الصومال: تساؤلات ومفارقات عجيبة لا تنتهي // د. أكرم حجازي

HTML clipboard

الصومال: تساؤلات ومفارقات عجيبة لا تنتهي

د. أكرم حجازي

كل الدول التي رحبت بالتدخل الأثيوبي في الصومال ضد المحاكم الإسلامية برئاسة شيخ شريف أحمد هي ذاتها التي رحبت بانتخابه رئيسا للصومال! وكل الذين أيدوا ضمنا أو علانية أو غضوا الطرف عن هذا التدخل العنيف هم أنفسهم الذين يؤيدون اليوم الرئيس الجديد وحكومته مثلما أيدوا سلفه عبد الله يوسف! وأغلب الذين امتعضوا أو رفضوا نموذج تطبيق الشريعة الإسلامية زمن المحاكم في السلطة أو لاذوا بالصمت المطبق خلال سنتي الحرب الطاحنة ضد الأثيوبيين يعبرون اليوم عن قبولهم لها! والسؤال: كيف ومتى تكون الشريعة حينا ما مؤشرا على ” التطرف والإرهاب” الذي يستدعي من القوى الكبرى والإقليمية التدخل العسكري لإحباطه بينما هي اليوم موضع ترحيب ولو مبدئي من ذات القوى؟ ثم إنْ كان الرئيس الجديد قد أبدى استعداده لتطبيق الشريعة؛ فلماذا تصر القوى الجهادية على وجه الخصوص على مواصلة القتال؟ باختصار؛ ما هي القضايا الخلافية؟ وما هي مواقف الأطراف تجاهها؟

ما أنْ انسحبت القوات الأثيوبية حتى بدأت خريطة القوى الجهادية والدينية تتبلور في صورة تحالفات سياسية أو هيئات دينية كاستحقاق لمواجهة المرحلة القادمة. وكانت البداية حين أعلنت أربع جماعات مسلحة في الصومال (2/2/ 2009) هي المحاكم الإسلامية (جناح أسمرا)، ومعسكر رأس كامبوني، والجبهة الإسلامية، ومعسكر الفاروق (عانولي) عن تأسيس “الحزب الإسلامي” بزعامة د. عمر إيمان أبو بكر.

ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت على السطح، قوة محلية عرفت باسم “هيئة علماء الصومال” يقودها الشيخ بشير أحمد صلاد زعيم جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة. وفي ختام مؤتمرها التأسيسي (14 – 19/2/2009) أصدرت الهيئة بيانا دعت فيه الحكومة إلى: “العمل على تطبيق الشريعة” و:إخراج جميع القوات الأجنبية من الأراضي الصومالية في مدة أقصاها مائة وعشرين يوما تبدأ من 1/3/2009م”.

وبالتوازي مع التشكيلات الجديدة التي طرحت نفسها بديلا سياسيا عن حكومة شريف أو وصية على القوى الجهادية تدفقت حشود الوسطاء المرحبة، سلفا، بالرئيس وحكومته على الصومال رافعة شعار المصالحة بينه وبين خصومه. أما لماذا هذا التوسط المفاجئ؟ فلأن الصوماليين يجيدون القتال ولا يجيدون السياسة. وتبعا لذلك فهم، بحسب إحدى الأطروحات حتى المحلية، يتسمون بقلة الخبرة السياسية والتجربة ما يجعلهم بحاجة إلى المساعدة! ولسنا ندري إن كان الرئيس وحكومته منهم أم أنهم نضجوا؟ لكن هذه الأطروحة تنتقص، من حيث تدري أو لا تدري، من مشروعية الجهاد وأهدافه بحيث يبدو وكأن الهدف من القتال هو القتال بحد ذاته أو بصيغة أخرى ممارسة الإرهاب. ولا يبدو أن هكذا أطروحة توقفت، ولو قليلا، عند تجربة المحاكم باعتبارها تجربة صومالية خالصة تمكنت من بسط سلطتها، دون مساعدة من أحد، على أغلب مناطق البلاد وطبقت أحكام الشريعة ونجحت في إشاعة الأمن والاستقرار في الصومال لمدة ستة أشهر، ولم يشتك أحد في حينه من مفارقات ولا من انعدام خبرات ولا من غياب للدولة، ولم تكن المحاكم في ذلك الوقت تتحدث لا عن جهاد عالمي ولا عن تهديد إقليمي ولا عن الحاجة حتى إلى وسطاء. فهل كان الصوماليون زمن المحاكم راشدين وبعد هزيمة الأثيوبيين أصبحوا قاصرين؟

