هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟\\دروع القاعدة والطالبان\\د. أكرم حجازي

هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟
 
دروع القاعدة والطالبان
 (4)
 
د. أكرم حجازي
    لا شك أن تنظيم القاعدة هو ما يؤرق الغرب أكثر مما تؤرقه طالبان بشقيها الأفغاني والباكستاني. لذا فالعمل على فك الارتباط بين طالبان والقاعدة، بأية وسيلة كانت، هو جوهر كل الدعوات السياسية والتحالفات والاستراتيجيات الجديدة في المنطقة. والأكيد أن القاعدة وطالبان تعلمان جيدا أن فك الارتباط بينهما هو أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية للقوى الحليفة، لذا فالسؤال الطبيعي هو: لماذا؟ وكيف تتعامل القوى الجهادية مع الاستراتيجيات الجديدة في المنطقة بما فيها محاولات فك الارتباط؟  
 
     بعد أكثر من عشرين عاما على ظهوره وحتى اللحظة ظل تنظيم القاعدة أشبه ما يكون بالعاصفة التي لا يعرف أحد عنها شيء إلا من خلال آثارها. فكل ما نعرفه عنها هو آثار عملياتها العسكرية وبعض الشخصيات القيادية والإنتاج الإعلامي المرئي أو المسموع أو المكتوب لا أكثر ولا أقل. فلا نعرف لها تمويلا ولا مصادر تسلح ولا مؤسسات أو مواقع يمكن معاينتها ولا قيادات أو عناصر يمكن الالتقاء بها، بل أن كل ما فيها خفي حتى إعلامها ومؤسساته. وأصعب ما فيها، على الإطلاق، هو معرفة آليات اشتغالها من الداخل كتنظيم. هذه التجربة في العمل الجهادي ليست بعيدة عن طالبان التي شربتها عن آخرها، ولا هي بعيدة كثيرا حتى عن القوى الجهادية الأخرى خاصة في وزيرستان.
 
   هذا النموذج من الانتظام جعل من الاختراق الأمني عملية بالغة الصعوبة إن لم تكن مستحيلة في مستوى القيادات بالذات. وعليه فإن كل العروض الغربية التي استهدفت طالبان بالتفاوض، حقيقة أو مخادعة، اشترطت عليها قبل كل شيء “فك الارتباط” مع (أو) “عزل” القاعدة  كمبادرة طوعية وجواز مرور يسمح لطالبان بالجلوس إلى مائدة المفاوضات! ومن المثير حقا أن هذا المطلب ذو نكهة راندية في الصميم. فقد سبق لمؤسسة راند أن لاحظت فروقا جوهرية في عقائد الجماعات الجهادية ومناهجها وأهدافها في العراق مكنت القوات الأمريكية من اختراقها بسهولة، فالتيار السلفي الجهادي على النقيض من تيارات الإسلام الوطني بحيث يسهل فك الارتباط بينهما. ويبدو أن راند تحاول اختبار النتيجة نفسها على الساحة الأفغانية بالاستناد إلى الاختلاف المذهبي بين طالبان والقاعدة. وفي المحصلة فإن “فك لارتباط” سيؤدي إلى “عزل” القاعدة في مرحلة أولى ورفع الغطاء عنها تمهيدا لمقاتلتها في مرحلة ثانية أو حتى تسليمها إلى القوى المعادية.
 
      إذن للمطالب الغربية فيما يتعلق بفك الارتباط مبرراتها القوية. فالقاعدة وطالبان يتقاسمان مسؤولية إدارة المشروع الجهادي في المنطقة، ويدركان أن استمرارهما يستدعي بناء قاعدة آمنة غير قابلة للانقلاب عليهما أو السقوط ثانية بيد القوى المعادية كما حصل في أعقاب هجمات 11 سبتمبر حيث تعرضت القاعدة على وجه الخصوص لما يشبه الإبادة فضلا عن مطاردة ما تبقى من مقاتليها.
 
