صناعة القرار الزمني للانسحاب الأمريكي من العراق- ج4 الباحث: د. مهند العزاوي

صناعة القرار الزمني للانسحاب الأمريكي من العراق- ج4

الباحث:  د. مهند العزاوي – مركز صقر للدراسات

أن العراقيين في غالبيتهم العظمى يرون أن الأوضاع الأمنية لن تتحسن إلا متى انسحبت القوات الأمريكية من العراق- استطلاع أجرته وكالة,”opinion research business'” في اذار2007

أصبحت تداعيات الحرب ضد العراق عالميا تداعيات وخيمة بعيدة المدى,كان العراق فيها كبش الفداء للاعبين الكبار وللأفكار والإيديولوجيات الراديكالية المتشددة, ساقتها الإدارة الأمريكية السابقة لغزو العراق, وفق مبررات واهية وكاذبة ومزيفة ضللت الرأي العام الأمريكي والدولي, تحمل العراق على إثرها الضرر الأكبر من الحرب حيث دمرت بنيته التحتية السياسية والعسكرية والاجتماعية والمؤسساتية والاقتصادية وأحالتها إلى خراب؟ كما واستهدف الاحتلال الأمريكي عبر فلسفته العسكرية المتشددة( الصادم والمريع) جميع مرافق الحياة ومعظم مناطق البلاد وبشكل سادي دموي يفوق المنحى العسكري للحرب, ليمزق اللحمة الوطنية والبنية التحتية الاجتماعية العراقية.

يعتبر العراق قلب العالم ونقطة الوثوب والاقتراب بأسلوب القضم إلى الخارطة الجيواستراتيجية الشاملة للولايات المتحدة الأمريكية, وهي الرقعة التي يجري عليها لعبة الصراع من اجل السيطرة على العالم, وهنا يقرن الباحث الجيواستراتيجيا1الأمريكية بلعبة الشطرنج أو رقعتها , وبما لا يقبل الشك أن هذه الرقعة تحتوي على عدد من البيادق الجيواستراتيجية وبمقادير مختلفة من القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والديموغرافية, وباستخدام المحاور الجيوسياسية شرق ووسط وجنوب هذه الرقعة , كمحاور رئيسية مع مراعاة طرفي الرقعة الذي يحتوي على مناطق مكتظة بالسكان وبثقافات وعمق حضاري متنوع  يصعب السيطرة عليه تحت قيادة لاعب واحد, ولعل العراق2 لم يتمكن في تاريخه المعاصر من بلوغ القدرات التي تمكنه أن يكون لاعب جيواستراتيجي بالرغم من امتلاكه المقومات الأساسية3لذلك , وبالرغم من إنها حقيقة لم يفقها صانع اللعبة4 وأغفلها عن عمدا منطلقا من هوس القوة والهيمنة والسيطرة على الشرق الأوسط بمنحى عبثي راديكالي يدفع به التحالف الصهيوني المسيحي( اليمين المتشدد) الذي يرفض وجود الأخر في الكون5 , مما جعل العراق مستهدفا طيلة العقود الماضية ورغم ذلك يبقى محورا جيوسياسيا في المنطقة والعالم رغم انف أي مخطط أو صانع قرار أو طامع, ولا يمكن الاستغناء عنه كمحور جيوسياسيا على الأقل , وهنا تبرز الغطرسة والتشدد للمخطط الأمريكي الذي اغفل عن قصد تلك الملامح الاستراتيجية لدور العراق كمحورجيوسياسي يحقق التوازن العربي والإقليمي, خصوصا بعد أن هزل النظام الرسمي العربي وبدا عاجزا لم يتمكن من حشد المقومات والعناصر الأساسية التي يمتلكها لتجعل منه لاعبا جيواستراتيجيا مؤثرا في رقعة الشطرنج العظمى في ظل غياب العراق,وقد ارتكب العرب أخطاء استراتيجية كارثية6,وبذلك فقد النظام الرسمي العربي الأمل في الوصول إلى دور اللاعب الجيواستراتيجي في العالم أسوة ببقية اللاعبين, مما جعل البعض منهم يسعى ليكون محور جيوسياسي7 لا يرتقي لمستوى التأثير أحيانا,والوضع في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والصومال خير دليل على ضعف وانقسام النظام الرسمي العربي وابتعاده عن معالجة المعاضل الاستراتيجية التي تنهش بالجسد العربي والتي هي مسؤولية قانونية وأخلاقية, مما جعله محورا للصراع واستهداف بنيته التحتية الثقافية المبنية على القيم الحضارية العربية والقيم والتعاليم الإسلامية التي طالما انتشرت في بقاع الأرض دون استخدام الأساطيل والجيوش والأسلحة الذكية عبر القارات كما نراها اليوم تستهدف دولنا ومدننا وقيمنا أينما وجدت؟.