ولأنها أطروحة غير دقيقة، خاصة وأن التجربة أُجهضت بفعل التدخل الدولي المسلح وليس لقلة الخبرة، فقد اصطدمت على الفور بمواقف القوى الجهادية التي حسمت الموقف بمسألتين خلافيتين قبل الحديث عن أية مصالحة مع الحكومة:

الأولى: الانسحاب الشامل لكافة القوى الأجنبية من الصومال ابتداء من القوات الأثيوبية وانتهاء بالقوات الدولية الأفريقية “أميصوم”.

الثانية: تطبيق أحكام الشريعة على البلاد والعباد.

لكن واحدة فقط من هاتين المسألتين (تطبيق الشريعة) هي التي تشكل موضوع الحراك السياسي بالنسبة للوسطاء والحكومة، فالحوار فيها يستهدف “تقريب وجهات النظر” مما يعني أن هناك مشكلات جدية خاصة في نية الحكومة تطبيقها من الأصل كنظام حكم وحياة. لذا ثمة شكوك كبيرة وفقدان للثقة بين القوى الجهادية والحكومة من جهة وحتى بين الوسطاء المحليين والوافدين من جهة أخرى. وفيما يلي بعض المؤشرات التي تعكس حقيقة الخلاف:

أولا: شخصية الرئيس الجديد

ثمة شكوك كبيرة تحوم حول شخصية شيخ شريف منذ الانهيار السريع والمفاجئ للمحاكم في أعقاب التدخل الأثيوبي، فبدلا من إعادة تنظيم الصفوف كما فعلت القوى الجهادية ترك شريف مجموعته وتسلل عبر الحدود الكينية حيث عرّف على نفسه للأمن الكيني، ومن ثم جرى تسليمه للسفارة الأمريكية هناك حيث اجتمع بأركانها طويلا، وخرج ليصف الاجتماع بأنه بناء، مما أدهش المراقبين  وأثار حفيظة رفاقه. ومع ذلك ترأس التحالف من أجل تحرير الصومال، ولم يطل الوقت حتى انشق التحالف إلى جناحين أحدهما تدعمه أسمرا برئاسة الشيخ حسن طاهر أويس والثاني في جيبوتي برئاسة شيخ شريف.

وفي جيبوتي تلقى شريف دعم القوى الدولية ومجلس الأمن واتفق معها على “حل سياسي” للأزمة الصومالية. وقد عنى هذا الأمر منذ ذلك الوقت تخليه عن المقاومة علانية وتبنيه للأطروحة الأمريكية القاضية باعتماد التفاوض بديلا عن المقاومة أو الجهاد. وجاء تنصيبه رئيسا للبلاد (31/1/2009) بدعم أمريكي وترحيب أثيوبي ليقطع كل شك بيقين حول انحيازه وتبعيته للقوى المعادية للشعب الصومالي. وبدا  التساؤل عن حقيقة الدور الذي يلعبه في الصومال يلقي بالمزيد من المخاوف على مستقبل البلاد ومصير القوى الجهادية التي قاتلت في الميدان خاصة وأن القوى المحلية التي رحبت به وتحالفت معه لم تطلق رصاصة واحدة ضد الاحتلال فضلا عن كونها أبعد ما تكون عن تبني مطلب الانسحاب الفعلي للقوات الأجنبية ناهيك عن تطبيق الشريعة.

