كسر الحصار ومحاصرة الانقسام* بشارة مرهج

كسر الحصار ومحاصرة الانقسام*

بشارة مرهج

ان الاشكالية الأمنية السياسية القائمة اليوم بين مصر وحزب الله تفرض علينا اعتماد العقل والمنطق في أي خطوة نقوم بها او أي موقف نبادر إليه، مدركين حساسية الوضع وضرورة احتواء تداعياته وحرمان اسرائيل من الاستفادة من تناقضاته. واية مقاربة ناجحة لحل هذه الاشكالية وتحويلها الى حدث عابر يجب ان تنطلق من المسلمات التالية:

اولا: الحفاظ على كرامة مصر وسيادتها.

ثانيا: حق غزة على المقاومة، وعلينا جميعا بالمساعدة والمؤازرة.

ثالثا: سيادة الشرع على النصوص الوضعية في ظل الحصار الاسرائيلي الظالم الذي اطاح بكل القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية.

والاصل في الموضوع هو كيفية مساعدة أهل غزة، وفلسطين عموما، على كسر الحصار الظالم المفروض عليهم من قبل الكيان الصهيوني الغاصب، وليس القيام بأي عمل أمني يهدد أمن مصر او ينتهك سيادتها. فإذا كان الامر الاول مرغوبا فيه انسجاما مع المبادئ القومية والدينية، والإنسانية فإن الامر الثاني مرفوض جملة وتفصيلا لاعتبارات كثيرة لا يجهلها احد لا سيما المقاومة التي تعرف تماما فحوى الموضوع وأبعاده.


والذي يختار بإرادته دعم أهل فلسطين ورفع الحيف الكبير عنهم فهو حكما حريص على مصر وأهلها حرصه على استعادة ارض الكنانة لدورها التاريخي وهي التي حضنت حركات الاستقلال في افريقيا وكانت السند الكبير لكل حركة تحرر في دنيا العرب من مشرقها الى مغربها. ان المسكون بالهم الفلسطيني المتجه لدعم غزة ومساندة مقاومتها الباسلة لا يمكن ان ينتقص من كرامة مصر او يتحدى ارادتها، فمصر التي نازلت جيوش بريطانيا وفرنسا واسرائيل في السويس عام 1956، ومصر التي حطمت خط بارليف وادخلت الرعب الى قلب موشيه دايان واليأس الى رأس غولدا مائير هي في قلب وضمير كل مواطن عربي يرفض اغتصاب الارض واستباحة المقدسات وطعن السيادة العربية في الصميم.


وما قام به مناضلو حزب الله هو نفس العمل الذي قام به ابطال مصريون آزروا ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي وساندوا ثوار عدن ضد الاستعمار البريطاني. فإذا كانت الادانة لا تجوز على اولئك الابطال المصريين فهي ايضا لا تجوز على مناضلي حزب الله. بالطبع هناك وجهات نظر متعددة حيال هذا الموضوع وهذا امر طبيعي من دون ادنى شك. لكن بالمقابل من حقنا ان نسأل هل يوجد قانون يسمح بقتل الاطفال وتجويع النساء، وهل يوجد شرع يسمح بارتكاب الجرائم الجماعية؟ وهل يجوز التخلي عن المرؤة العربية او القبول بالاجراءات الاسرائيلية التي تغلق كل المعابر وتسد كل المنافذ لتحرم الفلسطيني حق الحياة؟
ان الدعم اللوجستي للشعب الفلسطيني ممنوع بالطرق الاعتيادية بسبب الاجرام الاسرائيلي، والخضوع لهذا الاجرام معناه المشاركة، بشكل او بآخر، في الحصار الجائر الذي يرزح تحته شعب مقهور مصمم على تحرير أرضه وانتزاع حريته مهما طال الزمن ومهما كانت التضحيات.


لقد انتظر الفلسطينيون ستين عاما قبول اسرائيل مفاعيل القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، لكن السنين مرت من دون ان تلتزم اسرائيل بأي قانون او قرار، لذلك لم يعد من الجائز سجن الشعب الفلسطيني او تقييد حريته او مصادرة قراره بحجة قواعد لا يحترمها كبار القوم الذين استباحوا كل قوانين الارض عندما شعروا بالتهديد على أرضهم.


وبالأمس اعلنت اسرائيل انها لن تتعاون في التحقيق الذي تجريه الامم المتحدة حول جرائم الحرب في غزة ومن حقنا ان نسأل لماذا يسري القانون الدولي في كل مكان ويرتد خائبا على ابواب تل ابيب؟ صحيح ان اسرائيل تريد اخفاء فضائحها وجرائمها ضد الانسانية ضد الاف الجنود المصريين الذين قتلتهم بدم بارد في سيناء، وضد اهالي قانا والجنوب وضد اهالي غزة ورفح وخان يونس والقدس والصفة، ولكن لماذا يتحول المسؤولون الدوليون الى خراف عندما يتعلق الموضوع باسرائيل ويشرئبون ويزايدون عندما يتعلق الامر بفلسطين او أي قطر عربي آخر. الجواب بسيط لان المسؤولين العرب لا يسألون عن شعوبهم ومصير شعوبهم وكرامة شعوبهم فينشأ فراغ كبير تتحرك ضمنه اسرائيل لامتهان كرامة العرب واذلالهم. ومن الطبيعي ان يؤدي كل ذلك الى تفاعلات كبيرة وعميقة داخل الامة فتستنهض طاقاتها وتبرز المقاومة لملء الفراغ. فالمسؤولية لا تقع اذن على المقاومة وانما على كل طرف او نظام لا يقوم بواجبه القومي والوطني. ونحن اذ نتمسك بدور المقاومة وحقها في التصدي للعدوان الاسرائيلي والجرائم الاسرائيلية المتمادي ونتمسك بأمن مصر وسيادة مصر نطالب الجميع بتدارك الموقف والتسامي عن الامور العابرة والتركيز على جوهر القضية وكسر الحصار على غزة ومواجهة الخرق الاسرائيلي المستمر لأمن وسيادة كل بلد عربي، فهذه هي المعركة الكبرى التي يجب ان تخضع لها كل الاعتبارات.


ملاحظة: حتى الان لم يتراجع افيغدور ليبرمان وزير خارجية اسرائيل عن تصريحين ادلى بهما سابقا ضد مصر. الاول قال فيه «يمكن للرئيس مبارك ان يذهب الى الجحيم» والثاني هدد فيه بإمكان قصف سد أسوان الذي ينظم شريان الحياة في وادي النيل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s