البغدادي ونافخو الكير د. أكرم حجازي

d985d8b1d982d985d8a9-d981d98a-d988d8b3d8b7-d8a7d984d986d8b5

البغدادي ونافخو الكير

د. أكرم حجازي

لم يكن أحد ينتظر أن يتحول خبر اعتقال البغدادي في الثالث والعشرين من الشهر الجاري إلى حدث أمني وإعلامي بحيث يستمر حتى هذه اللحظة دون أن يتم حسم الموضوع سواء من الجهات الأمنية والحكومة العراقية أو من دولة العراق الإسلامية باعتبارها الجهة المستهدفة. ولما يتحول خبر إلى حدث فهذا يعني اتساع دائرة البحث والتقصي لمركز الخبر ووجوب التفتيش عن كافة الفرضيات والعناصر المحيطة به وبشخصية البغدادي. في هذه المقالة سنحاول مناقشة الفرضيات المطروحة في ضوء ما توفر من تصريحات وبيانات حالية وسابقة.

أولا: التصريحات الحكومية والأمريكية

فقد أعلن اللواء قاسم عطا الموسوي الناطق الرسمي باسم خطة أمن بغداد في 23/4/2009 أن أجهزة الأمن العراقية نجحت في اعتقال أبو عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية. وعلى قناة العراقية قال بأن “معلومات استخبارية دقيقة” أدت إلى الاعتقال. وأضاف بأن السلطات العراقية سوف تقوم بفحص الحمض النووي للتأكد من شخصية البغدادي خلال اليومين القادمين. وعلى غير العادة توقفت الفضائيات عند الخبر وشرعت في بثه على مدار الساعة واستضافت الكثير من الضيوف للتعليق عليه وفي حلقات مستقلة. وهذا ما يوحي بأن الخبر ذو أهمية تستحق المتابعة خلافا لأخبار مماثلة سبق وأن تناولت اعتقال الرجل أكثر من مرة لكنها لم تتوقف كثيرا عنده.

وعلى فرض صحة الخبر إلا أنه ما من دليل يؤكده حتى ولو كان واهيا. لكن تواتر التصريحات العراقية والأمريكية على السواء أظهرها كنافخ الكير. بمعنى أن القوى المعنية بالخبر تجهد في المحافظة على استمراره كما لو أنها تنتظر ردود أفعال من هذه الجهة أو تلك.

لنبدأ بالتصريحات العراقية الرسمية. فقد قالت قناة العراقية أن اعتقال البغدادي تم “بناء على معلومات استخبارية دقيقة“، وفي ذات يوم الإعلان قال قاسم عطا من جهته أن: “البغدادي أوقف بناء على معلومات أحد الأشخاص“، وفي حلقة قناة الجزيرة “ما وراء الخبر – 25/4/2009” قال النائب العراقي كمال الساعدي: “أعتقد أن الاعترافات التي قدمها (كما أعرف) عندما ألقي القبض عليه هي التي دعت القوات العراقية إلى القول بأن هذا الشخص هو أبو عمر البغدادي، والاعترافات السابقة التي سبقت إلقاء القبض عليه. هذان العنصران هما اللذان دعيا القوات العراقية إلى الإعلان عن أن هذا الشخص هو أبو عمر البغدادي“.

ولأنه من المفترض أن تكون نتائج فحص الحمض النووي قد أصبحت قيد الإعلان، فقد خرج المتحدث باسم وزارة الدفاع العراقية اللواء محمد العسكري على قناة العراقية في 28/4/2009 ليؤكد أن من تم اعتقاله الخميس الماضي في ناحية الرصافة من العاصمة بغداد (23/4) هو أبو عمر البغدادي، مشيرا إلى أن: “قوات الأمن العراقية كانت تتابعه سرا على مدى شهرين قبل أن تلقي عليه القبض دون مساعدة عسكرية أميركية“. بل أن أجهزة الأمن العراقية عرضت صورة لمن قالت أنه أمير دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي! وفي تصعيد آخر تدخلت الحكومة العراقية (28/4) عبر بيان صدر باسم مكتب نوري المالكي يؤكد أن البغدادي: “موجود بين يدي العدالة“!