   لكن هذه المطالب تبقى حتى اللحظة أقرب إلى الأماني من أية حقيقة ممكنة. فمن جهة تتداخل طالبان والقاعدة على المستوى التنظيمي والعملي، فالخبرة الأمنية وطول التجربة وسعتها بالنسبة للقاعدة يجعلها، بنظر طالبان، أمينة في إدارة (أو الإشراف على) بعض المراكز الحساسة فيها. وهذا ما يجعل من فك الارتباط بين الجانبين، فيما لو حصل على سبيل الاحتمال، عملية صعبة جدا وبالغة الخطورة. كما أنه يشكل، في نفس الوقت، جرس إنذار مبكر للجانبين على وجود اختراق ما يمكن محاصرته بسرعة فائقة. ومن جهة أخرى فإن فعاليات المشروع الجهادي في المنطقة يمكِّن طالبان من الفوز بحصة الأسد لأكثر من سبب، وهو ما نلاحظه عبر كثافة البيانات العسكرية والسياسية.
 
   لكن هذا لا يعني البتة تهميشا لدور القاعدة العسكري. إذ أن القاعدة تحملت من جهتها إدارة منظومة العلاقات الاستراتيجية مع القبائل ومع القوى الجهادية في المنطقة وخاصة في المناطق القبلية الباكستانية وصولا إلى مدينة بيشاور الحدودية. ولا ريب أن هذه المنظومة شكلت في الواقع الدرع القوي والآمن الذي مكن من حماية ظهر طالبان وهي تمارس فعالياتها العسكرية باطمئنان وتضخم وسعة في الانتشار. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أبي الليث الليبي الذي اغتيل على الحدود بين باكستان وطالبان (29/8/2008) وهو في مهمة تنسيق بين القاعدة وطالبان وزعيم طالبان الباكستانية بيعة الله مسحود حول الدور الجهادي الذي يمكن أن يلعبه في أفغانستان.  
 
ردود الجماعات الجهادية في وزيرستان
 
    ما من قوة سياسية أو اجتماعية في باكستان خاصة فضلا عن القوى الجهادية إلا وتدرك أن الغارات الأمريكية التي تشنها طائرات الاستطلاع الأمريكية تتم بالتنسيق مع قيادة الجيش وجهاز المخابرات العسكرية (ISI) وحتى مع أطراف في الحكومة الباكستانية. وهذا يعني أن الجيش والدولة قررا رفع الغطاء عن منطقة القبائل وتركها نهشا للتنازع وعمليات القصف والاغتيال والتدمير الأمريكي. بمعنى أن أحدا في المنطقة سواء كان فردا أو قبيلة أو جماعة لن يتمتع بأية حماية، كما أن التجربة أثبتت أن الاتفاقات مع الحكومات المحلية أو الحكومة المركزية لم تعد تشكل فارقا ولا حصانة لأحد. هذه الخلاصة تحتم على القوى الجهادية مواجهة مصيرها بيدها خاصة وأن الحديث يجري عن “حرب مفتوحة” في المنطقة وفق ما تبوح به الاستراتيجية الأمريكية ستكون قبائل المنطقة أول ضحاياها.
 
   ولمواجهة الموقف فقد أقدمت أقوى ثلاث جماعات متنازعة تضم عشرات الآلاف من المقاتلين الطالبان في 3/3/2009 على خطوة لم تكن في الحسبان لا بالنسبة لباكستان ولا للأمريكيين. إذ أعلن كل من ملا بيعة الله محسود، وملا نذير أحمد، وملا جول بهادور عن توحد قواتهم المسلحة تحت مسمى “اتحاد مجلس شورى المجاهدين” استجابة لدعوة سابقة بالتوحد وجهاد الأمريكيين وجهها الملا محمد عمر. ويتشكل المجلس من 13 عضوا مهمته حل النزاعات واتخاذ القرارات التي تحكم سيره. أما القيمة الأبرز لهذا الخطوة فتكمن في أنها:
 
·    أول تحالف باكستاني لجماعات مسلحة يعلن مبايعته  للملا محمد عمر والشيخ أسامة بن لادن للرد على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. وبحسب ملا أحمد نذير أمير مجاهدي طالبان جنوب وزيرستان (مؤسسة السحاب – مارس / آذار 2009) فإن التحالف ولد بعد أن: ” توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الخلافات بيننا كانت أساساً بسبب تحريض وتحريش الـ ISI وأعداءنا الآخرين … التي أججت الكراهية والعداوة بين قبيلتي محسود ووزير”.
 
