هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟\\د. أكرم حجازي

هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟
تطبيقات مبدأ بتريوس
(3)
 
د. أكرم حجازي
22/4/2009
 
 
    ما أنْ ظهرت حكاية التفاوض، قبل عام على الأقل، حتى نفتها طالبان في أكثر من بيان رسمي جملة وتفصيلا، وسادت معادلة ساخرة منها تقول: لو قبلت طالبان بالشروط الأمريكية والغربية للحوار معها لعادت إلى نقطة الصفر! بمعنى إذا كانت طالبان قد رفضت الحوار سابقا، وهي تحت ضغط القوة العسكرية وتداعي العالم عليها والإمارة بيدها، فهل من المنطقي أن توافق عليه الآن، بعد كل التضحيات، خاصة وهي على مشارف كابول؟
 
    الحقيقة أن المشكلة ليست بهذه الصورة حتى عند طالبان التي تدرك أن جوهر الدعوات الأمريكية والغربية ليس التفاوض معها بقدر ما هي محاولات لاختراق الحركة وتفكيكها. فالتفاوض جزء من عروض الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. وهي آلية تمكن من إحداث فرز بين القوى ذات الميول السلمية، إن وجدت، وتلك القوى “المتشددة”. أو بحسب ما يسميه الغرب فالتفاوض هو آلية عمل سياسي لفصل “المعتدلين من طالبان” عن “طالبان” نفسها. فهؤلاء المعتدلون المفترضون هم المعنيون بالتفاوض، وهم المطالبون بالعمل على فك الارتباط بين القاعدة وطالبان، وهم المطالبون بالتخلي عن “العنف”، وهم المطالبون بالموافقة على الدستور الأفغاني وهم الجسر الذي من خلاله سيتم الصعود على ظهر طالبان. ولتحقيق هذا الهدف لا بأس من التلويح بالاستعداد للعفو عن الملا محمد عمر أو شطبه من قائمة الإرهاب الأمريكية.
  
      ومع ذلك فقد جن جنون إيران التي سبق وأن اعترفت على لسان محمد علي أبطحي نائب رئيسها السابق بتسليم العراق وأفغانستان للولايات المتحدة مبديا في الوقت نفسه أسفه على تجاهل الأمريكيين لخدمات إيران التي لولاها لما استطاعت الولايات المتحدة احتلال البلدين! فما هي مصلحة إيران أن تساهم في إسقاط بلدين مسلمين وتسليمهما لقمة سائغة للأمريكيين بينما تزعم محاربتها للشيطان الأكبر؟ وإذا تجاوزنا، جدلا، تصريحات متكي حول “التطرف” في باكستان وأفغانستان، خاصة وأن عداء إيران لطالبان سبق هجمات 11 سبتمبر، فما علاقة العراق بالتطرف زمن صدام حسين حتى يقع فريسة للاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني؟ هل هي المصالح؟ أم هي ضرورات المتعة الحرام؟ أم كليهما معا؟
 
    في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة طهران (19/10/2008) حذر وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي الغرب من مغبة إجراء محادثات مع حركة طالبان الأفغانية قائلا:  “نحن ننصحهم بالتفكير في عواقب المحادثات التي تجري في المنطقة وفي أوروبا وتجنب أن يلدغوا من الجحر نفسه مرتين”. وأضاف بأن: “على الغرب أن لا يفكر أن بإمكانه حصر التطرف في أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى”، محذرا من أن التطرف سيصل في يوم من الأيام إلى أوروبا والغرب. لكنه تخلى عن النصح والتحذير ليبدي فزعا أكبر خلال كلمته التي ألقاها لاحقا أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة حين أعلن صراحة عن وجوب دعم قوات الناتو في أفغانستان وعدم السماح بانتصار طالبان.
 
    وفي 16/3/2009 تناقلت وكالات الأنباء ردودا إيجابية على مقترحات إيطاليا، الرئيسة الدورية لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى، والتي دعت فيها إيران إلى المساعدة في احتواء الوضع في أفغانستان. إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حسن قشقاوي: “أن إيران مستعدة للتعاون مع المجموعة لنقل تجاربها حول إحلال الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أفغانستان”.
 