أما بالنسبة للتصريحات الأمريكية فقد رفض الناطق الإعلامي باسم السفارة الأمريكية في بغداد وكذا المتحدث باسم القوات الأميركية العميد ديفد بيركنز (23/4/2009) تأكيد أو نفي اعتقال البغدادي. وفي وقت لاحق جدد بريان ويتمان المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية ذات الموقف، لكنه أضاف عبارة يمكن اعتبارها نفخة كير بامتياز حين قال في تصريحات للصحفيين أنه في حال ثبوت ذلك سيكون “أمرا استثنائيا“. وتعليقا على الصورة المنسوبة للبغدادي: “رفضت وزارة الدفاع الأميركية نفي أو تأكيد التعرف على شخصية المذكور”، وتعقيبا على بيان المالكي كرر بريان ويتمان القول: “ما زلت غير قادر على تأكيد صحة التقرير“. لكن قبل أن تفوته نفخة الكير الثانية استدرك قائلا: بأنه: “لا أسباب لديه للاشتباه بعدم وجود شخص ما قيد الاحتجاز“.

هذه التصريحات المتواترة أظهرت تناقضات واضحة يصعب اعتمادها كحقائق ولو بالحد الأدنى. لكنها كمحفزات مثيرة فقد نجحت ببراعة، مقارنة بمحاولات سابقة غالبا ما تحدثت عن الاعتقال وليس القتل مثلا، بإحداث بلبلة وارتباك في الوسط الجهادي المناصر، فضلا عن أنها تسببت بتسليط الأضواء من كل ناحية على شخصية أبو عمر البغدادي، واستدعت أغلب الفرضيات الشائعة التي تحاول الحسم فيها. وقبل أن نتعرض لأهمها سنناقش ما عرضناه من تصريحات لنرى مدى دقة معطياتها.

ثانيا: مناقشة التصريحات

· فقد تضاربت التصريحات حول الأسباب التي أوقعت البغدادي في الأسر. ولا شك أنه ثمة فرق كبير بين من يتحدث عن وشاية قدمها “أحد الأشخاص” أو عن “معلومات استخبارية دقيقة” ناهيك عن متابعة سرية للبغدادي على ” مدى شهرين“. فأيهما الصحيح في هذه التصريحات؟ وإذا كان السبب هو هذا “الشخص” الذي قدم المعلومات طوال هذه المدة فهذا يعني أنه من أخص الخاصة المقربة من البغدادي، وأنه باستطاعته أن يقدم معلومات أثقل وزنا ربما تكفي للإيقاع بما هو أكثر من البغدادي فلماذا لم نسمع عن أية اعتقالات سابقة لرؤوس كبار؟ ولماذا تفرط أجهزة الأمن العراقية بكنز من المعلومات لتستغله فقط باعتقال البغدادي ثم تقول “معلومات استخبارية دقيقة“؟ وهل يمكن لمجرد “واشي“، كما تُظهر التصريحات، أن ينجح في اختراق رأس الهرم ويقدم فقط معلومات عن البغدادي لمدة شهرين؟ ربما يكون هذا الكلام صحيحا لو أن هناك أناس متخصصون بالبغدادي دون غيره!

· كتب الكثيرون عن قصة فحص الحمض النووي (DNA) للبغدادي. وما من أحد صدق هذا الإجراء على الإطلاق إلا الحكومة العراقية التي قالت أن الفحوص أكدت هوية البغدادي. ولكي يكون هذا الاختبار ممكنا يتوجب بداهة توفر ركنين أولهما أن يكون الشخص المستهدف بالفحص معروفا لكن ثمة شكوك حول هويته نتيجة تشوهات تسببت بصعوبة التعرف عليه أو على الجثة أو تغيير في الملامح تحول دون التأكد من الشخصية أو تقدم في العمر أو تحلل في الجثة أو تَفحّم بها بحيث يكون للحمض النووي وحده القدرة على تحديد الهوية. وثانيهما توفر عينة للمقارنة يمكن الحصول عليها من أبناء المستهدف بالفحص أو أحد أقاربه. ولما يكون البغدادي شخصية مجهولة رسما وبيولوجيا، فضلا عن الجهل التام بقبيلته وأهله فما هي الحاجة لإجراء اختبارات من هذا النوع؟ الحقيقة أن الأمريكيين أنفسهم لم ينزلقوا، بعدْ، في هذا الاتجاه. ولا ندري إن كانوا سيلتزمون بموقفهم هذا أم ستحتاج إلى نفخة كير جديدة تعدل منه إذا لزم الأمر.