المشهد العراقي

يستعرض الباحث المشهد العراقي بشكل مختصر, وابرز العناصر الأساسية في ساحة الصراع العراقية , ويجزم جميع الباحثين والمفكرين أن الوضع العراقي معقد وشائك ويتجه إلى الانهيار النهائي, مما يجعل الباحث يتناول العناصر نظرا لتفاعلها واختلافها فيما بينها سلبا وإيجابا, كما أن جميع الإطراف بما فيها دوائر الاحتلال تبحث اليوم عن بوصلة الخروج من الوحل العراقي بأقل خسائر ممكنة في ظل غياب واضح للدور العربي , وهناك بالمقابل في الولايات المتحدة صراع شديد تقوم به الزمرة المعتادة من متعهدي “واشنطن بلتواي Washington Beltway “8 لترويج فكرة بقاء قوات الاحتلال لسنوات طوال بالرغم من إن الانسحاب وإنهاء الحرب في العراق باتت ضرورة استراتيجية, دون المبالاة بحجم الاكلاف البشرية والمالية إذا علمنا بقاء قوات الاحتلال لسنتين في العراق يكلف شهريا  12 مليار كحد ادني وفي السيناريو المثالي, أي مايقارب600مليار دولار لسنتين9,ناهيك عن الزمرة المعتادة في العراق(زعانف المتعهدين وسماسرة الحرب,والمرتزقة السياسيين) تلك الطبقة الطفيلية التي بلغت أرصدتهم المليارات,وأصبحوا يقتاتون على دماء ومعاناة الشعب العراقي من جراء الحرب الدموية التي اقتلعت كل شيء حي في العراق.

الثقافة السياسية في العراق

خاض العراق عبر تاريخه الحديث صراعات ونزاعات دموية مختلفة ناتجة عن ممارسات وسياسات وسياقات عمل مشوهة خاطئة للمؤسسات السياسية والإعلامية والأمنية في العراق, مما شوه الفهم السياسي الشعبي والاجتماعي الوطني وجعله ينزلق إلى الكمائن والدسائس الأجنبية والإقليمية, ومن المؤسف عندما نستعرض تاريخ العراق الحديث منذ تأسيس الدولة العراقية في العشرينيات من القرن الماضي وحتى غزو العراق, لم يختلف نمط المشهد السياسي العراقي كثيرا عن ذلك التوصيف والممارسات الخاطئة, ولم يرتقي إلى مستوى الثقافة السياسية العصرية, بل اتجه في اغلب الأحيان إلى الإقصاء وفقدان الحوار الحضاري واعتماد منهجية العنف الطائفي والعرقي والحزبي, دون الأخذ بنظر الاعتبار التهديدات والمتغيرات الدولية والإقليمية في ساحة الصراع, واختلاف موازين القوى بين البيادق الجيواستراتيجية وعدم التفريق بين أهمية الدور وإمكانياته,مما حرم العراق أن يكون لاعب جيواستراتيجي فعال ومؤثر, بل وانسحب بشكل دموي على الشعب العراقي مما خلق بيئة قلقلة متدحرجة اسماها الكثير من الباحثين والمفكرين ارض رمال متحركة,ومن البديهي أن تركيبة المواطن العراقي تعتمد بالدرجة الأولى على العاطفة ورد الفعل المتسرع القاسي, وما خلفته الغزوات للعراق جعل منه يتجه إلى التذبذب أكثر من الاستقرار, بالرغم من رواج استخدام الشعارات الوطنية البراقة التي تعتم أحيانا على منهج الفردية والانوية والانفراد بالسلطة وإقصاء الأخر وغياب الحوار العقلاني الوطني والقبول بوجهات نظر مختلفة لتمثل رؤى مختلفة للحل من شانها تحقق الرقي والتقدم والنضوج السياسي , حيث شهد العراق عدد من الانقلابات خلفت مشاهد دموية عالقة في أذهان العراقيين كان القاسم المشترك فيها القتل والعنف والتصفيات الجسدية , ولم يتمكن حزب سياسي أو ديني أو قائد أو رمز الابتعاد عن هذه النمطية والاتجاه إلى فكرة “الطاولة المستديرة”, وخلق وعي يؤكد أن الشعب هو صاحب السلطة الحقيقة ومصدر القوة, لتحقيق رصانة المؤسسات وسيادة القانون وخلق دولة المؤسسات لتحافظ على العراق مستقرا متوازنا ينعم بالرخاء جيل بعد جيل وفق تداول انسيابي ناضج للسلطة كما نشهده في الدول المتحضرة, بعيدا عن العبودية للشخص أو الطائفة أو الحزب..الخ, وكرس الاحتلال ذلك عبر الإعلام الأمريكي الموجه إلى العراق10 ورسخ ثقافة الفرد على المجتمع والشعب والحزب على دولة المؤسسات11والاحتراب الفئوي والطائفي والحزبي..الخ, ولم ينضج جيل سياسي لحد الآن خارج هذه الرؤية النمطية,ويعتقد الباحث إن السياسيين والإعلاميين العراقيين هم السبب عبر نشر اختلافاتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة في ظل وجود طبقة رمادية من الانتهازيين والمتاجرين والمتلونين يذكون هذا الصراع لمنع نضوج فكر سياسي وطني متحضر, ألا يفترض أن يحترموا تاريخ العراق كما يعمل العالم في الحفاظ على ارثه الحضاري والسياسي, وابرز جريمة ارتكبتها قوات الاحتلال عندما خلقت شريحة المرتزقة المعلوماتية( المخبر السري) حيث امتهن الكثير من ذوي ضعاف النفوس هذه العملية الارتزاقية التي  أتخمت السجون الأمريكية والحكومية بالأبرياء, ولان غالبية المعلومات والوشاية ذات طابع سياسي أو كيدي أو افتراضي أو نابع من أحقاد وكراهية طائفية وشخصية خلفت بذلك مشاكل اجتماعية متفجرة أبرزها إعالة عوائل المعتقلين الأبرياء .

