها تقوم باستنزاف الضحية بشكل غير مباشر حتى يسهل القضاء عليه عند الحرب المباشرة.

والأمر الثالث هو إطلاق مبادرة السلام العربية من جديد كإذعان ورفع الراية البيضاء لما يمسى إسرائيل من أجل إدماجها داخل منظومة الدول العربية سياسيا واقتصاديا.

والأمر الرابع والخطير هو موت القضية الفلسطينية داخل نفوس أبناء الأمة الإسلامية كمحرك ومستنهض للنفوس والهمم، خاصة بعد دخول القضية فيما يسمى بـ”الانقسام الفلسطيني” الذي غذته وسائل الإعلام الصهيوأمريكية، لنسمع أحد الوزراء المغاربة يقول ” لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”.

إن انتصار غزة زكى هاجس زوال إسرائيل بقوة داخل المجتمع الصهيوني، فالصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في غزة أعطى الحقيقة الكبرى للصهاينة أنه لا نكبة بعد اليوم، وأن ثباتنا على الأرض لا يزيله إلا الموت عليها، وهذا يعني أنه لا توجد قوة في الكون يمكنها أن تثني هذا الشعب عن خيار المقاومة والتمسك بالأرض والعرض.

إن الكيان الصهيوني الآن  محاط بأخطر تهديد على بقائه، خاصة وأن المجتمع الصهيوني هو مجتمع غير متماسك وهو قابل للتفكك تحت أي تهديد أو ضغط حقيقي، فلم يكن اليهود في أصلهم شعب حتى يجتمعوا كشعب، ومنطق الزوال لا يعني دائما القنبلة النووية، فقد قال الرئيس السابق لاتحاد الصناعيين في إسرائيل دوف لاوتمان : “أن الفجوات الاجتماعية في الكيان الصهيوني أكثر خطورة من القنبلة النووية”، حيث أن الكيان الصهيوني يحتل المرتبة الثانية عالميا في اتساع الفروقات الاقتصادية بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، ويحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم في اتساع الفجوات الثقافية، وأكدت تقارير على أن الكيان الصهيوني الأكثر فسادا بين الدول المتطورة، فهي تحتل المرتبة 33 من أصل 180 دول، ولا يمكن هنا أن نغفل الحركة المتزايدة لليهود المغاربة القادمين من (إسرائيل) والمستثمرين في قطاع العقار تصب في هذا الاتجاه، حيث أن عملية شراء الأراضي والمباني داخل المدن التي كان يسكنها اليهود قبل هجرتهم كوجدة وأصيلة وتطوان إلخ..  عرفت تزايدا ملحوظا جدا في الآونة الأخيرة، وهذا يدل على أن هناك هجرة معاكسة تنم على خوفين أساسين: الخوف الداخلي وهي الفروقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وخوف خارجي الخطر الإيراني، حزب الله  وحركة حماس والشعوب العربية والإسلامية التي ترفض رفضا باتا وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

مبشرات نهاية الكيان الصهيوني بعد غزة وتجلياتها على العالم العربي والإسلامي  تزيد يوما بعد يوم ومن أهمها:

1- اليقين التام أنه لا يمكن الإجهاز على القضية الفلسطينية، ولا على المقاومة بعدما استعملت كل قوتها وأسلحتها التدميرية لهذا الأمر. وأنه لا تنازل عن حق اللاجئين والقدس.

2- تسريع تهويد القدس بشكل كبير وغير مسبوق، حيث تم الكشف عن مخططات صهيونية من أجل تفريغ الآلاف من البيوت المتاخمة للقدس، تمهيدا لتهويدها بالكامل، وذلك لتفعيل حل الدولتين، الذي أصبح النغمة المتداولة في الطاولة السياسية كحل استراتيجي للأزمة الصهيونية خاصة في ما يتعلق بالمشكل الديمغرافي.

3- التهديد الإيراني والتوعد المستمر لإزالة (إسرائيل) من الخريطة، والتفكير ألف مرة بأي خطوة جنونية لأجل ضرب إيران أو ضرب مفاعلاتها النووية، خاصة وأن الولايات المتحدة حتى هذه الساعة غير قادرة على السيطرة على إيران، وهي الآن تنحو منحى الحل الدبلوماسي كدليل واضح على أن صوت التهديد والوعيد لم يعد ينفع أو يؤثر.

4- الأزمة المالية الكبرى التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن الكيان الصهيوني يعيش على نفقتها، ولا يمكن له الاستمرار إلا بها، وهي من المسلمات التي لا تحتاج إلى شرح أو تفسير.