والحقيقة أن التوقف عند الرئاسة الجديدة ليس حدثا مثيرا بحد ذاته إلا بالقدر الذي يلقى فيه شيخ شريف ترحيبا أثيوبيا وأمريكيا، فمن سيصدق حينها، خاصة من القوى الجهادية التي دفعت ثمنا باهظا لطرد الأثيوبيين، أن الرجل بصدد تطبيق الشريعة وهو الذي أطيح به لذات السبب؟ وإذا كان الأمريكيون سيدعمون نظاما يطبق الشريعة فلماذا أسقطوا المحاكم ورئيسها ثم قبلوا به؟ ولماذا يضعون القوى الجهادية المحلية على قوائم الإرهاب؟ ولماذا يحاربونها في شتى الأماكن؟

ثانيا: هيئة علماء المسلمين

لمعرفة جوهر توجهاتها يمكن الانطلاق من شخصية رئيسها الشيخ بشير أحمد صلاد. فالرجل هو أمير جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة سليلة الاتحاد الإسلامي. وهي جماعة جهادية خاضت معارك طاحنة ضد التدخل الأمريكي في الصومال وضد أمراء الحرب فيه، إلا أنها أوقفت عملها المسلح سنة 1998 واتجهت قيادتها منذ ذلك الحين نحو التركيز على الجانب الدعوي. وكان هذا التوجه سببا لتعرضها لانشقاقات متتالية على خلفية ما وصف بتخليها عن الجهاد فيما تصف هي المنشقين عنها بأنهم حرفوا الجماعة عن مسارها الذي بدأته لدى انطلاقتها أوائل الثمانينات من القرن الماضي. لذا ليس غريبا أن يخرج من رحمها أغلب الجماعات الجهادية وقادتها لاسيما حركة الشباب المجاهدين والجبهة الإسلامية. وتبعا لذلك يمكن تصور واقع العلاقة وحجم الثقة بين الدعويين الباحثين عن الحلول السلمية للأزمة والجهاديين المتمسكين بقوتهم المسلحة كضمانة لتحقيق أهدافهم.

وعليه تبدو الهيئة منذ لحظة تأسيسها غداة الانسحاب الأثيوبي، بشخص رئيسها، وكأنها حزب سياسي يميل بكل ثقله إلى الاعتراف بالواقع القائم وتشريعه عبر عدة توصيات وردت في البيان الختامي. لهذا فهي تحظى بدعم رسمي من الداخل والخارج لكنها أبعد ما تكون عن ثقة الجماعات الجهادية بها ابتداء من الشباب المجاهدين ومرورا بالمحاكم بقيادة حسن طاهر أويس وانتهاء بالحزب الإسلامي. فالهيئة تقترح على الحكومة مهلة 90 يوما للعمل على تطبق الشريعة و120 يوما لانسحاب القوات الأجنبية مع عدم المساس بها خلال هذه المهلة. وقد يبدو المقترح معقولا لولا تعمدها فرض قيود، على القوى الجهادية، تقضي بالرجوع إليها قبل اتخاذ أي إجراء إذا ما فشلت بعض مقترحاتها باعتبارها جهة “أهل الحل والعقد”. وهو الأمر الذي لم تقبله القوى الجهادية باعتبار أن ما جرى في الصومال هو استبدال حكومة عميلة بأخرى تابعة مع بقاء القوات الأفريقية على حالها، بل وإعطاء هذه القوى مجتمعة فرصة لالتقاط الأنفاس وحشد المزيد من عناصر القوة والسيطرة خلال المهلة المقترحة فضلا عما يشاع من دعمها لقوى توتر كجماعة أهل السنة والجماعة الصوفية التي لا تخفي نشوتها مما تتلقاه من دعم حكومي وأثيوبي لقتال لجماعات الجهادية.