عناصر الصراع في العراق

خاض الشعب العراقي وقواه ومقاومته صراع دموي نحو التحرير والاستقلال ونيل السيادة الكاملة, وقدم التضحيات المختلفة من الاكلاف البشرية والمالية والاجتماعية ناهيك عن اكلاف  التعويضات والاكلاف المتوارية وكلف الاستدانة والفوائد واكلا ف الفرص الضائعة التي لو أنفقت على العراق لجعلت منه لاعبا جيواستراتيجي في المنطقة والعالم أسوة ببقية اللاعبين أو محورا جيوسياسيا فعالا ومؤثر ضمن التوازنات في المنطقة والعالم.

مارست الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عبر دوائرها السياسية والإعلامية والمخابراتية حرب استهداف للبنية التحتية للمجتمع العراقي, ولم تفرق بين الطبقة السياسية أو الهيكل السياسي أو هيكل الدولة التنظيمي أو التنفيذي والهيكل المدني الاجتماعي وخلطت الأوراق لغرض تطبيق استراتيجياتها الشاذة والمتعثرة في العراق وتصفير الدولة العراقية بالكامل بدفع إقليمي متشدد؟, ومارست تلك الدوائر عبر زعانفها المختلفة سياسة التقطيع الناعم12وكذلك سياسة الخوف والتخويف13 كنهج ثابت ضد الشعب العراقي, لخلق بيئة مناسبة للتشظي وتقسيم العراق كمطلب أساسي وهدف استراتيجي لليمين المتشدد مهندسي غزو العراق, وذهبت كافة الأطراف والأحزاب ذوي الأجندات الأجنبية والإقليمية الصفراء تنهش بالجسد العراقي وتزرع الخوف والإرهاب في عقول وقلوب المواطنين العراقيين كافة, عبر ارتكاب عدد من العمليات الشبحية التي تنفذها المليشيات والأفواج الشبحية لتستهدف المدنيين وتسوقها المؤسسات الإعلامية التابعة كعمليات إرهابية تنفذها عناصر اعتاد توصيفها طيلة هذه السنوات ضد المدنيين؟ لتحقق شرعية نسبية من ذلك14 باستخدام مصطلحات وعبارات كثيرة تذكي روح الاحتراب والاقتتال الطائفي والمذهبي والصراع السياسي وأبرزها: القاعدة15-التكفيريين-الصداميين- فلول النظام- المقابر الجماعية-المظلومية-العبارات الطائفية-الشحذ الطائفي عبر المنابر الدينية التي شاعت بكثرة واختلفت ألوانها وأفكارها وجميعها مستوردة من خارج الحدود ولا تمت بصلة لثقافة الشعب والمجتمع العراقي, كما أن جميع تلك المسميات فتحت الأبواب لعمليات التصفية الجسدية القادمة من خارج الحدود ذات الأحقاد الصفراء, وانتهت بأكبر عملية تهجير عرفها التاريخ والمنطقة .