· يوحي كلام النائب العراقي كمال الساعدي أنه تلقى معلومات تؤكد أن المعتقل هو البغدادي. ويستند في أقواله إلى “اعترافات” البغدادي عن نفسه وكذا الاعترافات السابقة التي من الممكن أن يكون أدلى بها بعض القادة المعتقلين من القاعدة أو دولة العراق الإسلامية. وهذا الكلام يذكّر بخبر سابق عن أبي حمزة المهاجر حين أعلنت ذات الأجهزة أنها اعتقلته بناء على ذات العبارة: “معلومات استخبارية دقيقة” تارة أو خلال “حملة أمنية تارة أخرى حيث داهموه وهو نائم في منزل، ولما سألوه من يكون؟ عرّف على نفسه بأنه أبو حمزة المهاجر! فهل يعقل أن يفرط رجل بحجم البغدادي بحياته وبمصير أتباعه وهو الشخصية الغامضة التي لا يعرف لها شكل ولا عمر ولا طول ولا لون ولا وزن ولا يتوفر أي معطى على الإطلاق للاسترشاد به أمنيا؟ باختصار: لماذا يضطر البغدادي للاعتراف عن نفسه إذا كان خصومه لا يملكون عنه أي دليل حتى لو أخبر عنه واش؟ وإذا كانت “الاعترافات السابقة” قد ساهمت بالتعرف على شخصيته فلماذا لم تساهم في القبض عليه قبل ذلك؟ وكيف يستقيم القول بـ “الاعتقال” و “الاعترافات” والبغدادي نفسه حرض أتباعه على عدم الوقوع في الأسر؟

· من المفترض أن اعتقال رجل كالبغدادي هو عملية أمنية بامتياز يصعب التخلص منها بسهولة عبر ترحيلها إلى الجهات السياسية. والحقيقة أن الأولى بالإعلان عن عملية الاعتقال، فيما لو كانت صحيحة، هم الأمريكيون الذين ما زالوا يتحملون العبء الأكبر في إدارة المسألة الأمنية في العراق بصورة مباشرة. فلما اغتيل الزرقاوي، مثلا، كان الأمريكيون أول من أعلن عن ذلك ثم بالتوازي معهم أو بعدهم بقليل ، وفي موضع آخر، جاء الإعلان من المالكي. فمن يصدق أن ملف البغدادي والقاعدة في العراق بيد المالكي أو غيره؟

مع ذلك فالمثير حقا أن يصدر بيان من مكتب رئيس الحكومة يؤكد أن المعتقل هو البغدادي. وهذا يعني أن القضية أمنيا انتهت بتأكيد هوية الشخص المعتقل. لكن المدهش في أن البيان تحدث عن كون البغدادي موجود بين يدي العدالة! يعني أن ملفه رفع إلى القضاء. فهل استنفذت التحقيقات معه كي يجري تحويله بهذه السرعة إلى القضاء؟ أم أن البيان كتب على عجل لدرجة أن كاتبه فيه من الجهل ما يحسد عليه، بحيث عجز عن التمييز بين أن البغدادي قيد التحقيق بيد “الشرطة أو أجهزة الأمن” أو أنه قُدّم لـ “العدالة” لمحاكمته؟

· ليس لدينا شك أن الصورة التي وزعتها أجهزة الأمن العراقية وقالت أنها للبغدادي قد خضعت للمونتاج والإخراج بصورة سقيمة جدا لا تخفى عيوبها على أدنى ملاحظ. فالوجه يميل إلى الاحمرار مع مسحة دهنية ساطعة على الأنف وبطن الخد الأيسر. وحتى فروة الرأس تبدو مكونة من طبقتين مع خطوط بيضاء أقرب إلى التلوين من كونها شيبا. ونفس التلوين الأبيض يمكن ملاحظته في الذقن والشارب. لكن أول ما يلفت الانتباه هو الخيط شبه المطاطي الظاهر على الجبين وهيئة الجلوس التي تغلب عليها رجل هادئ وآمن يقرأ أو يدقق في شاشة كمبيوتر وليس رجلا موقوفا أو “رأس الشر” كما يقول بيان الحكومة. أما الأرقام فتؤشر على مواضع الخلل في الصورة:

1) وجود بقعة ضبابية لإخفاء عيب ما.

2) الخيط المطاطي الواقع في منتصف الجبين وهو يلتف حول الرأس دون مبرر.

3) الأذن مزدوجة وبيضاء اللون.

4) البقعة الدهنية الساطعة على بطن الخد والأنف.