ثالثا: اختراق القوى الجهادية

لا شك أن الجهل في المكونات التنظيمية الإسلامية على الساحة الصومالية وتعقيدات النشأة التاريخية لها من كثرة الانشقاقات والاندماجات فيها وقفت خلف الكثير من الطعون فضلا عن التجارب المريرة التي خاضتها القوى السلفية في أفغانستان والجزائر وخاصة في العراق. فلما تأسس الحزب الإسلامي أوجست الكثير من القوى خيفة من الدور السياسي الذي يمكن أن يلعبه خاصة فيما يتعلق بالتنازل عن تطبيق الشريعة أو باستهداف حركة الشباب المجاهدين باعتبارها القوة الجهادية الأكبر بما لا يقارن مع القوى الأخرى. ومما عمق من الشكوك تجاه الحزب دعوته القوى الأخرى، بما فيها حركة الشباب، للانضمام إليه في حين أن بعض مكوناته لم يمض على ظهورها على الساحة الصومالية سوى سنة واحدة. ولم يكن توضيح الشيخ حسن مهدي في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة مقديشو (23/2/2009) كافيا حين قال بأن الهدف من نشأة الحزب هو: “توحيد أعمال المقاومة لمحاربة الكفار في البلاد … وأنهم لن يلقوا السلاح حتى يتم تحقيق الهدف الذي حملوه من أجله؛ وهو تطبيق الشريعة الإسلامية”. ومع ذلك فلم تتوقف الشكوك حقيقة إلا بخروج المتحدث الرسمي باسم الشباب المجاهدين الشيخ مختار أبو منصور في لقائه على قناة الجزيرة (24/2/2009) مطمئنا بأن: ” هذا الحزب لم نستشر فيه وليس لدي فكرة واضحة عنه، ولكنني أرحب وأفرح بهذا التعاون وهذا الاتحاد بين المجاهدين، وأعتبر تلك الخطوة نجاحا كبيرا للمقاومة“، مضيفا بأن: “ عمر إيمان رجل نحترم علمه ومواقفه من الحكومة الباطلة وأنا تلميذه “.

كانت حركة الشباب تعلم أن د. عمر إيمان هو في الحقيقة أحد قادة جماعة الاعتصام من الذين اختلفوا مع القيادات الدعوية حول وجوب القتال. أما الجبهة الإسلامية الصومالية فهي كذلك سليلة الجماعة، وقد ظهرت سنة 2008 متمردة على توجهات القيادة الدعوية التي حاولت ثنيها عن توجهاتها الجهادية وطمعها بتطبيق الشريعة، وبالتالي ليس ثمة مخاوف كبيرة من نشأة الحزب الإسلامي وهو يتمتع بهذه التوجهات والأهداف. لكن هذا لا يعني أن المخاوف قد تبددت بشكل نهائي. ففي 23/3/2009 تعرضت قيادة الحزب الإسلامي إلى محاولة انقلاب عليها من قبل بعض القيادات الذين اجتمعوا في أكبر قاعدة عسكرية للحزب وقرروا، في مؤتمر صحفي، إقالة الدكتور عمر إيمان، واختيار شيخ محمد حسن عمي خلفًا له. وبرر محمد أبتدون قرار الإقالة بـ: “خوض الحزب معارك غير مبررة ضد الحكومة الجديدة والقوات الأفريقية، وتجاهل هيئة علماء الصومال .. ومخالفة إيمان لاتفاقيات تأسيس الحزب وإصراره على مواصلة القتال”، مشيرا إلى أن: ” القيادة الجديدة ستعمل تحت إمرة الهيئة وتلتزم بدعوتها”. ومن جهته نفى موسى عراله أي انشقاق في الحزب مشددا على أنه من: “غير مقبول أن يقوم أرباب المصالح بإقالة القيادة الشرعية ” ومؤكدا بأن :”عمر إيمان لا يزال هو رئيس الحزب الإسلامي”. ورغم أن مجلس شورى الحزب قرر تجميد عضوية يوسف محمد سياد اندعدى وشيخ محمد حسن عمي: “بعد ارتكابهما مخالفات لقوانين الحزب واستخدامهما صلاحيات ليست بحوزتهما” إلا أن ما جرى هو محاولة واضحة من أطراف محلية لإحداث اختراق في متن القوى الجهادية.