·    كما أنها تعني، بحسب المصدر نفسه، أن أي هجوم قد تتعرض له المنطقة من الجيش الباكستاني أو القوات الأمريكية أو أي طرف آخر سيتم الرد عليه جماعيا وفي وقت واحد: “سوف يكون ردنا واحد على هذا الهجوم. كل القبائل والمجاهدين في شمال وجنوب وزيرستان سوف ينتقمون معاً في وقت واحد، وسوف يكون الرد أكثر إيلاماً وصرامة من قبل”.
 
    بطبيعة الحال فإن مثل هذه الخطوة ستؤدي قطعا إلى مزيد من التنسيق والسرعة في العمل والفاعلية. وبالفعل فقد تناقلت بعض وسائل الإعلام (20/4/2009) نبأ اكتشاف طالبان لاختراق كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية  “C.I.A” قد حققته في صلب قبيلتين في وزيرستان الشمالية، وقالت الحركة أنها حصلت على معلومات من مصادر موالية لها تعمل في المخابرات الأفغانية والباكستانية مكنتها من إلقاء القبض على معظم الجواسيس حيث أعدمت حوالي 100 منهم حتى الآن.
 
  أما على صعيد التدخل الإيراني فالمسألة مختلفة، وقد سبق وأشرنا أن إيران لم تعلن حتى اللحظة عن تفاصيل خطتها المقترحة لمساعدة القوات الأمريكية في أفغانستان على مواجهة طالبان. وبالتالي فمن الصعب الجزم بماهية التدخل الإيراني المنتظر. لكن حين تتحدث إيران عن تجاربها في إحلال الأمن والاستقرار فهي بالقطع تستلهم نفوذها وتجاربها في العراق. وإنْ كانت بصدد تكرار التجربة في أفغانستان فمن الأولى القول بأن تجربة العراق لم تعد خافية على طالبان ناهيك عن القاعدة. وبما أن العراق يشهد منذ بداية العام الجاري ملامح عودة تذكر بالأيام الخوالي سواء على صعيد استهداف الأمريكيين أو استهداف الشرطة الحكومية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ساعدت إيران حقا في وأد المشروع الجهادي في العراق كي تنجح في أفغانستان؟ لا ريب أننا نطرح السؤال:
 
(1)  في ضوء التصريحات الأمريكية التي بدت أكثر تواضعا من التصريحات الإيرانية وهي تلتزم باستمرار، حين تقييم الوضع في العراق، وعلى لسان الجنرال ديفيد بتريوس بأن هناك: “انخفاض ملحوظ في وتيرة العنف لكن يبقى الوضع هشا”؛
(2)  وفي ضوء الضربة المؤلمة التي تلقتها إيران أمس الأول في أحد مطاعم بعقوبة والتي خلفت مقتل قرابة 52 إيرانيا. وهو ما يمكن قراءته كتحذير بالغ الشدة لإيران من أنها ستدفع ثمن تحالفها مع الأمريكيين في العرق كما في أفغانستان سواء بسواء.
 
     بقي أن نقول أنه لأول مرة بدا أن قادة القاعدة يتحدثون بدقة عن حجم النفوذ الإيراني في أفغانستان، وكأنهم أردوا بذلك تذكير إيران بحجمها الحقيقي في أفغانستان. ففي كلمته التي بثتها السحاب “ست سنوات على غزو العراق وثلاثون عاما على توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل – 20/4/2009) عقب د. أيمن الظواهري على الرئيس الأمريكي حول مسألة التفاهم مع إيران قائلا: “في أفغانستان لا تجرؤ إيران على أن تخطو فيها خطوة واحدة, وهي أعلم الناس بالأفغان وبتاريخهم. وكلّ ما تستطيعه إيران هو أن تُمِدَّ عملاءها في أفغانستان بالمساعدات والأسلحةِ والأموال وهو أمرٌ تصدّت له الإمارة الإسلاميّة … من قبل وحشرت عملاء إيران في 5% من مساحة أفغانستان”. فهل هؤلاء هم من تعول عليهم إيران؟
 
   هكذا، ففي حين  يبدو الهاجس الأمني هو ما يؤرق العالم في أفغانستان وباكستان ويقض مضاجع القوى الأجنبية والإقليمية، نراه لدى الطالبان والقاعدة بمثابة الحصن الحصين في الرد على الاستراتيجيات الجديدة. صحيح أن القاعدة والطالبان تتحدثان، بثقة، منذ بضعة أشهر عن تباشير للنصر، إلا أن للشهور القادمة كلمة الفصل. فلننتظر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s