عندما سقطت بغداد كنت هناك، مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق(7-7) // رشيد شاهين

HTML clipboard

عندما سقطت بغداد كنت هناك، مشاهدات حية على جريمة احتلال العراق(7-7)

رشيد شاهين

فان الامور الان هي اسوا بكثير مما كانت عليه سابقا.

الأخيرة 7-7

بامكان كل البغداديين ان يسمعوا ويلاحظوا التصرفات البغيضة التي يمارسها رجال ومنتسبي القوات الامنية المختلفة في شوارع العاصمة العراقية، وهم في الواقع لا يتوقفون عن شتم هؤلاء خلال تجوالهم بسياراتهم الحديثة في شوارع بغداد بكل رعونة وباحساس لا يتسم باي نوع من انواع المسؤولية، وقد اصطلح العراقيون على منتسبي الحرس الوطني بالحرس “الوثني” وقد كان هؤلاء محل تندر وازدراء من قبل العراقيين بمختلف اطيافهم.

لقد ساهمت الميليشيات التي اتى كثير منها عبر الحدود والبعض الآخر فوق الدبابة الاميريكية في تدهور الاوضاع الامنية، وصارت جزءا لا يتجزأ من المشكلة الامنية المعقدة في العراق، فقد مارس هؤلاء كل انواع القتل والسرقة والسلب والنهب في رابعة النهار، وصاروا دولة داخل الدولة واستطاعوا التوغل في كل جزئيات الحياة العراقية وتفاصيلها اليومية، لا بل وبثوا روحا من الرعب غير المعهود في الشارع العراقي. واذا كان الناس في العراق ايام النظام السابق يحسبون حسابا لجهاز مخابرات او مؤسسة امنية واحدة فان عليهم الآن ان يحسبوا حساب عشرات الاجهزة التابعة لهذه الميليشيات.

كنت اتردد على مكاتب الشركة التي كنت اعمل بها قبل الغزو برغم عدم وجود اية اعمال يمكن ممارستها، وكانت قريبة من احد الفنادق التي يستعمل من قبل القياديين الاكراد خلال تواجدهم في بغداد، وكان هؤلاء كغيرهم من قادة الميليشيات الاخرين قد نشروا رجالهم في بغداد من اجل شراء مسروقات الدولة المختلفة من اجل اقتنائها لصالح ميليشياتهم وليس من اجل استردادها لصالح الدولة المركزية، كما ومن اجل الثراء السريع والاستفادة قدر الامكان من هذه الحالة الهلامية التي ربما لن تتكرر.

كنت اشاهد رجال الميليشيات الاكراد وهم يقودون مئات السيارات رباعية الدفع الحديثة التي تم شراؤها من السراق او السيطرة عليها من مخازن الدولة من قبل هذه الميليشيات لا فرق، كانوا ينطلقون في مواكب طويلة وفي كل سيارة شخصان، السائق وبجانبه شخص اخر مسلح، استمرت العملية لايام عديدة لم اعد اتذكر عددها، والحقيقة ان الحكومة العراقية السابقة كانت قد استوردت الاف من هذه السيارت قبل الغزو ولم يتم استعمالها ابدا وكان الاف منها لا تزال في المخازن الحكومية، اضف الى ذلك ان هذه الميليشيات كانت تنشط في شراء حديد التسليح (البناء) خاصة وان عشرات الاف الاطنان تم نهبها وسرقتها من مخازن الدولة.

من نفس المكان كان بامكاني ان اجلس واراقب مطابع جريدة الثورة والاحظ ميليشيا احمد الجلبي التي تعاطت بنفس الطريقة مع كل الاشياء المسروقة واللاقانونية، كان هؤلاء يتصفون بطريقة اكثر رعونة من رجال الميليشيات الاكراد (يبدو ان تجربة الاكراد في المناطق الشمالية شذبتهم وجعلتهم اكثر انضباطا) فقد كنت ارى فيهم روح العصابة وممارستها، كانوا يروحون ويجيئون حاملين اكياس العملة العراقية التي يقومون بتزويرها او تلك المزورة التي يشترونها من الاسواق، كان يتم بيع العشرة الاف المزورة باربعة او خمسة واحيانا بستة الاف، وكان هؤلاء متخصصون في ذلك، فيما يبدو ان العمل السابق لسيدهم في مجال البنوك قد اثر عليه برغم ان هؤلاء عملوا في كافة مجالات الممنوعات.

