اقتراح غريب ودعم مغرض ! عوني صادق

اقتراح غريب ودعم مغرض !

عوني صادق

حقا لقد تاهت بنا السبل وتهنا، حتى أننا لم نعد نعرف الشقيق من الصديق، أو نتعرف على الصديق أو نميز العدو. فجأة تبين أن الجميع يحبون الفلسطينيين ويريدون لهم الخير والصلاح والمصالحة والسلام. حتى غلاة الصهاينة يحبونهم بالرغم من كل الذي فعلوه ويفعلونه بهم،   وهذا ليس جديدا أو غريبا فقديما قيل: من الحب ما قتل!

عندما انفض اجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة بداية الشهر، بعد تعليق طويل، قيل إن المواقف لم تتغير، ولذلك قيل إن راعي الحوار رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان قدم   للمتحاورين اقتراحا أمهلهم فيه حتى السادس والعشرين من الشهر لتقديم الرد النهائي عليه، ولم يعلن عن طبيعة الاقتراح أو تفاصيله. بعد ذلك بأيام بدأت التسريبات تصل إلى الصحف ووسائل الإعلام وعرف الجميع الاقتراح الذي بقدر ما كان غريبا كان سهلا بسيطا مؤلفا من نقطتين: أن يتم تشكيل حكومة بلا برنامج، وأن يرأس الحكومة الجديدة الرئيس محمود عباس، أو سلام فياض.

ولم لا؟  برنامج الحكومة أحد سببين للخلاف، فلنستغن عنه.. ولكن، هل سمع أحد بحكومة بلا برنامج؟ وإذا رأى البعض في ذلك سابقة لا يهم، ولكن ألا يعني هذا أن حكومة بلا برنامج يعنى حكومة فائضة عن الحاجة، ومن لزوم ما لا يلزم؟ مع ذلك تبين مما تسرب أن الحكومة المقترحة لها مهمتان بسيطتان وسهلتان هما البدء بعملية إعمار غزة، والتحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية. فماذا عن هاتين المهمتين، ألا  تشكلان برنامجا؟

في الواقع بلى، إنهما يشكلان برنامجا في غاية الأهمية والخطورة حاضرا ومستقبلا، حيث أن البدء بعملية الإعمار يعني تسليم المبالغ والمشاريع التي تخص هذه العملية، التي لن تتم إلا بموافقة الطرف “الإسرائيلي” والجهات الغربية المانحة، إلى جهات بعينها يوافق عليها الجانب “الإسرائيلي”، مما يعني بالتالي تحديد المشاريع وطرق تنفيذها ومن ينفذها وأوجه وكيفية الصرف عليها. وبعد أن تدور العجلة، لن يكون منطقيا أو ممكنا تغيير تلك الجهات التي باشرت وأشرفت على تنفيذ العملية. بهذه الطريقة لا تكون فقط عملية الإعمار في حد ذاتها قد وضعت في الإطار الذي يريده البعض لها، بل وتكون كل الأهداف المقصودة من وراء هذه العملية قد وضعت في الأطر المناسبة، والتي لن تخدم المتضررين من أهل غزة بقدر ما ستخدم الطفيليين من التجار  والسماسرة. بمعنى آخر، معروف منذ البداية أن الجهات المتبرعة لإعمار غزة أعلنت أن سلطة رام الله هي التي يجب أن تكون الجهة المشرفة على العملية، إلا إذا قامت “حكومة وفاق وطني”، وفي هذه الحالة تكون الحكومة أو بعضها، وهذا كان يعني بالنسبة للمطالبين بذلك استبعاد حركة (حماس) إن لم تقم الحكومة بالشروط المحددة، والتي هي بالمناسبة شروط الرباعية الدولية، وعندها لن يكون حتميا أو ضروريا وجود الحركة لأنها ستكون ممثلة بالحكومة، أي أن الاستبعاد وارد في الحالتين. لكن في حالة قيام الحكومة لهذا الغرض تكون (حماس) قد تنازلت عن ما هو أهم وأخطر من الإشراف على عملية الإعمار. هنا نعود إلى سؤال متعلق بهذا الجزء من الاقتراح : هل يتوقع أصحاب الاقتراح أن توافق حركة (حماس) على أن تكون شاهد زور، خصوصا أنها تعرف أن أهدافا سياسية تستبطنها العملية أكثر أهمية وخطورة من مجرد نهب ألتبرعات المخصصة للإعمار؟ أليس واضحا أن حركة (حماس) سترفض الاقتراح، أم أن الاقتراح وضع في الأصل لترفضه حركة (حماس)؟!