رابعا: القوات الدولية

كل الجماعات الجهادية وحتى القوى الشعبية والقبائل تعتبر القوات الأفريقية الدولية بمثابة قوات احتلال، وبالتالي عليها أن تغادر البلاد. حتى هيئة العلماء رأت فيها:

1. “قوات أجنبية لم تدخل البلاد وفقا للشريعة ورغبات المجتمع.

2. ووجودها أمر ترفضه الشريعة ويناقض رغبة المجتمع.

3. ويضر دين وأخلاق وأمن المجتمع واستقلالية الأمة.

لذا يجب على الحكومة الصومالية … إخراج جميع القوات الأجنبية من الأراضي الصومالية (بشكل سلمي) في مدة أقصاها مائة وعشرين يوما تبدأ من 1/3/2009م”. وتبعا لذلك: ” لا يجوز استقدام قوات أجنبية أخرى خلال هذه المدة”·

غير أن أحدا من القوى الجهادية لم يلتزم بأطروحة الهيئة فيما يخص هذه القوات التي تعرضت لهجمات شديدة كان أبرزها الهجوم المتعدد الذي شنته حركة الشباب المجاهدين على مقر قيادتها في جامعة الأمة ملحقة بها خسائر فادحة. كما أن الرئيس والحكومة لم يلتزما من جهتهما بالعمل على إخراج القوات الأجنبية بقدر التزامهما باستدعاء المزيد منها وتبرير هذا الاستدعاء.

فقبل يوم واحد من محاولة عزل د. عمر إيمان من منصبه؛ أعلن الناطق باسم الحزب الإسلامي د. حسن مهدي (22/3/2009) تلقي حزبه: “معلومات تفيد بدخول 600 عنصرا من القوات الأجنبية إلى الصومال عبر مطار العاصمة سرا“، وهو ما كشفه مسؤول صومالي في مطار العاصمة مؤكدا أن: “عددا من الجنود وصلوا فعلا إلى الصومال حيث تواصل الطائرات العسكرية هبوطها في المطار” حتى قبل أسبوع من تسرب أنباء وصولها. وتزامن هذا الإعلان مع دعوة وزير الخارجية الصومالي محمد عبد الله عمر في كلمة له أمام مجلس الأمن كلا من أوغندا وبوروندي لإرسال ثلاث فرق إضافية بصورة عاجلة إلى الصومال مدعومة بمعدات متطورة وتجهيزات طبية مشيرا إلى أن: “حكومته أوفت بعدد من الاشتراطات المطلوبة” وأن الرئيس شريف: “اتخذ جميع الإجراءات الأمنية والخطوات الكفيلة بحشد الدعم من أجل عملية السلام”. وقد أثار الطلب عاصفة من ردود الأفعال بين مختلف الأوساط الصومالية خاصة هيئة العلماء التي طالب رئيسها باعتذار علني للحكومة وتوضيح لموقفها.

في الواقع فإن الحكومة التي اعتذرت عن تصريحات عمر! قدمت، تباعا، سلسلة من التصريحات التي تثبت بالقطع أن دعوة عمر لإرسال مزيد من القوات الأفريقية إلى الصومال لم تكن رأيه الشخصي ولا هي: “ضمن الإجراءات التي كانت تقوم بها الحكومة السابقة” كما ورد على لسان وزير الإعلام فرحان علي محمود (22/3/2009) لمحطة الـ BBC، وليس فقط للتدريب وإعادة بناء الجيش الصومالي من جديد. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تعتذر عن تصريحات وزيرها أمام مجلس الأمن أصدر الاتحاد الأفريقي بيانا رسميا من مقره في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا يقضي بتعزيز قوات حفظ السلام التابعة له في الصومال بعد أن وافقت أوغندا على إرسال كتيبة ثالثة من جنودها ومساعدة الجزائر في نقل الجنود بالتزامن مع تأكيد الاتحاد عزمه زيادة عدد قواته العاملة في إطار حفظ السلام بالقرن الأفريقي إلى 8000 جندي، أي إلى العدد المخطط له سابقا.

