سوريا و’نفسية’ الأمة: قضاءٌ عادل، أم قضاءٌ وقدر؟ \\ بقلم: علي الصراف

سوريا و’نفسية’ الأمة: قضاءٌ عادل، أم قضاءٌ وقدر؟

بقلم: علي الصراف

ما لم يكن القضاء، مثل قضاء الله وقدره، بلا حد ولا حساب، فان أحكامه يجب أن تكون بيّنة ومحددة سلفا وتم ارساؤها على قاعدة لتقدير حجم الضرر ومعادلته في الجزاء

الأحكام المألوفة للقتل العمد، على سبيل المثال، تتراوح بين الإعدام والمؤبد. لماذا؟ لأن المعيار هو: حياة مقابل حياة. وفي الغرب فان الحكم بالسجن “مدى الحياة” يعني 25 عاما، على اعتبار أن هذا العدد من السنوات يساوي عمرا بكامله، يخرج بعده السجين شخصا آخر.

وكذلك الحال مع أحكام من قبيل السرقة والفساد والرشوة وغيرها من الجرائم، فالقاعدة في الحكم لا بد وأن تأخذ حجم الضرر في الاعتبار. فاللص الذي يسرق رغيف خبز، مثلا، ليس كمثل اللص الذي يسرق مليون دولار.

الطبيب السوري وليد البني لم يكن شخصا معروفا على نطاق واسع قبل إلقاء القبض عليه ومحاكمته كمعارض.

نعم، فهو ربما كان ناشطا كغيره من الناشطين السياسيين، إلا انه لم يكن معروفا، على نطاق الأمة وكأنه نيلسون مانديلا. وفي حدود ضيقة للغاية، فهو كان واحدا من الذين أغرتهم فكرة الديمقراطية والإصلاح التي طرحتها سلطة الرئيس بشار الأسد، فظنوا أنهم يستطيعون التحرك لتقديم أفكار وبدائل، إلا أنهم بدوا وكأنهم وقعوا في الفخ (وهذا مما لا يُجيز أن يحاكموا عليه). فإتاحة الفرصة للكلام ظهر أنها لا تتيح الفرصة للكلام، أو في الأقل، ليس لكل كلام.

قيم القانون لا تجيز للشرطي أن يوفر مستلزمات ارتكاب الجريمة، ثم يحاكم متهما لأنه فعلها.

وعلى النحو نفسه، فان قيم القانون لا تجيز للسلطة الزعم أنها تريد أن تمارس الانفتاح والإصلاح والديمقراطية، ثم تحاكم أناسا لأنهم صدقوها.

هذا خداع. وهو غير مقبول، ويجب أن تُحاكم عليه السلطة نفسها.

مع ذلك، فقد لا تكون مفيدةً المجادلةُ في حق السلطة، أي سلطة، في تقدير حدود الديمقراطية التي تسمح بها، أو المخاطر التي تواجهها، أو طريقة تفسيرها للكلام، بما فيها هذا الكلام نفسه.

ولكن. السيد وليد البني يُحاكم بتهمة تبدو غامضة بعض الشيء، وقابلة للجدل، وهي: “نقل أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة”.

غموض التهمة يجعلها مفتوحة لكل شيء. وبناء عليها، فأنا اقترح الحكم على المتهم بالإعدام رميا بالرصاص. وبعد أن يخر صريعا يتم تعليق جثمانه مشنوقا في ساحة عامة، وان يظل هناك حتى تجف جثته، أو حتى تأكلها الغربان.

هذا الحكم يبدو عادلا تماما لشخص أوهن نفسية الأمة. بمعنى انه لو كان لدينا أمة شديدة العزم، وعلى قَدْ التحديات التي تواجهها، وتخوض معارك بطولية على مختلف الجبهات، وتحقق انتصارات تلو الإنتصارات، ثم يأتي شخص يوهن نفسيتها، فهذه جريمة لا بد وان تكون من أسوأ الجرائم في التاريخ. والإعدام قليل بحق من يرتكبها.

أما إذا كانت الأمة إياها على وهن أصلا، ونفسيتها تعاني من الكآبة والإحباط، لكثرة الهزائم والإنكسارات، فان الأمر لا بد وأن يكون مختلفا.

فالرجل ربما كان هو نفسه مصاب بالوهن، بسبب هزائم الأمة وانكساراتها، حتى ليجوز للعدالة، بدلا من أن تحاكمه، أن تحاكم الأمة نفسها على إصابة فرد من أفرادها بهذا المستوى من الكآبة والانكسار.

ومع ذلك فلا بد من حساب.

أولا، من الضروري تحديد من هي الأمة المعنية. أهي الأمة العربية برمتها؟ أم الأمة السورية؟ أم الأمة الألمانية ربما.

بعد تحديد الأمة، لا بد للقضاء العادل أن يحدد مقدار الضرر، لكي يحدد على ضوئه مقدار الجزاء. وتحديد الضرر أمر شديد الأهمية لتحقيق العدالة، لأن التخمين لا يليق بها.

منذ أن كتب شكسبير مسرحية “تاجر البندقية” حتى الآن، يعرف القضاء انه إذا كان عليه أن يأخذ رطلا من لحم الجاني، فان العدالة لن تسمح بأكثر منه. أما إذا وجدت العدالة نفسها عاجزة عن بلوغ الدقة الكافية في اقتطاع الرطل، فإنها لن تعاقب الجاني، لعجزها هي على إحقاق الحق.