المقاومة العراقية

حاولت الدوائر السياسية والإعلامية والعسكرية في الولايات المتحدة أن تضلل الرأي العام الأمريكي والدولي حول شان وقدرة المقاومة العراقية المسلحة, وغالبا ما وصفتها بالتمرد أو الجماعات المسلحة عن قصد الغرض منه التقليل من شأنها وحرمانها من الدعم العربي والدولي أسوة بحركات التحرر العالمية, وبالتالي حرمانها من دورها واستحقاقاتها الوطنية, وتستمد المقاومة العراقية شرعيتها ومشروعيتها نظرا لوجود قوات احتلال أجنبية في العراق16 أما من الناحية البحثية العلمية تعد الطرف الصلب في المعادلة , كما أن جميع التشكيلات السياسية والدينية والإعلامية والإنسانية والعشائرية هي انعكاس للقيم الوطنية والإسلامية التي يحملها الشعب العراقي والمرتبطة أيديولوجيا ومعنويا بالمقاومة العراقية, ولبحث مقومات أي صراع ومدى استمراره من الضروري  بحث عنصرين مهمين:- اولهما الإرادة في الصراع ويعتقد الباحث أن أرادة الشعب العراقي لم تكسر طيلة السنوات الست الماضية, حيث هناك معارضة كاسحة للوجود العسكري الأمريكي وتشير الإحصائيات الرسمية وفقا لتقارير استطلاع الرأي ان78% من العراقيين يعارضون وجود قوات أجنبية في العراق وهذه المعارضة تصل الى97%  بين سكان المناطق الوسطى والشمالية وتصل الى83 % في المناطق الجنوبية17, إذ من المحال أن تبقى قوات أجنبية في بيئة غير مناسبة مقارنة بتقارير الاستطلاع تلك التي تعبر عن إرادة الشعب الحقيقية وتطلعاته للحرية والاستقلال, والعنصر الأخر المطاولة في الصراع وهذا عنصر أيحابي لصاحب الأرض وسلبي للقوات الأجنبية الغازية, وهناك دلالة على تجذر ثقافة المقاومة والتطلع للتحرير والاستقلال لدى العراقيين, بالرغم من استخدام وسائل التجريد والتصفير والاستهداف الدموي التي مورست  لكبح جماح المقاومة, وتميزت المقاومة العراقية بسرعة ظهورها نابع من رصانة البنية التحتية الوطنية ممزوجا بالتوافق والانسجام الاجتماعي والثقافة الإسلامية , كان هذا موضع استهداف من قبل القوى ذات الأجندات الإقليمية لغرض الإيحاء للمحتل بأنها صاحبة الامتياز والوكالة على العراق ,كما أن المقاومة العراقية اعترف بها من قبل خصمهم ونكرها عليهم أبناء جلدتهم من المرتبطين بأجندات خارجية ومن ذوي المغانم الفئوية والانتهازيين.

يعتقد الباحث من خلال المراقبة والمتابعة والمشاهدة لسير الأحداث والمواقف المفصلية في الصراع أن المقاومة العراقية قد أبدت نضوجا واضح المعالم في السنوات الأخيرة ,واتجهت لتعزز مكانتها السياسية والشعبية عبر الابتعاد عن مكامن الخطر والتشويه والالتباس, وتفويت الفرصة على خصومها ,وباتت تفرز وتوضح للشعب العراقي صور الإرهاب الحقيقي ,إرهاب قوات الاحتلال واستخدام القوة المفرط والشامل ضد المدنيين18 وحملات الاعتقالات المستمرة والتعذيب في السجون التي تنتشر على ارض العراق,وإرهاب القوات الموشحة بلباس الحكومة ذات الطابع الطائفي والحزبي ,وإرهاب المليشيات الطائفية والعرقية والحزبية والتي شكلت عنصر تهديد دائم لاستقرار الشعب العراقي19بعد أن ارتكبت مجازر وجرائم ابادة بشرية بعد أحداث سامراء شاركت فيها  قوات حكومية ذات الارتباط الطائفي السياسي, مما اضطر فصائل المقاومة للقيام واجب الدفاع عن تلك المدن المستهدفة طائفيا وإقليميا,وكذلك إرهاب عصابات الجريمة المنظمة المرتبطة بشخوص امتهنت السياسة كستار لعملياتها الإجرامية20,وإرهاب الجوع21والبطالة والفساد الإداري22..الخ,لذا أصبحت المقاومة العراقية الوطنية بفصائلها الإسلامية والوطنية التي تتجه إلى الوحدة ابرز العناصر التي يعول عليها في فرض القانون وإعادة الاستقرار الأمني إلى العراق بعد خروج أو إخراج قوات الاحتلال من العراق .

