البقاء للأقذر محمود يوسف بكير

HTML clipboard

البقاء للأقذر
محمود يوسف بكير

“كلما زادت معرفتي بالناس زاد احترامي للكلاب ” جملة قالتها جلوريا أرليد وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة .

يحتفل العالم هذه الأيام بذكرى ميلاد واحدة من أهم النظريات المفسرة للحياة البشرية على كوكب الأرض وهي نظرية الارتقاء والنشوء لدارون والتي تحاول إثبات أن الإنسان ينتمي إلى سلالة القرود والاهم من هذا أن النظرية تتضمن مبدأ هاماَ جداَ هو أن البقاء كان دائماَ للأصلح “Survival of the fittest “وليس الأقوى والأصلح هنا هو من بمقدوره دائماَ أن يؤقلم نفسه مع الظروف المحيطة والتي تتسم عادة بالتغير وهذه النظرية مرفوضة من كل الديانات تقريباَ ،لأن الديانات تنشد الثبات وتكره التجديد والتغيير . وكل الحركات الجهادية المعاصرة تنادي صراحة بأتباع منهج السلف الصالح أي العودة إلى الماضي السحيق ورفض الحداثة والتغيير .

ولست هنا بصدد الكتابة عن دارون أو السلف الصالح ولكنني أحاول فقط تسليط الضوء على تطور جديد في تعريف من هو الأصلح حيث نلاحظ جميعاَ أن الأصلح هذه الأيام في سلالة البشر هو أقذرهم ومعذرة على اللفظ ولكنني لم أجد أفضل منه .

ولو قلنا البقاء للأسوأ لما عبرنا عن المعنى الذي نقصده فالأسوأ لفظ يحتمل النسبية واختلاف وجهات النظر ،أما لفظ الأقذر فإنه يعني في عرفنا العربي مجموعة خصال فريدة من ضمنها السفالة والوقاحة والأنانية والخسة والوضاعة والانتهازية والطمع و. . . الخ . وعندما نقول بالعامية هذا رجل قذر، فإننا نعلم جميعاَ أننا أمام ظاهرة منحطة للغاية.

ولو بحثنا في معظم أنحاء العالم الآن لوجدنا أن أسرع طريق للارتقاء والسيادة والسيطرة، أصبح إجادة الخداع والكذب والجشع والبطش واللامبالاة بالآخرين وكلها من صفات حثالة البشر.

فوراء الأزمة المالية العالمية الحالية التي خربت بيوت الملايين في جميع أنحاء العالم مجموعة من المصرفيين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين الذين أعمى الجشع والطمع بصيرتهم. وحقيقة فإن سبب هذه الأزمة ليس نقص التشريعات والأنظمة المالية ولكن انهيار الأخلاق وانعدام الضمير بالإضافة إلى نظام الترقي الذي يسمح بوصول حثالة البشر إلى المواقع القيادية على مستوى العالم كله.

ولو أمعنا النظر أيضاَ في حال عالمنا العربي لوجدنا أن كل مشاكلنا ترجع بالأساس إلى سيادة أرذل البشر لدينا في معظم المواقع القيادية وتلك هي الآفة الكبرى التي ابتليت بها مجتمعاتنا حيث أصبحت أساليب الوصولية والانتهازية والبلطجة والفهلوة ومسح الجوخ والغش والطمع هي أقصر الطرق للترقي والتربع على عرش القمة في كل مجال وفي كل مكان.

إن البشرية مقبلة على مرحلة خطيرة بسبب الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها الفقراء، والأغنياء سواء على مستوى الدولة الواحدة أو على مستوى الدول ليست لديهم النية الصادقة لمعاونة الفقراء. فعلى مستوى الدول المتخلفة يحرص الأغنياء على تهريب أموالهم إلى الدول الغربية بشكل منتظم والفجوة بينهم وبين الفقراء تزداد أتساعا. أما على مستوى الدول فإن الدول الغنية تقلل مساعدتها للدول الفقيرة بشكل منتظم حتى أن متوسط ما تخصصه هذه الدول من إجمالي ناتجها المحلي لبرامج المساعدات الخارجية أنخفض إلى 0.2 من المائة وفي ظل الأزمة المالية العالمية الحالية فإن هذه الدول تتجه إلى تطبيق برامج حماية لاقتصادياتها الوطنية وهو ما يعني المزيد من المعاناة لمواطني الدول النامية والمزيد من البطالة والفقر والانهيار الاجتماعي والدول الغنية لا تبالي بهذا كثيرا.

والخلاصة أن الأوضاع المحلية والعالمية سوف تتجه إلى المزيد من التدهور طالما أن الطمع واللامبالاة بأحوال الفقراء هما العاملان الحاكمان. ومن المرجح أن يستمر هذا التطور في نظرية دارون ألا وهو أن يسود الأقذر وليس الأصلح طالما استمر المظلومون والمحرومون والمنهوبون في ثباتهم واستكانتهم ولا عزاء لهم .

محمود يوسف بكير

مستشار اقتصادي مصري

mahmoudyoussef@hotmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s