5- حالة التقهقر التي عليها إسرائيل بعد أن لحقت بها هزائم عسكرية متوالية منذ حرب الاستنزاف (في نهاية الستينيات) وحرب 1973 والانتفاضة الأولى (1987) والانسحاب من جنوب لبنان والانتفاضة الثانية والحرب السادسة أمام حزب الله والتي أثبتت أن الجيش الإسرائيلي يُمكن أن يُهزم، ثم حرب الفرقان في 2009 التي أكدت استحالة القضاء على المقاومة.

6- التحول العميق في منطق الصراع القومي إلى الصراع العقدي باختلاف المذاهب، وهذا بعدما اُُقبرت دعوات العروبة والقومية من أجل استنهاض الأمة العربية والإسلامية.

7- المناداة والدعوة إلى تفعيل مبادرة السلام العربية من طرف الكيان الصهيوني هذه المرة بعدما كان هناك رفض كامل جملة وتفصيلا لها في سنة 2002 إبان الانتفاضة.

8- هبوط متواصل في نسبة الشبان الإسرائيليين الذين يريدون البقاء في الكيان الصهيوني، فقد نزلت الرغبة في البقاء داخل الكيان الصهيوني بعد حرب لبنان من 63 في المائة إلى 46 في المائة سنة 2008.

9- مناداة أولمرت المتكررة للعودة إلى حدود ما بعد 67 حيث قال في ذكرى رابين-10-11-2008 :” يجب علينا حسم الموضوع الآن دون تردد قبل أن يتغير الواقع الذي نواجهه تماما وتتلاشى أمام ناظرنا تلك النافذة الضيقة من الفرص المتوفرة لتثبيت صيغة الحل في وعي شعبنا وشعوب المعمورة”.

10- تراجع تبرعات يهود العالم بسبب الأزمة المالية حيث تقول جينفر لازو مزراحي رئيسة “مشروع اسرائيل” في الولايات المتحدة أنها باتت تجد صعوبة في تجنيد أموال تبرعات لإسرائيل لأن منظمتها توظف جل جهدها في محاولة شرح جدية التهديد الإيراني على (إسرائيل)، أمام الرأي العام الأمريكي. ونشرت صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية التابعة لصحيفة هارتس تقريرا مطولا حول القلق الذي يسود آلاف الجمعيات الخيرية في (إسرائيل) والتي تصل ميزانيتها الإجمالية إلى نحو80 مليار شيكل” وهي ما يعادل 21.7 مليار دولار، وتصل قيمة التبرعات الخارجية إلى 10 في المائة.

11- وتشير إحصائيات سابقة أن  70% من يهود الولايات المتحدة لم يكونوا أبدًا في “إسرائيل” ولا يعتزمون زيارتها، 50% من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجًا مختلطًا، 50% من الشباب اليهودي هناك لا يهمهم إذا اختفت “إسرائيل” عن الوجود.

12- ظاهرة “موت الشعب اليهودي” وهي ظاهرة مردها إلى اندماج اليهود في المجتمعات الغربية، والزواج المختلط الذي يسمونه “الهولوكوست الصامت” وتراجع نسبة الخصوبة حتى أصبحت هي الأقل عند اليهود، عالمياً وداخل فلسطين، في حين أن نسبة الخصوبة لدى المسلمين في فلسطين هي الأعلى عالمياً “97%”. وبحسب التوقعات “الإسرائيلية” فإن عدد المسلمين في فلسطين سيصل سنة 2020م إلى 8.2 مليون مسلم مقابل 6.3 مليون يهودي، وهذا يشكل خطراً بالغاً على وجود “إسرائيل” ويجعل هذا الوجود وقضية عودة اللاجئين أمران لا يلتقيان.

إن مسألة زوال إسرائيل ثابتة عقديا، لكن مسلمات الإيمان تستوجب أن تقيم وتؤسس جهودا فعلية وواقعية لتحقيق هذه المسلمة على أرض الواقع، وكلما تم تسريع هذه الجهود الفعلية إلا وتم تسريع زوال الكيان الصهيوني بشكل تلقائي، وإلا فان الأمر سيترك إلى الأجيال التي تلي الأجيال إلى أن تستقر في جيل يحقق في ذاته صدق القول مع صدق العمل.

تمارة 26/3/2009

ربما لا يدعم متصفحك عرض هذه الصورة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s