القوى والشخصيات الوطنية العراقية الرافضة للاحتلال

شهد العراق أثناء وبعد الغزو أقسى الممارسات السادية الوحشية ضد الشعب العراقي, حيث سحقت الطبقة الوسطى في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان العالمية, والتي طالما نادى بها الساسة الأمريكان والتي تشكل العمود الفقري للقيم والمثل الأمريكية(نشر الديموقراطية)23 , لقد استهدفت بنية العراق التحتية السياسية والمؤسساتية والعشائرية والاجتماعية في اكبر عملية إقصاء عرفها التاريخ, وفق قرارات الحاكم المدني”بول برايمر”24 الذي اتسم بالمراهقة السياسية والغطرسة والتحكم بمصائر الشعب العراقي باستهتار25, واستندت قراراته إلى أوامر محددة وواضحة من البيت الأبيض والإدارة الأمريكية السابقة المتشددة, لتقسيم وتفتيت العراق وخلق بيئة مناسبة لتجزئته وتقسيمه, وتطبيق المنهجية التنظيمية المتبعة في الولايات المتحدة بالرغم من الاختلافات الكثيرة التي تمنع ذلك, مما سهل للمخابرات الأجنبية والإقليمية تنفيذ اكبر عملية تطهير جسدي طال الطبقة الوسطى والكفاءات والنخب العراقية من العلماء وشيوخ العشائر ورجال الدين والضباط والإعلاميين والاكادميين والسياسيين ورجال الإعمال والفنانين والرياضيين من أبناء العراق النجباء ولا تزال مستمرة,وخلق طبقة طفيلية انتهازية امتهنت الارتزاق السياسي والمليشياوية26 أوصلت العراق إلى ماهو عليه لآن,لذا اتجهت النخب العراقية المختلفة لتأسيس تجمعات وهيئات وطنية هلامية تتخذ بالاتساع شعبيا وفق منظومة القيم الوطنية وبمختلف المسميات والعناوين , الدينية, السياسية, العشائرية,الأكاديمية,الثقافية, الأدبية, منظمات المجتمع المدني..الخ في محاولة للحفاظ على القدرات العراقية الوطنية العلمية والتصدي لعمليات التطهير والاستهداف ومحاولات إلغاء الهوية الوطنية العراقية, وإعادة الأمور إلى نصابها وفق رؤية وطنية أكاديمية موضوعية تستند على الثوابت والقيم الوطنية التي يتعامل بها العالم اجمع, ونبذ الفكر الطائفي والعرقي الانتهازي الارتزاقي الذي يسعى لخلق بيئة استعمارية مستقبلية أو الاستقواء بقوة إقليمية أو أجنبية لإدارة البلاد, وتأسيس لبنة وقاعدة شراكة وطنية حقيقية تتعامل مع المتغيرات العالمية والإقليمية بحرفية عالية بما يتواءم مع المصالح العليا للعراق وعمقه العربي والإسلامي , وظهر الفكر الوطني المناهض للاحتلال جليا عبر بيانات ومواقف تلك القوى والشخصيات التي تتملك رؤيا جامعة شاملة لحل مشاكل العراق بشكل حضاري وموضوعي, ويحتوي هذا التيار طيف واسع من الرموز والشخصيات الوطنية والدينية إضافة إلى النخب والكفاءات العلمية المتميزة في كافة المجالات مسلحة بخبرة واسعة تشكل قاعدة انطلاق لإصلاح العراق وإعادته إلى عمقه العربي الإسلامي, ليشكل محورا جيوسياسيا فاعلا في توازن الأحداث الإقليمية والدولية, وتعد هذه النخب ابرز العناصر التي يعول عليها في فرض القانون والاستقرار الأمني  وأعمار العراق والتنمية والاستثمار بعد خروج أو إخراج قوات الاحتلال من العراق.