إذن القوات بدأت تنزل في الأراضي الصومالية حتى فاق عددها الأربعة آلاف عنصر. والرئيس شريف نفسه هو من طالب بإرسالها وليس وزير خارجيته فقط، وهو من جدد في مؤتمره الصحفي بالقصر الرئاسي بعد جولته الإقليمية (29/3/2009): “حاجة حكومته الماسة للقوات الأفريقية للمساعدة في إعادة تأهيل الجيش الوطني وإعادة السلام والاستقرار إلى البلاد”. وهو من تحدث عن شرعية وجود القوات الأفريقية على الأراضي الصومالية مشيرا: “أنها تنتشر بموجب اتفاقية جيبوتي” خلافا لما قاله وزير إعلامه بأنها استحقاق إجراءات الحكومة السابقة مما يعني، على الأقل، أن مصير هذه القوات ليس بيد الحكومة الحالية ولا بيد هيئة العلماء التي طالبت بعدم المساس بها حتى بعد انقضاء المهلة المحددة لانسحابها. وعليه فلماذا تتوقف القوى الجهادية عن قتالها؟

أليست الصورة واضحة بما يكفي للقول بأن بقاء القوات الأفريقية وتعزيزها ليس موضع نقاش لدى الرئيس وحكومته؟ وإذا كان وجود هذه القوات بحسب الرئيس: ” يهدف إلى مساعدة الحكومة والشعب في إعادة النظام والسلام”؛ فلماذا يطالَب الشعب والقوى الجهادية قاطبة بانسحابها؟ ولماذا تعتذر الحكومة للشعب؟ وما قيمة هذا الاعتذار إذا كانت الحقائق والتصريحات والتأكيدات على حاجة الحكومة لهذه القوات قد جرى التعبير عنها بلسان الرئيس؟

خامسا: بن لادن وأهل مكة

في هذه الأجواء السياسية العاصفة التي تعيشها الصومال بعد الانسحاب الأثيوبي تأتي الكلمة الثانية لزعيم تنظيم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن حول الصومال: ” النزال النزال يا أبطال الصومال 19/3/2009″ بصورة توحي وكأن القاعدة على دراية تامة بما يجري في البلاد، وكما أيد المحاكم في كلمته الأولى ها هو يعلن تأييده للمجاهدين ملاحظا أن المرحلة القادمة هي مرحلة “نزال” وليس مساومات.

فالحرب الدائرة في الصومال هي: “حرب بين الإسلام والصليبية العالمية”، والرئيس الجديد: “غير وبدل وارتد على عقبيه، ووافق على إشراك القوانين الوضعية الكفرية مع الشريعة الإسلامية … وهو … الشرك الأكبر المخرج من الملة” واستهجن في الوقت نفسه أن يصبح: “أعداء الأمس على أساس ديني … أولياء اليوم … إلا بتخلي أحد الطرفين عن دينه”. ومثل هؤلاء: ” لا تنعقد لهم ولاية أصلاً”، وبالتالي فإن شريف: “يجب خلعه وقتاله”.