5) الخيط الأبيض الرفيع بمحاذاة الرقبة وصولا لأسفل الكنزة.

6) احمرار الرقبة بعكس لون الأذن والسطوع الدهني.

7) احمرار شعر الخد الأيمن بما يخالف شعر الرأس وحتى شعر الشارب.

8) نقاط أو خطوط بيضاء مرسومة على الذقن.

9) لون الشارب أقرب إلى السواد من لون شعر الخد الأيمن.

10) سطوع دهني فاقع على الأنف وليس ضوء كما يبدو للوهلة الأولى.

11) تضخم في الحاجب الأيمن يشبه الورم بخلاف الحاجب الأيسر.

12) شعر الحاجب الأيسر غير مكتمل ويبدو عليه الاصطناع.

13) علو الكتف الأيمن بالمقارنة مع انسياب الكتف الأيسر لجلسة تبدو متوازنة.

إذن لدينا أكثر من دليل على فبركة الصورة بحيث يمكن القول أن الوجه برمته مركب تركيبا على وجه آخر يمكن الاستدلال عليه ابتداء من البروز والتضخم في الأذن وما يبدو تحتها مباشرة كإسفين أبيض يتجاوز حدود الرقبة لينحشر بخيط أبيض رفيع باتجاه الكنزة السوداء.

ثالثا: فرضية الشخصية الوهمية

لا شك أن فكرة كون البغدادي شخصية وهمية هي فكرة الخصوم خاصة الأمريكيين الذي أرادوا من ورائها إثبات أن القاعدة تنظيم وافد، وأن العراقيين يمكن أن يتفقوا بدون القاعدة. وعليه يمكن محاربة القاعدة على هذا الأساس. لكن بعض الخصوم المحليين كالجيش الإسلامي والحزب الإسلامي والإخوان المسلمين في العراق عموما يتحدثون عن فكرة أخرى يسعون من خلالها إلى ربط القاعدة بإيران، وهذه فكرة لا علاقة لها بالمقالة موضع النظر. لذا سنركز على حقيقة شخصية البغدادي.

فقد جهد الأمريكيون وبعض المحللين لإثبات أن البغدادي شخصية وهمية، غامضة، ولا وجود لها في الواقع. وقيل أن أبو حمزة المهاجر هو القائد الفعلي للقاعدة في العراق، وأن حكاية إعلان دولة العراق الإسلامية ليست سوى خديعة لتبرر بها القاعدة وجودها وشرعيتها. وللرد على الخطابات الصوتية للبغدادي قيل أن كل ما هنالك شخص ما يلقي الخطابات باسم البغدادي.

لعل هؤلاء لو أدركوا حقيقة السلفية الجهادية لما ركنوا إلى مثل هذه التفسيرات العقيمة التي لا تقدم ولا تؤخر، على الأقل، فيما يسعون إليه. فلو افترضنا أن هذا الكلام فيه قبس من الصحة؛ وعلى فرض أن بن لادن والظواهري وقادة القاعدة في العالم يعلمون بحقيقة البغدادي فلماذا يغامرون بتزكية شخصية وهمية وإشاعة خداع للأمة وخداع حتى للأنصار الذين تعلقوا بالبغدادي عبر نغمات صوته وإيقاع خطاباته؟ وماذا سيكون حال هؤلاء لو اكتشفوا أن الصوت الذي تعارفوا عليه لأميرهم هو في الواقع لقارئ خطاباته وليس للبغدادي، وبالتالي فهو الأمير المزيف وليس الحقيقي؟ وهل سيتفاعل التيار السلفي الجهادي مع أطروحته وقياداته بذات الروح التي تعاطفوا بها فيما لو ثبت أنه تعرض لخديعة كبرى وعلى لسان الرموز؟ وهل يعقل أن تكون القاعدة أو دولة العراق الإسلامية فاتهما مثل هذا الأمر كي تقع ضحية جهل قاتل؟