قرار مصيري

لم اكن افكر في مغادرة العراق ابدا، ولم يكن يخطر ببالي اتخاذ مثل هذا القرار لانه غير موجود على اجندتي او في برامج حياتي، لا شك ان الحياة كانت محفوفة بالمخاطر وانها لم تكن مريحة كما ارغب او اشتهي، الا ان احساسي بالانتماء للعراق والعراقيين كان يجعلني لا افكر بمغادرة هذا البلد. اعتقد ان ليس من السهولة بمكان ان تغادر بلدا صار يسري كما الدم في العروق. كنت اشعر ان ما يحدث لهؤلاء الناس هو ما يحدث لي وانني لست استثناء، واذا ما وقع المحظور او المصير فاهلا به سواء كان في العراق او في غير العراق فلا احد مخلد والكل الى زوال.

اعتقد بكل ثقة انني لا ابالغ عندما اقول ان قراري مغادرة العراق كان من اصعب القرارات التي اتخذتها في حياتي، وذلك لما لهذا القرار من عواقب على مجمل حياتي المرتبطة بعائلة واطفال في اول سنوات اعمارهم، ولا ابالغ عند القول ان العراق لا يزال مسكونا في عروقي وقلبي وسيبقى، كما وسيظل في خيالي نخيل العراق الذي يناطح السحاب ولا يموت الا واقفا، وسيبقى مذاق السمك المسقوف في فمي، كما ولن انسى العراق باهله الطيبين وكل ما فيه من خيرين واعزاء، وساظل اتوق الى العراق ما حييت.

كان الجو ربيعيا جميلا، والربيع في العراق يتميز عن ربيع العالم، فالربيع هناك اجمل واحلى، لست ادري لماذا كنت انتظر بلهفة الشهر الرابع من كل عام، ربما لان الربيع يكون هناك متبوعا بصيف شديد الحرارة لا يحتمل، ربما! كان الوقت يقترب من الغروب ولم اكن في البيت، ولم اعد الا بعد الساعة الثامنة برغم الوضع السائد في بغداد، عندما عدت الى البيت، وجدت الزوجة بالانتظار، سالتني كما العادة لماذا تاخرت؟ لا اذكر ماذا كان ردي، قالت: لقد اتصل شقيقك من فلسطين. سالتها عنه ما هي اخباره؟ وكيف هي الاحوال هناك؟ وماذا يقول؟, قالت: سأل عنك، قلت: وبعد, قالت: اخبرني ان لديه مفاجاة وسيعاود الاتصال بعد ان سأل عن الوقت الذي من الممكن ان تتواجد به في المنزل.

حاولت ان اخمن ما هي المفاجأة التي يحملها لي اخي وهو هناك في فلسطين وعن اي مفاجأة يتحدث، حاولت التركيز اكثر، تذكرت انني لم اره منذ غادرت فلسطين في العام 1988 لاسباب عديدة، اهمها انني لا استطيع الدخول الى الوطن وهو لا يستطيع ان يغادر الوطن، وقد اخبرني في اكثر من مرة انه سوف يحاول السفر الى عمان، فاذا استطاع القدوم الى الاردن فانه سوف يتصل بي لالاقيه هناك، نعم لقد وجدتها، انه في الاردن، لا بد ان المفاجاة هي انه في الاردن، وانني سوف استطيع لقاءه بعد كل هذه السنين من الافتراق.