لذا فقد شن بن لادن هجوما عنيفا على الوسطاء في الداخل والخارج محذرا: “من المبادرات التي تلبس عباءة الإسلام والمؤسسات الدينية … كالمبادرة المنسوبة لبعض علماء الصومال” مشيرا إلى أن أصحابها: ” إما أنهم لا يفقهون الواقع وإما أنهم يستغفلوننا” إذ أن: ” مبادرتهم هذه خيانة ظاهرة للأمانة … وتخالف أحكام الشريعة الإسلامية”. أما أصحاب المبادرة الثانية المطالبة بـ: “وقف القتال والتفاوض مع شيخ شريف” فـ: “موقفهم يتماشى مع مبادرات الأنظمة العربية في المنطقة الخاضعة لأمريكا”، وهؤلاء: ” ضلوا ضلالاً مبيناً”، وعليه فإن من واجب الصوماليين أن يحذروا: ” تناقض أحكام الدين ولا ينخدعوا بها، فلا ينفعها أن ترفع اسم مؤسسة دينية “، ولعله يشير إلى الاتحاد الإسلامي العالمي برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي حين قال بأن: ” كثير من هذه المؤسسات مخترقة من قبل الأنظمة وخاصة نظامي الرياض والقاهرة “.


بطبيعة الحال تباينت ردود الفعل على خطاب بن لادن بين الترحيب من قبل حركة الشباب المجاهدين التيار الأقوى والأقرب إلى الفكر السلفي الجهادي وبين الإدانة التي عبر عنها شيخ شريف إلى الغضب والتخبط. فبالنسبة للشيخ بشير أحمد صلاد فقد استهجن ما اعتبره “تطاول” من بن لادن على قيادات البلاد وخمسين عالما صوماليا مرددا عبارة “أهل مكة أدرى بشعابها”، أما الشيخ حسن طاهر أويس  قائد المحاكم في جناح أسمرا والذي سبق أن أعرب عن رغبته في تطبيق: “نموذج معتدل للشريعة” فقد رفض تصريحات بن لادن قائلا أن الصوماليين: “ لا يحبون الإملاءات الخارجية”.

والحقيقة أن مثل هذه التصريحات فيها من المفارقات العجيبة ما تحسد عليه، حتى أن الشيخ حسين يعقوب الناطق باسم إدارة كيسمايو استغرب من تصريحات أويس مذكرا إياه بأنه وبن لادن: ” في قائمة واحدة” مشيرا إلى وضع الشيخ أويس على قائمة الإرهاب الأمريكية. كما أنه ما من دولة إلا وتدخلت في الشأن الصومالي ولا تزال، فالجماعات الجهادية والسياسية إما أنها على علاقة وثيقة بأريتريا أو بجيبوتي، وحتى الرئيس نفسه وحكومته هم صنيعة أمريكية كما تقول الجماعات الجهادية كافة، أما عن الوسطاء من الخارج فلم يغادروا الصومال منذ الانسحاب الأثيوبي، فعن أي مكة تتحدث هيئة العلماء؟ وعن أي إملاءات يتحدث الشيخ أويس بينما الواقع يقول أن بن لادن له حصة الأسد في الصومال على الأقل عبر حركة الشباب المجاهدين، علاوة على أنه يتحدث بلغة شرعية ولا يحتاج إذنا من أحد كي يدلي برأيه في الشأن الصومالي أو غيره؟

بقي أن نقول أن إصرار الجماعات الجهادية على مطالبها يعني فشلا حتميا لكل الوساطات، ونذيرا بتصعيد المواجهات ضد الحكومة، وهنا لا نظن أن لبن لادن شأن مباشر في التحريض، وفي المقابل فإن قبول شريف بأطروحة القوى الجهادية، وهو أمر مستبعد، يعني نهاية حتمية أيضا للدور الموكول إليه. والسؤال الذي نطرحه على القوى الوسيطة والمؤيدة لشريف وحكومته: ألا يدرك هؤلاء أن مواقفهم المنحازة للحكومة تُسقط وساطتهم وتدفع بالأطراف في الساحة إلى مواجهة دامية؟ أم أنهم تجاهلوا تصريحات شريف وهو يؤكد بأن فشل المصالحة يعني مزيدا من سفك الدماء الذي ستكون الجماعات الجهادية أكبر ضحاياه؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s