     وفي 31/3/2009 استجابت إيران لدعوة أوباما بتعزيز التعاون بين البلدين في مواجهة حركة طالبان الأفغانية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني محمد مهدي خوندزاده أن: “طهران ترحب بعروض التعاون التي قدمتها الدول المساهمة في أفغانستان، وتعلن استعدادها التام للمشاركة في المشاريع الهادفة لمكافحة تهريب المخدرات ومحاربة طالبان ومشاريع التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان”.
 
     لم يطل الوقت كثيرا حتى أعلنت الحكومة الإيرانية (17/4/2009) أنها: “على وشك صياغة خطة جديدة تستهدف مساعدة قوات الاحتلال الأجنبية في أفغانستان على ضبط الوضع الأمني في هذا البلد”. وكان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي واضحا في كلمته أمام مؤتمر الدول المانحة لباكستان الذي انعقد في اليابان حين أشار إلى أن: “القلق الإيراني يتزايد من الوضع الأمني في منطقة جنوب آسيا” وهو الذي دفع “بلاده لوضع الخطة”، لذا فقد حث دول المنطقة على المشاركة في الخطة التي أعرب عن قناعته بأنها ستصدر قريبا دون أن يدلي بأية تفاصيل عنها.

    هكذا لم يتبق لدى إيران إلا انتظار لحظة النشوة مع الشيطان بعد أن ولجت، عميقا، في تحالفاتها مع الولايات المتحدة، وألقت بكل ثقلها إلى جانب الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان وباكستان تماما مثلما فعلت بالعراق. فالمسألة لا تتعلق بمكافحة تهريب المخدرات خاصة وأن إيران تعرف أكثر من غيرها أن زراعتها في أفغانستان زادت بمقدار أربعين ضعفا خلال الاحتلال الأمريكي مقارنة بعهد طالبان، ولا شك أن الرعاية الأمريكية والدولية لها يقعان خارج قدرة إيران على مواجهتها، هذا إنْ لم تكن هي نفسها متورطة بها حتى بموجب شهادات عراقية رسمية، كما لا تتعلق المساهمة الإيرانية بالتنمية أو الإعمار الذي لم يحظ به العراق وهو دولة نفطية. والحقيقة أن الدور الإيراني في العراق أو أفغانستان لا علاقة له بالتطرف ولا بالحرص على الغرب والتباكي عليه بقدر ما له علاقة بالمصالح الإيرانية واستثمار الضعف الأمريكي.
 
       فالمأزق الأمريكي في أفغانستان وتداعيات الانهيار الاقتصادي أضعفا الولايات المتحدة إلى الدرجة التي فقدت معها بامتياز صفة الدولة الأعظم التي تأمر وتنهى وباتت بحاجة إلى المساعدة. لهذا لم يعد أحد يتعامل معها إلا بموجب المصالح المتبادلة. ولكل شيء ثمنه. هذا ما فعله الروس بعد إغلاق قيرغيستان للقاعدة الأمريكية في أصعب الظروف كي يضطر الأمريكيون إلى التفاوض مع موسكو، وهذا ما يفعله الإيرانيون اليوم معها فيما يتعلق بأفغانستان. فهم يسعون إلى تحقيق أقصى المكاسب لقاء ما يقدمونه من خدمات سواء في مستوى استعداد الرئيس الأمريكي لفتح حوار بين البلدين لـ: “إنهاء ثلاثون عاما من الشقاق الدبلوماسي الظاهري” وعودة العلاقات بين البلدين أو فيما يتعلق بتنازلات حول البرنامج النووي الإيراني تقضي بالسماح لإيران بعمليات تخصيب منخفض التركيز لليورانيوم.
 
