قرصنة النيل \\!!علاء الدين حمدى

علاء الدين حمدي

علاء الدين حمدي


قرصنة النيل !!

ـ فى 21 نوفمبر 2008 ، وعلى خلفية التفاوض مع القراصنة الصوماليين للإفراج عن ناقلة النفط السعودية المختطفة وقتها ، نشرت جريدة ” الشرق الأوسط ” اللندنية تصريحا جريئا على لسان أحد هؤلاء القراصنة ، أكد فيه أنهم يحصلون على مساعدات من ” دول ” فى المنطقة تمدهم بالمعلومات حول طرق عبور السفن حددها باليمن وإريتريا وكينيا وجنوب أفريقيا ، مضيفا أن لديهم أشخاصا متعاونين في كينيا وسري لانكا واليمن ودبي ( ولكن لا دخل لهم بالاموال هم يزودوننا بالمعلومات فقط ) كما قال حرفيا ! وأن الأساطيل الحربية التابعة لحلف ” الناتو” تكون قريبة منهم ويشاهدونها ويتبادلون التحية مع رجالها متى كانوا قريبين من بعضهم البعض ، على حد وصفه !

ـ ودون الوقوف عند تحديد القرصان لدول ” متعاونة ” بالاسم ، لعدم توافر ما يؤيد أو ينفى ذلك خلاف تصريحه أو ادعائه ، الا أنه من البديهى وجود أفراد معاونين ، كما قال ، فى كل الدول التى لها دور ولو يسير فى مراحل وصول السفينة المزمع اختطافها الى قبالة السواحل الصومالية بداية من الدولة التى تنتمى اليها السفينة ، ثم دولة الشحن ودولة التفريغ ، إضافــــة الى دول المرور وحتى الوصول الى نقطة الاختطاف ، بحيث تكون مهمتهم تقديم المعلومات الاستخباراتية والدعم التكنولوجى للقراصنة عبر وسائل الاتصال المختلفة .

ـ ولكن الغير طبيعى والغير مفهوم ، أن لا يتقاضى هؤلاء المتعاونون أجورا أو نصيبا من ” الفدية ” التى تصل قيمتها الى ملايين الدولارات ، مقابل ما يوفرونه للقراصنة من دعم ومعلومات يستحيل بدونها اختطاف أى سفينة ! الا اذا كان لهؤلاء ” المتعاونين الدوليين ” ومن ورائهم ، أهداف أخرى أكبر من مجرد اقتسام الفدية الضخمة مع القراصنة ! لذلك يحرصون على تقديم هذه المعلومات مجانا لإغرائهم على اختطاف السفن بسهولة ويسر وبحرية تامة ، وعلى مرأى ، أو ربما بعلم ، من الأساطيل البحرية متعددة الجنسيات التى تقودها أمريكا أو حلف ” الناتو ” ، كما ذكر القرصان !

ـ تذكرت هذا التصريح القرصانى الخطير مع تزايد عمليات اختطاف السفن خلال الأيام الأخيرة بصورة غير مسبوقة ، الأمر الذى يؤكد أن الهدف الواضح الرئيسى من وراء هذه العمليات هو اثارة الذعر فى هذا الممر التجارى الهام وما يترتب على ذلك ، كما قال المتخصصون ، من انحسار الملاحة فيه أو انعدامها تماما ، وبالتالى توقف حركة المرور فى ” قناة السويس ” أحد أهم مصادر الدخل القومى المصرى ، واستبدالها بطريق ” رأس الرجاء الصالح ” الذى ستكون نفقات المرور حوله أقل بكثير من رسوم المرور فى القناة اذا أضيف اليها قيمة الفدية والعطل الزمنى للسفينة وارتفاع قيمة التأمين ! ورغم وضوح ذلك الهدف ، فلا يبدو أمامنا حتى الآن ما يفيد أن الادارة المصرية اتخذت اجراء ما ، لمواجهة هذا التهديد والتخريب الموجه ضدها من بضعة أفراد مجهولين بقوارب صيد لا تجدى معهم الاتفاقات ولا المواثيق الدولية .