تعرض المواطن العراقي لأبشع صور الإرهاب بعد الغزو وسيادة قانون الغاب, وابرز ما تبجح به دعاة الاحتلال هو “نشر الديموقراطية” وتحويل العراق إلى بلد ديموقراطي باستخدام القوات المسلحة الأمريكية والقوات المتحالفة معها عبر غزوه واحتلاله, ويبدوا أن وصفة الديموقراطية المشوهة المعالم جعلت الشعب العراقي يسكن أوطان غير العراق, مهجرا نتيجة للعنف الدموي السياسي والطائفي والعرقي, وانتشرت المعارضة السياسية العراقية في بلدان العالم كافة تطالب بحقوقها السياسية والإنسانية وحقوق المواطنة العراقية, وبلغ معدل العراقيين خارج العراق ما يقارب خمسة ملايين نسمة ويمكن تحديد تجمعات تواجدها كما يلي:-

  1. الدول الأوربية- بريطانيا- فرنسا-ألمانيا – الدنمارك-هولندا-السويد-فنلندا-النرويج.
  2. تركيا-ماليزيا- كرواتيا-روسيا-الصين.
  3. الدول العربية- سوريا- مصر-الأردن-اليمن- قطر-الإمارات-السعودية–السودان.
  4. استراليا.

لغرض المقارنة بين العناصر المحسوسة للتغير الديمقراطي المعمول بها عالميا وبين واقع الحال في العراق كما يسمى “التغيير” نترك المقارنة للقارئ, وابرز عناصر التغيير الديمقراطي27:-

وجود بنية تحتية تستند على الكفاءة الإدارية – القدرة العلمية – المعرفة الإنسانية – الموارد – التعليم – القدرة على التأقلم والتغيير, وتنمية الطبقة الوسطى العنصر الفعال الذي يعتمد عليه التغيير وانسيابية العمل المؤسساتي, دولة المؤسسات وسياقات عمل رصينة للمفاصل التنفيذية, قضاء قوي لا يخضع للضغوطات والتجاذب السياسي, والطائفي,والعرقي يحفظ حقوق الجميع, برلمان يشرع منظومة القوانين والتشريعات التي تتلاءم مع مصالح الشعب والمصالح العليا للعراق ويوازن المصالح المشتركة للعراق مع بقية الدول من مبدأ التكافؤ, القدرة والقوة القومية, وتعزيز القوة الشاملة للدولة, الاستقرار السياسي والاقتصادي و القوة العسكرية المستقرة, الإعلام الحر ومجتمع مدني فعال-حقوق مدنية رصينة, الإنتاج الصناعي والزراعي, الإنتاج التقني, مستويات الادخار, حجم السوق والاستثمار والتنمية, دخل الفرد العراقي يجب أن ليقل عن ألفي دولار كحد أدنى, حقوق الإنسان-المرأة-الطفل-العجزة, الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي, الحقوق التقاعدية وشبكة الحماية,..

يبدو أن تشدق السياسيون الجدد بما يسمى الديمقراطية في العراق انتقائية مجزئة ومشوهة المعالم, وتقتصر على الاسم والتسويق الإعلامي لها دون تطبيق تلك العناصر المذكورة أعلاه.

صناعة مشوهة

يستخدم غالبية المحللين  والباحثين الأمريكيين والغربيين مصطلح غزو أو احتلال العراق في مواضيعهم البحثية والعلمية بخصوص أزمة احتلال العراق, في حين أن عدد كبير من الطبقة السياسية الحالية تحظر استخدامه ويعتبر خط احمر؟, لقد أنتج الاحتلال صناعة سياسية مشوهة تعتمد على الحاجة الضرورية لتحقيق أمنه السياسي وشرعنة تواجده في العراق,وكالعادة اتصفت جميع الإجراءات بالغطرسة والعنجهية الأمريكية, ومن البديهي أن يحدد العسكريون عادة لكل عملية عسكرية قبل الشروع بها هدف أساسي ويطلق عليه “الإنجاز الرئيسي” وفي حالة بلوغه يعتبر العمل العسكري ناجحا والقائد منتصرا وهذا مالم يحققه بوش وإدارته طيلة السنوات الماضية, كون الشعب العراقي هو طرف الصراع الآخر الرافض للاحتلال,ويعتقد الباحث أن الإنجاز الرئيسي الأمريكي كان هو تحويل العراق إلى “مستعمرة” تبدأ بالاحتلال العسكري الميداني للعراق, ثم تغيير البني التحتية الممسكة بقرار الدولة, ثم إرساء المؤسسات وفقا للنمطية التنظيمية الأمريكية كمؤسسات تابعة تنظيميا, ثم فرض منظومة تشريعات وقوانين تحافظ على هذا التغيير مع استخدام القوة,ومع استمرار عمليات المقاومة العراقية المتصاعدة وتيرتها, فان قوات الاحتلال الأمريكي في حالة اشتباك واضطراب وارتباك, وهنا يؤكد استحالة تحقيق الإنجاز النهائي في العراق, خصوصا بعد جرد حساب اقتصادي دقيق يبين مقدار الاكلاف البشرية والمالية والاجتماعية إضافة إلى اكلاف  التعويضات والاكلاف المتوارية وكلف الاستدانة والفوائد واكلاف الفرص الضائعة  التي لو أنفقت في الولايات المتحدة الأمريكية لحققت التنمية والاستثمار للشعب الأمريكي بدلا من الانهيار الاقتصادي الذي يضرب الولايات المتحدة الأمريكية والعالم, وأشار الخبراء الاقتصاديين أن الحرب في العراق تشكل80%من الإنفاق العام للولايات المتحدة والذي شكل الأزمة الاقتصادية الحالية28.