اخبرت زوجتي عما يجول بخاطري وانني اعتقد انه في الاردن وعلي ان اجهز نفسي للسفر الى عمان، قالت: لا تستعجل “رزقك” سوف يتصل ونرى ما هي المفاجاة، بقيت بالانتظار، والوقت يصبح طويلا عند الانتظار. خلال ذلك لم اتوقف عن التفكير في ماهية المفاجاة، ورن الهاتف من جديد، انه هو بدون شك ورددت عليه، لقد كان فعلا هو، وبعد ان تبادلنا التحية قلت له: هيا ماذا لديك هل تتحدث من عمان؟ قال: لا من فلسطين. قلت: اذا ما هي مفاجأتك يا استاذ؟ فقال: بامكانك العودة الى فلسطين لكن عليك العودة باسرع وقت ممكن. هذه ليست مفاجأة هذه صدمة، وصرت استحلفه ان لا يلعب معي هذه اللعبة لانه يعلم كم انا مشتاق للوطن، وان هذا الموضوع لا يحتمل الممازحة واكد لي انه لا يمزح وان الموضوع جاد تماما، عندما شعرت بالجدية في الحديث لم اتمالك نفسي ولم استطع تصديق ما يقول، وبعد ان اغلق السماعة شعرت بكثير من الضغط النفسي، لقد اصابني ما يشبه القشعريرة واحساس بفرح مكتوم خرج على شكل عبرات، فها هي فلسطين تنادي وقلبي موزع بين عظمة ومأساة بغداد الحزينة واسوار وآلام القدس الأسيرة. يا وجعي ويا قدري، ماهذا الذي يحدث لي؟ كيف ساقرر وهل ما يحدث لي حقيقة ام وهم وخيال؟.

كنت مذهولا مرتبكا وغير مصدق لما سمعت، احساس باللاتوازن وفقدان للتركيز، فانا في وضع لا احسد عليه والخيارات امامي محدودة لا بل شبه معدومة، الا ان علي ان اقرر، انتابتني حيرة قاتلة، فالاطفال في المدرسة والعام الدراسي مقبل على نهايته بعد اقل من شهرين، وابنتي بالتبني في الجامعة في عامها الثالث ولا استطيع ان ادرسها في الاردن بسبب التكاليف العالية، اما الاطفال والزوجة كذلك فلا يمكن ان يدخلوا معي الى فلسطين بحكم الاحتلال، ما العمل وكيف علي ان اتصرف؟ موقف صعب ولا اتمناه لأحد.

برغم كل ذلك كنت اعرف ان علي ان اقرر وبسرعة، وقد تناقشت في الامر مع الزوجة، وكان القرار بان علي التوجه الى فلسطين، وان على العائلة ان تبقى مؤقتا في العراق حتى نرى الى اين تتجه الامور. واعلمت الاولاد بانني مسافر، لم اشأ ان اقول لهم الى اين، لانني لم اكن متاكدا بعد اذا كنت ساصل الى فلسطين وبالتالي دخولها.

كان علي ان اتصرف بسرعة حتى لا اخضع لاي تاثيرات من هنا او هناك، انها فلسطين جرحي النازف تستدعيني، تطلبني لكي انام ولأن اعيش وان اموت وان اعود الى حضنها الدافئ، اذا لا بد ان البي النداء حتى وان كنت اعتقد انني سوف اعود الى بغداد بعد وقت قصير للبقاء مع العائلة حتى نهاية العام الدراسي على الاقل، كان علي ان اودع العديد من الاعزاء الذين ارتبط بهم بعلاقات عميقة، وبدات استعد للسفر خلال يومين او ثلاثة، وكانت المشكلة في ايجاد سيارة مغادرة الى الاردن،  حيث ان الطريق الصحراوي الرابط بين بغداد والحدود الاردنية محفوف بالمخاطر الكثيرة ومن اكثر من جهة.

اخيرا وبعد ان استطعت ان اجد سيارة متجهة الى الاردن كان لدي احساس غريب بان هذه قد تكون المرة الاخيرة التي ارى فيها بغداد، لست ادري ما سبب ذلك الشعور. توجهنا صباحا الى عمان، وكان أول ما واجهنا بالطريق تلك السيطرة الموجودة على اطراف بغداد قريبا من ابو غريب، وبعد ان استطاع السائق ان يتصرف مع الرعاع المتواجدين عليها بان قام برشوتهم، تقدمنا باتجاه ابو غريب حيث كانت مئات السيارات المتكدسة في الشارع، لقد كانت تتقدم ببطء شديد. استطعنا ان نعلم ان سبب ذلك كان عملية تفجير لعبوة ناسفة على جانب الطريق قبل وصولنا بوقت قصير، وقد تمكنت من رؤية طائرة عمودية وهي تهبط في المكان وتنقل عددا من المصابين الذين لا يمكن تحديد ان كانوا قتلى ام جرحى.