ـ وطالما أن المستهدف بالضرر هو مصر فى المقام الأول ، فلا مفر من البحث عن الأصابع إلاسرائيلية لعدة أسباب ، أهمها خروج هجمات القراصنة عادة من شواطىء ما يسمى ( جمهورية بونت لاند ) التى أعلنت انفصالها من جانب واحد عن الصومال الأم منذ عام 1998 والتى تعتبر احدى بؤر النفوذ الاسرائيلى المتغلغل فى المنطقة ، ونجاح إسرائيل فى تدويل البحر الأحمر بعد أن كان ” بحيرة ” عربية ، وحرصها على زرع قواعدها العسكرية حوله حصارا لمصر من ناحية ، ومن ناحية أخرى حماية لإمداداتها المختلفة وتسهيلا لحصولها على دعم عسكرى أمريكى من مياهه الدولية فى حالة وقوع حرب محتملة مع مصر فى المستقبل اذا تغيرت الظروف ، التى لا شك ستتغير ، وحتى لا يتكرر وقتها ما حدث فى حرب أكتوبر 1973 حين قامت البحرية المصرية بالتعاون مع اليمن بإغلاق مضيق باب المندب ، إضافة الى محاولة عقاب مصر لاعتراضها على المشروع ” الأردنى ـ الاسرائيلى ” لشق قناة جديدة بديلة عن قناة السويس ، أو على الأقل ضغوطها السياسية لمنع أو تأجيل تنفيذه ، والأجدر بالملاحظة .. عدم الإعلان عن اختطاف أى سفينة إسرائيلية أو متجهة الى ميناء ” ايلات ” حتى هذه اللحظة ! ناهيكم عن بديهية أن أى ضعف ينتاب مصر فإنما يصب لصالح الإسرائيليين بالضرورة .

ـ ما سبق وغيره الكثير ، يجعلنا نستنتج ، فى عجالة ، أن عمليات القرصنة هذه ليست إلا واحدة من ” باقة زهور أسلحة السلام ” الإسرائيلية المشهرة فى وجه مصر ، والتى تشمل فيما تشمل العبث فى مياه النيل ، والتهديد بضرب السد العالى بين حين وآخر ، واثارة الفتن الداخلية ، واستقطاب بعض الفئات السياسية المصرية مختلفة الأطياف تحت اغراء الحصول على التأييد والدعم الأمريكى السياسى والمالى أيضا ، والسيطرة على الاقتصاد المصرى الى حد كبير سواء ” بالكويز ” أو بحرص اليهود ، متوارين أو معلنين ، على شراء مصانع القطاع العام الاستراتيجية على سبيل المثال ، اضافة الى الأخطر أو ما ذكرته فى مقال سابق بعنوان ( السد العالى وملابسه الداخلية ) على لسان رئيس اتحاد عمال أسوان عن وجود خبراء إسرائيليين يحملون الجنسية الأمريكية كغطاء ويعملون في صيانة محطات الكهرباء والمعدات الثقيلة بالسد العالي ولم يكذب ذلك أحد ! ، هذا بخلاف بقية الأسلحة من قلاقل السودان ، والصراع مع أو بين الفلسطينيين ، وباختصار كل ما من شأنه الهاء مصر واغراقها فى بحيرة ليس لها قرار من المشاكل المصيرية والضغوط السياسية والاقتصادية التى يساهم بعض أبنائها بكل أسف فى صنعها واحكام خناقها للوصول الى أهدافه .

ـ اذا هى باقة منتقاة من ” ورود وزهور السلام ” يشهر الاسرائيليون بعضها فى وجه مصر للتهديد ، بينما هم يستخدمون بعضها الآخر بالفعل لتحقيق واحد أو أكثر من عدة أهداف :

1ـ إرغام مصر على الخروج ، والى الأبد ، من معادلة توازن القوى الإقليمية وتحجيم تأثيرها ودورها التاريخى فى محيطها العربى تحت وطأة هذه المشاكل ، والى الأبد أيضا .

2ـ واما ” قتلها ” وازالتها من على الخريطة ، ولا عجب فى ذلك ولا كلام من نوعية “ماتقدرش ” ، فالأمة تندثر اذا زالت مقومات حياتها المادية ، هكذا علمنا التاريخ وسيرة الأمم البائدة لا الدول وأنظمة الحكم ، ومصر التى نراها اليوم استمرت على قيد الحياة ألاف السنين بارادة الله تعالى ثم لبقاء مقومات الحياة ، باذنه ، على أرضها حتى اليوم ، ربما لأن أبنائها كانوا يستحقون هذا المن الالهى واجتهادهم للحفاظ عليه !!

3ـ واما لابتزازها على خلفية الخيارات السابقة واجبارها على توصيل مياه النيل اليهم يوما ما ! وبالتالى سيتغير الموقف ، ويتحول الإسرائيليون الى حماة أشداء لحصة مصر ” وحصتهم ” من مياهه ! الأمر الذى ترفضه كافة القوى الوطنية المصرية ، ولكنه مجرد رفض ” كلامى ” يلزمه مواقف فعالة على الأرض وآليات واضحة ومحددة ، ليس لاجبار نظم الحكم على عدم التفكير فى هذا الطرح ، ولكن لاعداد وتوفير سبل الحماية المطلوبة عمليا دون الاكتفاء بمجرد شعارات الرفض والاعتراض ، فالموقف أكبر وأخطر من ذلك ، والعاقبة قد لا تكون على جيلنا ولكنها بكل تأكيد ستكون على أدمغة الأجيال القادمة وليس على النظام المصرى أيا كان وقتها ، ولا يجب أن ننتظر اليوم ، القريب اذا استمر الحال على ما هو عليه ، الذى يفرض علينا أن نُحصَر بين خيارين كليهما مُرُّ .. إما الماء لإسرائيل واما الظمأ لمصر .. هبة النيل !.

