أهلُ الخير حين يصبحون أهلَ الخير\\ جلال القصّاب

أهلُ الخير حين يصبحون أهلَ الخير
جلال القصّاب

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
jalal.alqassab@gmail.com

شوهِد على حائط مقبرةٍ هذه العبارة: (ليس بمستطاعك أن تأخذ مالك معك، لكن بستطاعك جعله يسبقك إلى هناك)..
المال غالباً ما يبلّد أحاسيسنا الإنسانية لدرجة جعْلنا تُعساء نتوجّس مَن حولنا ونظنّهم متملّقين ولصوصاً وطامعين بثرواتنا، الانشغال بجمعه وتعديده مجلبةٌ لجفوة ضميرنا، وخُزّانُه دون إنفاق يصنعون البؤس والتعاسة لأنفسهم ولمحيطهم، تصديقاً لمقالة نبيّنا(ص): (بئس عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الدينار).
لو وهب الغنيُّ أخاه الفقيرَ فاضلَ أكلاته التي تُعجِّل بطنته وأسقامه.. لانصلح حالُ الاثنيْن، (يسألونك ماذا يُنفقون، قل: العفو) يعني الزيادة، ولقد اهتمّت الأديان وهي تُؤسّس للفضيلة بردم هذا الخلل الاجتماعي، لدرجة قال عليّ(ع) (لو تمثّل لي الفقرُ رجلاً لقتلته) يريد “القضاء على الفقر”.

سمعنا مؤخّراً نيّة الرئيس الكوري الجنوبي التبرّع بثر وته المقدّرة بـ 30 مليون دولار لفقراء بلاده، عبر مؤسّسات خيرية مخصّصة، وكان قبلها تبرع بكامل مرتّبه للأطفال المعوزين.
يُسمّيهم تراثنا الديني والشعبي “أهل الخير” نظراً لما لديهم، و”أهل الخير” بحسب ما أنفقوا، تصوّر رؤساءنا وأثرياءنا وهم بالمئات، وبعضهم تفوق ثروته 20 مليار دولار! وخسارته في الانهيار العالمي الأخير بالمليارات، تصوّرهم تبرّعوا لشعوبهم كالرئيس الكوريّ بكامل ثروتهم!.. قلْ بنصفها.. بخُمسها، أليس كنّا خلقنا “جنّة السلام” هنا، فلا صراع على لقمة وأرض، ولا مرض وحسد، ولا قلاقل واضطرابات؟!
تصوّرهم خفّفوا نهمهم للاستحواذ وحوّلوا بعض أملاكهم -وما قبضته أيديهم عشوائيا- للمال العام ولمشاريع تنموية وخيريّة تعود على المواطنين بالرفاه.. ما أروعَها صورة!

قالت الزهراء: (وجعل..الزكاة تزكيةً للنفّس ونماء في الرزق).. زكاة أموال الأغنياء كانت فرضًا لحفظ نظام التكافل والعدالة الاجتماعية، لئلا يتألّب المعدمون والمهمّشون والعاطلون والصيّادون وفاقدو الحياة الكريمة.. والمسكن.. ولقطعة أرضٍ لمرفأ سفنهم.. ولقطعةِ بحرٍ لمصائد عيشهم، كان فرضًا إلهيّا منصوصًا، يُطهّر أموالهم ويحفظ أ مانهم، بحيث عُدّ ترك هذه الفريضة تقويضا لنظام الأمان المجتمعي وارتدادًا، كما في بعض “حروب الردّة”: (والله لو منعوا عقالا كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه)..

لو أطلقنا حملةً وطنيةً (مؤسّسية شفّافة) كحملات “روبن هود” لكن طواعية، لجمع وإدارة تبرّع المالكين بخمس الأراضي والسواحل والمزارع والأموال، لبرنامج “قتل الفقر”، وأسهمت الشركاتُ الوافدة بخمس أرباحها لمشاريع التنمية، فهل سيضجّ المواطن لاعناً السبب في حرمانه، هل سيتحيّن الفرصة للانقضاض على أيّ ملك خاصّ أو تخريب ملكٍ عام؟!
لقد نسي الأثرياء والمترفون أنهم عضوٌ في جسم الوطن، سيؤلمهم ما يُؤلمه، فإنْ سقط صريعا جرّاء جشعهم أو لفوضى المعدمين فسيسقطون معه، وسيخسرون إذّاك كلّ ممالكهم وأمانهم الزائف، أما كان حريّاً أن يشتروا الأمان والاحترام والنماء.. “بلقيماتٍ يُقمن صُلْبَه”؟!