    العجيب أن في أفغانستان ما يقارب الـ80 جهاز استخبارات تعمل ضد طالبان والقاعدة والقوى الجهادية، وإذا كانت هذه الأجهزة بكل ما تمتلكه من دعم لوجستي قد فشلت في قراءة الواقع الميداني على امتداد سنوات الحرب، فما الذي يمكن أن تقدمه إيران بخبراتها الأمنية ولم تفعله خلال السنوات الماضية؟ وما الذي يريده الأمريكيون من الإيرانيين؟ ولماذا يتطلعون إلى الدور الإيراني وكأنه المنقذ؟
 
·    الأرجح أن الأمر يتعلق باستثمار الرغبة الإيرانية والمعطى الطائفي في أفغانستان. ففي هذا السياق يمكن أن يكون للتدخل الإيراني فاعليته، فمن جهة لم تظهر طالبان أي عداء طائفي للشيعة في أفغانستان خلال سنوات الصراع إلا فيما يتعلق بالتعامل مع الاحتلال وعزل العملاء منهم أو محاصرتهم، لكن إذا ما تدخلت إيران في هذا السياق فقد تعيث في البلاد فسادا عظيما لا يقل عما فعلته في العراق. ولعل تعيين الجنرال ديفيد بتريوس قائدا للقيادة العسكرية الأمريكية الوسطى لم يكن ضربا من الهوى. فالرجل كان صريحا أكثر من غيره حين قال بالحرف الواحد أمام مؤتمر نظمه المعهد الأمريكي للسلام: “إن الولايات المتحدة وحلفاءها لهم مصالح مشتركة مع إيران الشيعية ضد السنة في أفغانستان”. وأوضح بأن إيران التي يهيمن عليها الشيعة لا تريد عودة حكم طالبان السني. وقال لصحفيين في المؤتمر: “إنهم لا يريدون أن يروا أفغانستان في قبضة قوات سنية متطرفة … تماماً مثلنا “. لذا فإن بتريوس يقترح على السياسيين في بلده مبدأ موازنة المصالح فيقول: “إن الأمر يرجع إلى رجال السياسة ليزنوا المصالح المشتركة هناك مقابل نزاعات رئيسية بين واشنطن وطهران فيما يتعلق بقضايا أخرى”.
 
·    يمكن اعتبار شبه السقوط العسكري لممر خيبر الاستراتيجي بمثابة الورطة الحقيقية للأمريكيين في أفغانستان. فالممر الرابط بين بيشاور وأفغانستان هو الوحيد الذي يؤمن قرابة 75% من الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية في أفغانستان. وقد نجحت القوى الجهادية في باكستان وأفغانستان بشلّ حركته بصورة كبيرة جدا عبر مهاجمة قوافل الإمدادات وإحراق المئات من الآليات وغنم العشرات منها. والأسوأ أن القوى الجهادية نجحت بشن هجمات خاطفة ضد مخازن الإمداد والدعم في بيشاور نفسها بصورة أفقدت باكستان صفة القاعدة الآمنة للتحالف. أما روسيا فكانت للأمريكيين بالمرصاد عبر الإيعاز لقرغيزيا بإغلاق القاعدة الجوية في أوج الهجمات، وهكذا يكون الخناق قد ضاق كثيرا على القوات الأمريكية في أفغانستان. ولا شك أن الاستعانة بالجمهوريات الآسيوية الوسطى كأوزباكستان وكازاخستان ليس مأمونا سواء بسبب الضغط الروسي أو بسبب التوترات الشديدة التي تعاني منها هذه الدول داخليا بما لا ينفي احتمال سقوط الأنظمة الحاكمة فيها أو تعرض قوافل الإمدادات إلى خطر الهجوم من الحركات الإسلامية التي تعج بها المنطقة. وفي ظل هكذا أوضاع تبدو إيران القوية وذات الخبرات والاستعداد للتعاون أكثر ملاءمة للأمريكيين من أية دولة أخرى مجاورة حتى من باكستان.
 
     بقي أن نقول أن التدخل الإيراني في العراق ثم في أفغانستان يذكر بنفس سيناريو توسع الدولة الصفوية في العالم الإسلامي، ومن المثير أن الأمريكيين يصرون على أن تكون إيران ضمن الاستراتيجية الجديدة لكنهم لا يتحدثون عن دور تركي ولا ندري ما إذا كان هذا الاستبعاد يفسر، إلى حد ما، الصمت التركي؟ أم أن فرح تركيا بزيارة أوباما كانت جزء من الاستراتيجية الأمريكية؟ لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ويحتاج إلى إجابة: إلى أي مدى تبدو التهديدات الإسرائيلية بضرب المفاعلات النووية الإيرانية جدية في الوقت الذي تكون فيه إيران جزء مركزيا من الاستراتيجية الأمريكية وعلى وشك تطبيع علاقاتها مع واشنطن؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s