أبعاد الفتنة الطائفية والسياسية في العراق .. د. وسام جواد

أبعاد الفتنة الطائفية والسياسية في العراق ..

د. وسام جواد

نجح الاحتلال في تخفيف الضغط الناجم عن اتساع حجم ضربات المقاومة الوطنية العراقية الباسلة لقواته الغازية والتقليل من خسائره البشرية والمادية بنشره لوباء الفتنة الطائفية وشراء الذمم في مجالس الغفوات وأهل العمامات بحفنة دولارات. واذا اتسمت الفتنة الطائفية,التي أوجدها الاحتلال ونشرها أعوانه بحدتها وقسوتها واعتمدت في دورها التخريبي على قلة الوعي الديني والتعصب الناجم عنه لدى الطبقات المتعوبة والمنكوبة, فإن الفتنة السياسية وإن أختلفت في الشكل, إلا أنها لم تقل عنها حدة وقسوة ولعبت دورا مُكملا للفتنة الطائفية في تحطيم المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, معتمدة في ذلك على الطبقات الأكثر تعلما والفِرَق اللاعبة في الساحة السياسية ومدربيها (القيادات),الذين تميز بعضهم بالخبرة والقدرة على المناورات, بينما قاد البعض فريقه الى الخسارة بسبب التعنت والتخبط والغباء السياسي .

لقد كشفت سنوات الاحتلال الأخيرة بعض ما لم يخطر ببال, وما بدل سيئة الأحوال, الى أسوء وأتعس حال, وجعل من ضروب المحال, واقعا يَعجبُ منه الخيال, ولا يحجبُ رؤيته غربال, حيث الدم العراقي سال, في حروب طائفية واقتتال, بين أخوة وأولاد عم وخال, في الجنوب والوسط والشمال, وحيث العمامة والسدارة والشروال, قبضت الدولار والتومان والريال, وراحت تهدد بدويلات وانفصال, وآثرت الولاء لجيش الاحتلال, فاستحقت إقامة نصب وتمثال, لتبصق عليه وتلعنه الأجيال .

خططت الإمبريالية والصهيونية للفنتة السياسية منذ أمد بعيد, في إطار مؤامرة استهدفت التفرقة والحيلولة دون تقارب وتفاهم الأحزاب الوطنية,التي انشغلت بتنافسها غير المسؤول, ممررة بذلك, تنفيذ المؤامرة القذرة على العراق وشعبه. وقد ظهرت معالم الفتنة السياسية بوضوح في تاريخ العراق المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين, حين سعت القوى المدعومة من قبل بعض الأنظمة العربية والقوى الخارجية الى تغيير المعادلة السياسية باسقاط النظام الوطني الذي فجر ثورة 14 تموز الخالدة في محاولة الإنقلاب العسكري الفاشلة,التي قادها الشواف ومحاولة إغتيال الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم عام 1959, مما أدى الى توتر الأجواء بين سيد الساحة السياسية آنذاك ( الحزب الشيوعي ) وبين حزب البعث وبعض القوى القومية,التي لم تتوقف عن التآمر لقلب النظام الى أن حققت غايتها في انقلاب 8 شباط 1963 .

ساعد بعض رجال الدين على تنفيذ الجرائم البشعة,التي ارتُكِبَت ضد كوادر وأنصار الحزب الشيوعي باصدارهم فتوى الشيوعية كفر وإلحاد سيئة الصيت وصبوا ما لديهم من زيت على نار الخلافات المُستعرة ليكونوا الشريك المباشر في الجريمة,التي نفذتها ماكنة الحقد الأعمى والخاطفة لحياة نخب وطنية, قل مثيلها في الرجولة والاستعداد للتضحية من أجل قضايانا الوطنية وثوابتها .

لقد وقعت الفتنة السياسية دون ان يتمكن أحد من وقفها, نظرا للاندفاع المتهور والتقيد الصارم بتعاليم القيادات السياسية,التي حظيت بدعم وتأييد المعممين والمشبوهين من رجال الدين, تماما كما حصل أثناء الاندفاع الأحمق لمنفذي الفتنة الطائفية البغيضة,التي تسببت في مأسي وويلات لا يتمناها أحد سوى أعداء العراق .

وعلى الرغم من التحسن النسبي في الأجواء, بُعيد تسلم حزب البعث لمقاليد السلطة ثانية في 17 تموز 1968, وتوفر الظروف الملائمة لفتح صفحات جديدة في العلاقات بين الأحزاب, إلا انها عادت لتتلبد من جديد بسُحب الخلافات,التي تجمعت نتيجة لسياسة التفرد والتحجيم إن لم يكن الألغاء لباقي القوى الوطنية, حيث حظر على الحزب الشيوعي ممارسة النشاط في الجيش والشرطة, وتوسع الحظر بعد ذلك, ليشمل النقابات والقطاعات الجماهيرية الهامة . وبإعدام عدد من كوادر الحزب الشيوعي تأزمت العلاقة وتسببت في القطيعة بين الحزبين المتحالفين, واتخذ العديد من الشيوعيين وأنصارهم قرار الهجرة الى الخارج .

حقق حزب البعث طموحاته في البقاء وحيدا في الساحة السياسية بتخلصه من غريمه العتيد والقوي شعبيا ( الحزب الشيوعي ) لكنه لم يحسب للقوى الدينية والمشايخ الكردية,التي ظن أنه أمن جانبها وكسب ودها, بينما كانت في الواقع وكعادتها, تتحين الفرص للتآمر, وفقا لمخططات وأملاءات قوى خارجية كما تبين لاحقا .

الخلاصة :

  • لم تتمكن الفتنة الطائفية من اختراق المجتمع العراقي لولا الثغرات,التي فتحتها الفتنة السياسية . ولولا العوامل الخارجية,التي أمنت الولاء السياسي والديني لبعض القيادات المنحرفة, لما أمكن فتح هذه الثغرات وتوسيعها لدخول القوى الأجنبية بمساعدة الأدلاء والخونة والعملاء .
  • كان على حزب البعث أن يستفيد من تجارب السقوط المتتالية للاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي,التي قادتها أنظمة الحزب القائد“, خصوصا بعد دخول القوات العراقية الى الكويت وانتهاز الولايات الصهيونية المتحدة الفرصة لشن العدوان على العراق, إلا أنه لم يظهر المرونة اللازمة, بل لجأ الى السياسات الصارمة, وإصدار الاحكام الظالمة ضد من طالب بتغيير النهج الخاطئ في علاقته مع القوى معظم الوطنية, وظل التعنت والرهان الواهم على القدرة الذاتية الطريق الذي اختطه حزب البعث حتى حلول الكارثة .
  • لعبت الفتنة السياسية دورا لا يقل قذارة عن دور الفتنة الطائفية في القتل والتعذيب والتهجير. وما لم يتخلص الشعب العراقي من القيادات السياسية والدينية المشبوهة فإنه لن يتخلص من رجس الاحتلال. وقبل أن ننتقد ونتهم ونشتم البعيدين عنا, يتوجب علينا معالجة أمر القريبين منا .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s