يحتاج الأمر من القضاء الذي يحاكم السيد البني أن يثبت لجمهوره انه قضاء عادل. وانه لا يبطش بالناس خبط عشواء. وانه سيأخذ من الجاني من أرطال اللحم ما يوازي، بالضبط، حجم الضرر الذي أوقعه. لا أكثر ولا أقل. فإن عجز، سقط الجزاء.

وثانيا، فالقول انه نقل “أخبارا كاذبة” يتطلب أن نعرف كم هو عدد الذين صدقوها أصلا. فالرجل لم يكن يملك، على ما نعرف، لا إذاعة ولا تلفزيونا ولا صحيفة ولا قناة فضائية ولا قمرا صناعيا ينقل أكاذيبه. وفي المقابل فان السلطة التي تحاكمه تملك من الوسائل لنشر “الأخبار الصادقة” مقدارا يكاد لا يقاس بما يمكن أن يفعله “كذّاب” واحد.

ثم أن أمة لديها كل هذه الوسائل لنشر “الأخبار الصادقة” كيف يمكن لشخص واحد أن يوهن نفسيتها بأكاذيبه؟ وإذا حدث الوهن فعلا، فالسؤال الجدير بالاعتبار هنا هو: أي أمة هذه؟ أو أي وسائل لنشر “الأخبار الصادقة” تلك التي يمكن لرجل واحد أن يوقف سيلها الجرار الذي لا ينقطع ليلا ولا نهارا.

وثالثا، من المفيد للقضاء العادل أن يقول لجمهوره: هل الوهن تحقق بالفعل، أم انه “شروع بالوهن”؟ وهل الوهن كان بسبب هذا الرجل بالذات؟ أم أن هناك أسبابا أخرى للوهن، لا علاقة له بها؟

لو كان الوهن قد وقع فعلا، فان الذي يجب أن يحاكم هو الأمة لا السيد البني. لأنها من التفاهة بحيث يمكن لرجل واحد أن يوهنها. كما يجب أن تحاكم وسائل نشر “الأخبار الصادقة” على فشلها المروع. فهي تنفق مليارات الدولارات، وتؤجر جيشا جرارا من الأقلام والأعلام فإذا بها، مثل سد منخور، تنهار دفعة واحدة تاركة لرجل واحد أن يوهن نفسية أمة كان يجب أن تقوي عزائمها.

احد أول شروط العدالة هو أن تظهر أمام الناس كعدالة. بمعنى أن تكون رزينة وموضوعية وهادئة وقادرة بالفعل على أن تحسب كل أبعاد الضرر، وان تكون منصفة ليس حيال المجتمع والنظام الذي تحكم بإسمه، وإنما منصفة حيال المتهم نفسه أيضا.

وبالأحرى فان الإنصاف تجاه المتهم أهم بالنسبة للعدالة من الإنصاف تجاه المجتمع والدولة والنظام. لسبب بسيط هو أن الفرد فرد، والمجتمع مجتمع، وفارق القدرة والأهلية على حماية الذات بينهما كبير للغاية. والمألوف في القضاء العادل انه من الأرحم أن يُخطئ في حق المجتمع والدولة والنظام من أن يخطئ في حق فرد. من الأرحم لتوازن واستقرار المجتمع نفسه أن يُطلق سراح سفاح لم تتوفر عناصر كافية لإدانته، من أن يُسجن رجل بريء. الأمر في الحالة الأولى خطأ. أما الثاني فجريمة بحق إنسان.

الآن، فكيف إذا تبين أن السيد البني يُحاكم بتهمة تقول انه، بينما كان في السجن، قال لأحد زملائه السجناء (لص سيارات) “بان إيران تمارس نفوذها على سوريا وان سوريا ساهمت في حدوث الأزمة السياسية بلبنان”. أي انه نقل “أخبارا كاذبة” لشخص واحد، وأوهن بالتالي نفوس لصوص السيارات!

هل هذا معقول؟ هل سبق لجزر الواق واق أن حاكمت أحدا على هذا الأساس؟

وأي مصيبة هذه التي حتى إذا أراد المرء فيها أن ينشر “أخبارا كاذبة” فانه يجد نفسه في السجن سلفا؟

وماذا لو كان ذلك القول يقال في أكثر من مكان؟ فإذا عجزت عن إحقاق الحق مع كل الآخرين، فبأي حق تكتفي بتجريم هذا الشخص وحده؟

سوريا أعقل وأكبر من أن تقبل اتهامات عديمة المنطق كهذه. ونظامها أقوى وأذكى من أن يقع في فخ مثير للإحباط وجالب للوهن كهذا.

أما السيد البني فيجب أن يذهب لينام بين أفراد أسرته فورا ومن دون إبطاء. ثم دعونا نرى بكم من الوهن سنصاب.

وليكن الأمر بعفو رئاسي يلغي كل الإجراءات ضد هذا الرجل جملة وتفصيلا؛ هو وكل الذين يواجهون اتهامات سفسطائية مماثلة.

يرفع النظام السوري قيمته أمام الأمة كلها لو انه تعالى على محاكمات كهذه. ويجدر به أن يظهر أقوى وأكثر ثقة بالنفس من أن يخشى أفرادا محدودي الأثر.

ثم، بصراحة، لا بارك الله في أمة تُوهن نفسيتها “أخبارٌ كاذبة”

alialsarraf@hotmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s