وفي الطريق الى الاردن، هذا الطريق الطويل الذي سلكته عشرات المرات خلال مدة اقامتي في العراق هو واحد من العديد من الطرق السريعة التي تربط بغداد بمختلف المدن والمناطق العراقية المختلفة والتي تم انجازها خلال عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين في فترة الثمانينات من القرن الماضي.

خلال فترة العامين التي تلت الاحتلال الاميريكي للعراق كان لا بد لي من السفر عبر هذه الطريق مرات عديدة متوجها الى الاردن سواء في سفرات من اجل العمل او الزيارة، وقد كان بامكان كل من يسافر عليه ان يلاحظ ما يدلل على ان المقاومة كانت على هذا الطريق وذلك من خلال عشرات ان لم يكن مئات الشاحنات والناقلات والصهاريج والسيارات المدمرة والتي من الممكن ان يعرف المرء ما نوع الحمولة التي كانت تحملها تلك الناقلات من خلال ما تبقى من اثار ما كانت تحمله، فبالامكان رؤية البيوت الجاهزة او بقايا تلك البيوت المحترقة او بعض ما تبقى من مواد غذاية او صهاريج النفط التي كانت تنقل النفط للقوات الاميريكية.

استمرت السيارة بطيّ الطريق السريع الذي كنت اشعر انه لا ينتهي، ذلك ان المسافر على هذا الطريق يلاحظ المنظر ذاته، رمال صفراء وصحراء خالية من كل شيء، وبينما كنا في منطقة الرطبة، واذا بالسائق ينحرف ككل السائقين الاخرين الى الجهة المعاكسة من الطريق، وصار يسير بعكس اتجاه السير، ولما سألت عن السبب قال ان ذلك بسبب رتل اميريكي امامنا وهو يسير بشكل بطيء يمنع علينا الاقتراب منه او ان نتجاوزه، وقال كذلك انهم لا يترددون في اطلاق النار على اي سيارة قد تقترب منهم، وقد اخبرني ان العديد من الحوادث المأساوية وقعت على هذا الطريق السريع وكان ضحية تلك الحوادث العديد من المواطنين او المسافرين، وعلى هذا الاساس نضطر الى سلوك المسرب المعاكس.

خلال مرورنا بالقرب في منطقة الجسر الرئيس المؤدي الى مدينة الرطبة التي تعتبر حدودية برغم بعدها ما يزيد على المئة كيلومتر عن الحدود الاردنية، لاحظنا ان هنالك سيارة اميريكية من نوع همر وقد تعرضت الى تفجير كسابقتها في منطقة ابو غريب وكان بالامكان رؤية جندي واحد على الاقل بالعين المجردة مطروحا على الارض.

وصلنا الى النقطة الحدودية, حيث كان على السائق ان يتصرف مع مجموع الرعاع والمرتشين الموجودين فيها، وقد فعل، وما ان وصلنا الى الحدود الاردنية حتى سمعنا صوت دوي انفجار قوي في نقطة الحدود العراقية، نظرنا الى حيث صوت التفجير، وقلت لنفسي يبدو ان هنالك اصرارا على ان اودع العراق بالانفجارات حتى اخر متر منه.

بخروجي من العراق كنت اعتقد انني سوف اطوي هذه الصفحة من حياتي، الا انني كنت واهما على ما اعتقد، لقد صار ارتباطي بالعراق يزداد قوة، خاصة في ظل وجود العائلة والاطفال والذكريات بحلوها ومرها، لم تنفك صور العراق تطاردني خلال وجودي في فلسطين، ولا زال العراق يفرض نفسه علي بشكل دائم، والحقيقة انني اشعر بسعادة لهذا الزائر الليلي الذي اتسامر واياه حتى وقت متاخر في كل ليلة.

انتهى

28-3-2009

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s