العملية السياسية

يعتمد جميع الباحثين على الحقائق التاريخية وتجارب الشعوب والنظريات التي أنتجتها تلك المواقف والحروب, وهناك حقيقية فقهية سياسية أن” الاحتلال لا يؤسس دولة رصينة وفق منظومة القيم الوطنية المعمول بها عالميا”, ولعل اكبر برهان “أزمة احتلال العراق” حيث عين حاكم مدني يمثل ما يسمى “سلطة الائتلاف” وجميع تلك المسميات لتحمل في طياتها إرادة جماهيرية ذات منحى وطني, بل سيادة منطق القوة وإرادة المحتل الغازي, وهذا السبب هو المحور الرئيسي لرفض القوى والشخصيات الوطنية المناهضة للعملية السياسية في ظل الاحتلال , وكانت السنوات الست العجاف قد أثبتت تحكم دوائر الاحتلال السياسية والعسكرية بالكوتة الانتخابية وتوزيع المناصب الوهمية على من جاء معها ويعمل لمشروعها, إضافة إلى زعانف البساط الإقليمي الطامع بالعراق ليقدموا هيكل سياسي هش ذو بنية مشوهة تعتمد في تركيبته على الولاء المزدوج, والقدرة على ترويج مشروع الاحتلال في العراق,وكانت ابرز المفاصل الهشة التي مررت على الشعب العراقي وسوقت إعلاميا كإنجاز سياسي,الانتخابات, الدستور,الحكومات, ومقارنة بواقع الحال يمكن أن نجد هناك عشرات الملفات المتفجرة التي تعصف بالعراق والمنطقة مستقبلا وهي نتاج واضح لتلك الممارسات المشوهة والمجتزئة والتي يسوقها الإعلام “إنجاز سياسي أو ديموقراطي” والشعب العراقي يضرس الحصى, هذه حقيقة مرة تتطلب الشجاعة ومراجعة ألذات والاعتراف بالأخطاء الكارثية التي حدثت .

الأمن في العراق

أصبح العراق بعد الغزو يعيش في فوضى سياسية وعسكرية واقتصادية, خصوصا بعد عمليات نهب وسرقة مؤسسات الدولة ومرافقها بشكل مبرمج وتنصلت بذلك قوات الاحتلال عن دورها في فرض الأمن للبلد المحتل29 , وسرعان ما انتشرت ثقافة الاحتراب الطائفي العرقي السياسي وضياع الهوية الوطنية العراقية في ظل تلك البيئة المستوردة والمناخ المعد مسبقا في أروقة المخابرات الأجنبية والإقليمية , وسمحت لمن هب ودب أن يعبث بأمن ومقدرات الشعب العراقي , ويجهل السياسيون الجدد اليوم أن الأمن مطلبا وطنيا ذو سيادة يستحيل تحقيقه في ظل الاحتلال أو نفوذ إقليمي مع رواج المجازر وجرائم الحرب ضد الإنسانية جسده ولا يزال التغلغل الإقليمي الدموي , ولعل مفهوم الآمن مفهوم معقد مقارنة مع بساطة تعبيره وغموض وصعوبة تحقيقه, فهو صناعة دقيقة ومعقدة وتطبيقاته تتطلب تحقيق الاستقرار السياسي أولا والعسكري والاقتصادي في ظل السيادة الوطنية الحقيقية ,فالآمن هو العمود الفقري في سياسة أي دولة بل هو مبرر وجود الدولة ككيان سياسي, ومقارنة بما يجري الآن وما تروجه وسائل الإعلام كدعاية حول التحسن الأمني الهش المبني على رد الفعل نترك الحكم للقارئ.