لقد قام صرحُ الإسلام على هكذا إسهامات، قام على مال خديجة، ثم تبرّعات أبي بكر وعثمان وأمثالهم من “أهل الخير”، بل خرج مَن يُقاسم الله أمواله مرّتين وثلاثا، وتبرّع الأنصار بنصف ممتلكاتهم لإخوتهم المهاجرين.
إنّ علاقة أغنياء وطننا بفق رائه أشبه بعلاقة أنصار واجدين بمهاجرين فاقدين، فلاستتباب نهضة وطننا وكبح الفقر والغلاء والأسعار وتآكل الطبقات الوسطى والمدّخرات.. علينا واجب القيام بهذه الانعطافة العطوفة، فليس الرئيس الكوري أولى بترجمة تعاليم الإسلام منّا، ولم تطرق مسامعَه قصص التضحيات دوننا، وليس يعشق شعبه وأهله ويحرص على أمان وطنه بأشدّ منا، وليس يؤمن بالآخرة وبما أعدّ الله للمحسنين دوننا، ليس فوقنا إنسانيةً وتديّنا ووطنيّةً ورحمة ورزانةً… أليس كذلك؟!

المشاركة ضمانةُ استدامة، والاستئثار ضمانةُ زوال الأمن والأمان، حتى إبليس استدام بسبب مشاركةٍ تطوعية بشرية: (وشاركهم في الأموال والأولاد)، بل في الآثار الدينية الرمزية أنه يُشارك غداء مَنْ لا يُسمّي بالله، حتى يُحكى بطرفة أنّ فقيراً (نسي الله كحال بعض الأثرياء القساة) غذاؤه الفول يوميًا لسنين، ممّا جعل إبليس يخرج من طوره ضاجّاً من كثرة الفول، قائلا له: يا أخي إمّا تبدّل الوجبة أو تبسمل!!
لقد نادت تونس باقتطاع دولار على كلّ برميل نفط يُنتج، لدعم الصندوق العالمي للتضامن، وهي دعوة نبيلة، فالفقر ينتشر كنار الهشيم، حتى أنّه طال ثلاثة أرباع الشعب البحري ني، بحسب العوائل التي استحقّت علاوة الغلاء.
ما جدوى أن تكون عوائد البلاد وثرواتها وممتلكاتها بأيدي نخبة، والشريحة الغالبة تشتكي الحرمان وتترقّب انهيار مستقبلها؟!
إنّ الحياة الكريمة حقّ إنساني وليس هبة المحسنين، وقسَماً لو تبرّع كلّ فاحش الثراء ببلدنا بخمس ثروته لا إحساناً بل كواجب ديني وإنساني ووطني، وأدير المال المتراكم بإدارة وطنية صالحة، ستنتهي مشاكل الفقر والأزمات، سيسود الأمن وتتجذّر الوطنية والولاء، وسيغدو الأثرياء أكثر سعادة واحتراماً وأقلّ قلقاً، وستغمرهم الفقراء بدعوات طول العمر ودوام النعمة، بدل دعواتهم بالسلب!

خطوة، يظنّ البعض خياليتها ووعورة تنفيذها، لكنّ الدين بمآثر ومناقب روّاده وبتوصياته، علّمنا أنّه لابدّ من فئة مقتحمة تبصّر الباقين أنّ إسداء الخير حسنُ العواقب، إنّه الخطوة العملية الأكثر واقعية من كلّ المشاريع، وستغدو واقعيّة جدّا لو بدأها عليةُ القوم ممثَّلاً في جلالةٍ أو سموٍّ أو سعادةٍ، تصوّر اصطباح الناس لتقرأ عنوانَ صُحف البحرين وليس كوريا: (جلالته أو سموّه يتبرّع بخمس ثروته وأملاكه لفقراء شعبه)، والله ستبكي الفقراء فرحاً، وستحمل القرى “أهل َ الخير” على أكتافها كعرسان، وسيُحرج جميعُ مَن دون “جلالته أو سموّه” ليحتذوا بالمثل، ستكون هبّةً إنسانيّة متسلسةً تُحسب في ميزان أعماله، لأنّها المشروع الإصلاحي الأكبر، بل مكرمة المكرمات، و”تأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s