ـ والحل ؟ أحد عناصر هذا الحل فى تصورى ، أن تسعى مصر ، رغم أنف الجميع ، لترتيب تواجد بحرى عسكرى مصرى دائم ، أو قوات عربية مشتركة من الدول المضارة التى لها موانئ فى المنطقة ، لحماية وتأمين مصالحها ومصالحهم فى هذا الممر الحيوى كما تفعل الدول الأخرى فى كل مكان على أرض الكوكب ، بدلا من ايكال هذه الحماية الى قوات أجنبية لها أهداف لا تخفى على أحد ، هذا من ناحية مواجهة عمليات القرصنة .

ـ ولعلى لا أشطح بتصورى عن حل أشمل وأوسع ، إذا ناديت ” بحتمية ” الترتيب مع ” الصومال وجزر القمر ” ، مبدئيا ، لوضع قواعد عسكرية مصرية على أرضهما لحماية مجرى النيل ، قبل أن تفعلها إسرائيل ، وستفعلها ونحن نشاهد ونتفرج بلا حول أو قوة ، ستفعلها كما فعلتها من قبل أمام عيوننا عندما تغلغلت داخل دول حوض النيل والدول القريبة منه ، سواء بقواعد عسكرية أو باختراق منظومة الحكم والجيش فى دول كإريتريا وكينيا وأوغندا والكونغو والنيجر وتنزانيا ورواندا وغانا وغيرها ، إضافة الى إثيوبيا التى يخرج منها 85% من مياه النيل والتى كان امبراطورها لا يعتلى عرش بلاده الا بموافقة ” كنيسة الاسكندرية ” بما يحمله ذلك من نفوذ قوى لمصر يصب لصالح حماية هذه ال 85% ، ستفعلها اسرائيل كما فعلت وصنعت من قبل علاقاتها المتميزة مع الجماعات العرقية المتمردة مثل الجيش الشعبي لتحرير السودان وبقية حركات التمرد فى دارفور أو فى الجنوب ، أو فى الصومال وغيرها .

ـ أقول ستفعلها اسرائيل ، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها ، الدولتان العربيتان المسلمتان ” الصومال وجزر القمر ” ، والانفتاح الصومالى الحالى على الأمريكيين ، والذى من البديهى أنه مشروط بانفتاح آخر على الاسرائيليين ولو سرا ، ونظرة واحدة سريعة على الخريطة لا تجعلنا فى حاجة الى مزيد من الشرح والتوضيح ، والاستماع الى الرئيس الصومالى وهو يطلب ، بحياء ، مبلغ 260 مليون دولار فقط يستطيع بها اعداد قوات تحفظ الأمن وتواجه القراصنة ، تجعلنا نتوقع ما سيحدث فى الأيام القليلة القادمة ان لم يكن قد حدث بالفعل أثناء قراءتكم لهذه السطور !

ـ وما يحدث على سواحل الصومال ليس الا بروفة لسيناريو مرعب بدأت شواهده فى الظهور بالفعل ، هو قرصنة ” النيل ” أو اقتناصه ان جاز التعبير ، وان لم تثبت مصر عمليا أن لها أذرعا طويلة عسكرية وديبلوماسية مؤلمة وقاصمة وقادرة على حماية مقومات وجودها الرئيسية وأمنها القومى فى أبعد نقاطه ، فالخطوة العملية القادمة على الأرض لا ريب ستكون ” النيل ” شريان حياتها ومقتلها بدون حروب ، النيل الذى تتجمع مياهه من عدة دول مختلفة الأعراق والأجناس والأديان ، يصعب ، وفقا للوضع الحالى ، التعامل معها عسكريا أو الانتقال اليها لوجستيا لحماية المصالح المصرية هناك إذا قررت هذه الدول ذات يوم عدم احترام الاتفاقيات التى تضمن حصة مصر من مياه النيل تحت تأثير الاغراءات الإسرائيلية الاقتصادية والعسكرية التى تقدمها للنظم الحاكمة أو للمتمردين عليها فى نفس الوقت !

ـ ضمير مستتر، يقول تعالى : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } الأنفال60

علاء الدين حمدى

a4hamdy@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s