يعتقد الباحث أن المهمة الأساسية والأولى للدولة هو تحقيق الأمن والخروج من حالة الفوضى وشريعة الغاب30, وبمفهومه البسيط هو “غياب الخوف واختفاء التهديد وسيادة الاطمئنان النفسي” وهذا ما لم يتحقق طيلة سنوات الاحتلال وابرز أسبابه الاحتلال الأمريكي31 وهشاشة الهياكل البنيوية السياسية والعسكرية والقانونية32 ناهيك عن وجود نفوذ إقليمي يعبث بأمن المواطن العراقي33,مما يجعل تطبيق مفهوم القيم والهوية الوطنية صعبا جدا في ظل الأجندات الأجنبية والإقليمية المتصارعة على ارض العراق, لقد ارتكز الأمن في العراق على مفاهيم مجتزأة ومشوهة وعلى هياكل تنظيمية مزدوجة الولاء, ويفترض أن القوات المسلحة هي انعكاس للشعب وخادمة له,والحقيقة أن تلك القوات تتبع بالغالب التوجيهات والوصايا التي تحقق الأمن السياسي لقوات الاحتلال وليس امن المواطن العراقي , وأجندات أحزاب  السلطة  وينسى الجميع أن الأمن ابرز مقوماته العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون والاستقرار السياسي وتتبعه القدرة والحرفية العسكرية والأمنية المؤطرة باحترام القانون وحقوق الإنسان والمواطن؟ ومن المفارقة وفي سابقة سياسية خطيرة اخترقت البروتوكولات والأعراف الدولية وأبرزها اتفاقيات جنيف في معاملة الأسرى وضباط الجيش المحارب, لقد خرق جيش الاحتلال تلك الاتفاقية وحتى البروتوكولات الأخلاقية للمهنة بمحاكمة رموز وقادة الجيش العراقي الأصيل, وهؤلاء قدموا للعراق الغالي والنفيس للدفاع عن تراب العراق طيلة سنوات خدمتهم,ومن الأمور المتعارف عليها” أن الجيش كيان ضعيف يستمد قوته من الضبط” أي أن وزير الدفاع والقادة والضباط  هم عناصر تنفيذية تنفذ الأوامر الصادرة من القيادة السياسية أو القائد العام للقوات المسلحة ولامناص من ذلك, كما هو اليوم ينفذ الأوامر رغم التحفظ والمثالب التي تشوب بادئه, ويبدو أن قادة الجيش يحاكمون اليوم على صمودهم ونصرهم في الحرب العراقية الإيرانية وجميع الشواهد الظرفية تدل على , في حين هناك مجرمين مخضبة أيديهم بدماء العراقيين ارتكبوا مجازر وجرائم طائفية ولهم أوكار وسجون سرية يجري القتل والتعذيب فيها على الهوية لحد الآن, لم يحقق الأمن المنشود العدالة بحقهم ومنهم مستتر تحت عباءة الدين والأحزاب والسلطة والبرلمان ,أليس الأمن هو”غياب الخوف واختفاء التهديد وسيادة الاطمئنان النفسي”؟.

أن المنسوب العالي للعنف ليس بالضرورة أن يكون مرشح للارتفاع بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق إذا أحسنت إدارة الانسحاب وصححت الأخطاء الاستراتيجية وأبرزها المشهد السياسي,لان “معظم العراقيين على قناعة بان قوات الاحتلال هي التي تغذي العنف وان مستواه سوف ينخفض بعد انسحاب القوات”, ولعل وجود قوات الاحتلال هو السبب الرئيسي في فشل جهود ما يسمى المصالحة34,التي هي بالتأكيد الشرط المسبق لأية علمية إصلاح سياسي حقيقي وأعمار ناجح للعراق, يسال الباحث متى يصل العراقيين للمستوى الذي تكون الطبقة السياسية والحكومة والشعب فردا واحدا عقلاني؟ كما يجب أن تقر الولايات المتحدة الأمريكية على ما فعلته بالعراق وما تفعله لحد الآن , وهناك طرق عديدة لمساعدة العراقيين بعد رحيل قواتهم ولكن السؤال الأجدر والاهم  ماهي بوصلة التوافق الوطني ومن يهياها وماهي ضمانات الانسحاب الأمريكي من العراق وأين النظام الرسمي العربي الذي غاب عن دعم الشعب العراقي.

مركز صقر للدراسات – saqr_v@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s