لا بأس. لنعمق التحليل أكثر قليلا كي تتضح حقيقة الصورة. حين أعلنت دولة العراق الإسلامية في شهر تشرين أول / أكتوبر سنة 2006 عرّف البغدادي عن نفسه في خاتمة أول خطاب له بالقول: ” أخوكم أبو عمر الحسيني القرشي البغدادي“. ومن الملاحظ أن هذا التعريف للبغدادي خلا من اسم العلم خاصته. فقد كان ممكنا أن يقول أن اسمه الأول هو فلان لكنه امتنع عن ذلك، ربما لظروف أمنية على الأرجح، واكتفى بكنيته “أبو عمر“. بطبيعة الحال يمكن لأحد أن يزعم أن كنيته ليست حقيقية لكننا لا نميل لهذا الاحتمال. ففي خطابه: “حصاد السنين بدولة الموحدين – 17/4/2007 ” وردت عبارة هامة جدا في التحليل قال فيها: “إننا حينما أعلنا دولة الإسلام وأنها دولة هجرة وجهاد لم نكن نكذب على الله ثم على الناس “، فما الذي تعنيه هذه العبارة في ضوء الزعم بأن البغدادي شخصية وهمية؟

تعني ولا شك أن البغدادي يعلق برقبته، على الأقل، بيعة لجنوده وأنصاره وقادة التيار السلفي في العالم ورموزه ومقاتليه على كافة الجبهات فضلا عن شرائح من الأمة تؤيد ما ذهب إليه، وبالتالي لا يمكن له أن يتخذ مسمى ليس له. فالبغدادي لا يستطيع أن يزعم، شرعا أو عقلا، أنه عبد الرحمن ويتلقى بيعة على اسم حركي بينما هو عبد الكريم مثلا، ولا يستطيع أن يعلق الناس بصوته ثم يقول هذا قارئ خطاباتي؟ فماذا لو اكتشفت الخدعة؟ ولا يستطيع أن يزعم أنه حسيني وقرشي وهو ليس كذلك. وإن كان هذا خداعا فهل تتحمل السلفية الجهادية مثل هذا الخداع؟ وهل المشروع الجهادي العالمي وشريعة الله وأرواح الناس والحروب الطاحنة التي تدور رحاها بين المسلمين والأمريكيين وأحلافهم بحاجة لمثل هذا الخداع كي يسير الجهاد بأمان؟ بالتأكيد فإن الجواب بالنفي التام والمطلق. فالبغدادي هو أبو عمر قطعا وهو حسيني قطعا وهو قرشي قطعا، لكننا لا نستطيع التخمين فيما إذا كان اسم “البغدادي” يلزم أن يكون من سكان بغداد أو غيرها من مناطق العراق. ودون ذلك فالمسألة أقرب إلى الجنون من أي أمر آخر وهو ما نستبعده كليا.

أخيرا

فإن كل التحليلات الواردة أعلاه تؤكد أن المعطيات المتوفرة من تصريحات وبيانات وصور وفرضيات لا تثبت ولا تنفي صحة خبر الاعتقال. لكنها تؤكد عدم صلاحيتها كأدلة. وعليه فالأمر منوط بدولة العراق الإسلامية في إثبات أو نفي الشائعات. لكن لو افترضنا أن خبر الاعتقال صحيح، وأن القصد من استمراره دون حسم من أية جهة كانت بصورة لا تقبل الطعن أو التشكيك، كما هو رأي معظم المحللين والخبراء، هدفه استفزاز الدولة لإجبارها على التصريح بما لديها، خاصة وأن الأمريكيين يصرون على وجود شخص ما قيد الاحتجاز لكنهم غير متأكدين من هويته رغم التصريحات العراقية. فهل يتوقع صدور بيان أو شريط صوتي من الدولة يحسم في الموقف ويزيل البلبلة والارتباك؟

الأكيد أنها لا تستطيع فعل ذلك قبل مضي وقت طويل نسبيا لأكثر من سبب. فإذا صح خبر الاعتقال فلن تستطيع إغفاله أو تجاهله. لكنه سيعني أن الدولة بحاجة إلى وقت كاف لإعادة ترتيب أوراقها من جديد استعدادا لمواجهة تداعيات الإعلان عن الاعتقال. وبالتأكيد فإن المشكلة في هذه الحالة هم الخصوم وليس اعتقال البغدادي. فالكثير منهم يتربصون به، ومعرفة شخصيته يعني معرفة أهله وأقاربه وعشيرته وقبيلته، ولا شك أن هؤلاء بحاجة إلى تأمين على أنفسهم من ردود فعل قد تؤدي إلى صدامات دامية. وإلى أن نتبين الحقيقة من الخيال فليس من المستبعد أن نشهد مزيدا من النفخ في الكير إلا أن يأتي من يطفئ النار. وإن لزم الأمر فربما يكون للحديث بقية …

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s