وحتى تكتمل الصورة الغريبة للاقتراح الغريب، اقترح أصحابه أن يرأس الرئيس محمود عباس الحكومة التي لا برنامج لها! بالطبع لا مشكلة لدى أحد أن يكون رئيس دولة فلسطين رئيس السلطة الفلسطينية رئيس منطمة التحرير الفلسطينية رئيس حركة فتح هو رئيس الحكومة المقترحة، لكن المشكلة أن الاقتراح يتحدث عن حكومة بلا برنامج، فهل الرئيس محمود عباس بلا برنامج؟ وإذا كان له برنامج، وبرنامجه معروف، ألا يصبح برنامج الحكومة هو برنامج الرئيس؟ ترى كيف سيحل السيد عمر سليمان هذا التناقض في اقتراحه غير المسبوق؟ أم أن كل اللف والدوران، باسم المصالحة والتوفيق ومصلحة الشعب الفلسطيني، من أجل أن يكون “برنامج الرئيس” هو البرنامج الوحيد على الطاولة؟ ربما لسنا في حاجة لكل هذه الأسئلة، لأن الدعم وكل الدعم الذي قرره الذين حضروا مؤتمر شرم الشيخ كان للرئيس عباس وبرنامجه السياسي المكون من نقطة واحدة، تؤيدها الولايات المتحدة ومصر والنظام العربي الرسمي كله والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والكيان الصهيوني، وهي المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات وصولا إلى “حل الدولتين” عبر مقررات آنابوليس و”خريطة الطريق”، حتى لو رفضهما الحاكمان الجديدان في تل أبيب: نتنياهو وليبرمان.

بعد ذلك تسرب الحديث عن اقتراح آخر ملخصه أن لا تتشكل حكومة جديدة، لا ببرنامج ولا بدون برنامج، بل أن تبقى حكومتا رام الله وغزة على حالهما ويتم تشكيل “هيئة تنسيق” مهمتها واضح في اسمها، أي التنسيق بين الحكومتين. ولكن ما الفرق بين الحكومتين و”هيئة التنسيق” إذا كانت المهمة هي نفسها ثم ألا تكون “هيئة التنسيق” حكومة ثالثة وببرنامج هو نفس برنامج الحكومتين؟ هل هي لعبة ألفاظ؟ أليست هذه متاهة بحق؟ ترى أين ستذهب أموال الدعم في هذه المتاهة؟

وبمناسبة الحديث عن الدعم، علينا أن لا نصدق نتنياهو وليبرمان بشأن رفضهما لحل الدولتين أو اعترافهما بمؤتمر آنابوليس ومقرراته، فالرئيس الأميركي باراك أوباما أعلن قبل أيام، أمام البرلمان التركي في أنقرة، أن بلاده “تدعم وبقوة حل الدولتين ومقررات آنابوليس وخريطة الطريق”. لكن أوباما يسير على طريق سلفه بوش، فهذا الدعم المغرض هو أنجح الطرق للإبقاء على تمسك النظامين الفلسطيني والعربي ببرنامج المفاوضات والجري وراء سراب حل الدولتين  والضياع في متاهة الإعمار والانتخابات لإعطاء الوقت الكافي لنتنياهو لمصادرة ما بقي من الأرض وتهويد ما بقي من القدس وهدم ما بقي من بيوت العرب فيها. وهكذا تكون الاقتراحات، وهكذا يكون الدعم، وهذا الحب الذي قتل!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s