هي فوضى!؟ … أم أنها حقاً فوضى\\هاني أبو الخير – الرياض

هي فوضى!؟ … أم أنها حقاً فوضى

يبدو أن فيلم يوسف شاهين “هي فوضى” ترك أثراً كبيراً على الشعب المصري الذي يعيش هذه الايام “فوضى” عارمة من جميع النواحي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأصبح الشارع المصري منتهى الفوضى ولا احد يعلم السبب او انهم يعلمون ولا يعقلون أم تنهم يعلمون ويعقلون ولكنهم مغيبون.
لست أخوض في المجتمع المصري من الناحية السياسية وإنما أحاول بعد مشاهدة الفيلم قراءة الواقع المصري ومدى تعارضه أو توافقه وتطبيقه على الشارع العام المصري. يوسف شاهين صاحب الأرض والعصفور و”الابن الضال”… والكثير الذي أمتعنا بمشاهدته كسينما عالمية في قالب مصري، لست بصدد التعرض لما أضافه من قيم فنيه لتاريخ السينما المصرية والعربية او لتقييم اعماله، لكن كأحد المشاهدين لأفلام شاهين الذي عودنا أن لا يمر مرور الكرام… احاول دائما ان اقف على الرسالة التي يريد ايصالها للمشاهدين، وربطها بما نعيشه، فالفن هو دائماً وصف لواقع المجتمع، ورسالته الحقيقة ليست الكشف عن هذا الواقع فقط بل محاولة علاج ما به من مشكلات، وكما نعلم فالإنسان سجين بيئته. وهذا ليس بغريب على صاحب الثلاثية – إسكندرية ليه، وحدوته مصرية، وإسكندرية كمان وكمان- التي تعرض فيها لجزء من السيرة الذاتية والمواجهة مع الذات، وهنا يدعونا ليس فقط لمواجهة الذات ومحاولة استخراجها والمصالحة معها بل كشف لنا من خلال مواجهة المجتمع الذي نعيشه ونمط الحياة التي سيطر عليها وأصبحت سمته “الفوضى” فانقلب منهج حياتنا وأصبحنا نعيش في فوضى لا تعم فقط شتى مجالات حياتنا بل امتدت إلى اساسيات مكوناتها ومناهجها بل وتشريعاتها أيضا. فلك ان تتخيل إلى أي مدى امتدت وانتشرت تلك الفوضى وكأنها فيروس من نوع جديد أصاب الجميع، وينبغي علينا ان نتصدى له ونكافحه ونستنفر كل القوى للقضاء عليه، لكنه لا يستجيب للعلاج لأنه مثل “الفيروس” الذي سرعان ما يطور من جيناته ومكوناته كي يحمي نفسه من الهلاك. انتشرت فوضى التعليم بتعدد أنواعه الحكومي والتجريبي… والتجريبي المميز وبعض المدارس الخاصة من ارتفاع مصاريف وتكدس الأعداد في الفصول إلى قلة خبرة البعض من القائمين عليها ليست الخبرة العلمية فقط بل امتدت للتربوية أيضاً، ما لم تكن الأخيرة معدومة وأصبح دورهم محصوراً في جذب أكبر قدر من التلاميذ للدروس الخصوصية حتى باتت تلك السمة هي الأساس في العملية التعليمية… ولكن ان ينتقل هذا الفيروس إلى الجامعات والمعاهد حتى أصبح من الطبيعي أن تجد إعلانات في الشوارع كافة لطلبة الكليات والمعاهد عن “كورسات” لأفضل الأساتذة في جميع المواد لجميع الطلبة في التخصصات كافة. فهل هـذا ما آل له حال التعليم الجامعي؟.
وفي الصحة… فحدث ولا حرج من تكدس المستشفيات الحكومية من اعداد لا بأس بها وخلوها أيضاً من الأدوية اللازمة للعلاج والإهمال المنتشر بها من نظافة وأشياء أخرى كثيرة أكياس دم ملوثة، سرقة أعضاء بشرية…إلى آخر المستجدات والاكتشافات، وإذا ما انتقلت إلى المستشفيات الخاصة التي لا يقدر عليها إلا القلة القليلة فتشعر أن رسالة الطب والرحمة قد تحولت إلى مشروع استثماري كبير من يملك رسم الدخول هو الذي من حقه أن ينال العلاج… فأين دور وزارة الصحة في الرقابة على المنشآت التابعة لها؟

أما عن الاقتصاد فالجميع يعلم ما وصل إليه الحال فالكل أصبح اقتصادي اً بالفطرة والكل له الحق في التحليل والتنظير وإبداء الرأي سواء في الخصخصة وبيع مقدرات الدولة الإستراتيجية من مصانع وبنوك وتحويل بعضها إلى مولات أو أبراج وتشريد من كان يعمل بها، هذا غير الفوضى الاستهلاكية التي أصبحت سمة الأغلبية من فئات الشعب بمختلف مستوياته من إسراف وبذخ في أشياء ليست أساسية ولا ضرورية، وعلى سبيل المثال لا الحصر فواتير المحمول والإنترنت والرسائل التي ترسل للقنوات الفضائية والكثير من الاستهلاك الاستفزازي حتى وصلنا إلى المعضلة الكبرى وهي الدعم هل يكون دعماً عينياً أم نقدياً ولست خبيراً اقتصادياً أو محللا حتى استطيع أن أفتي في هذا. ولا يفوتنا ما يحدث في الساحة الفضائية من بعض الفضائيات وما تقدمه من كليبات فاضحة ومسابقات تافهة وبرامج تخلو من أي محتوى او مضمون، فمن يملك ثمن القناة يستأجر ويبث ويذيع كل ما يريد وليس هناك رقيب ولا حسيب لا على المعروض أو المستقبل.

وكانت بعض تلك الفضائيات السبب في انتشار فوضى من نوع آخر امتدت إلى التشريع حتى أصبح هناك فوضى الفتاوى. وليس بالمستغرب ان نلمس تلك الفوضى في تعاملاتنا اليومية سواء كانت العامة منها أم الخاصة حتى داخل الأسرة الواحدة بل إنها بين الفرد وذاته. فهل الفوضى وفلسفتها هي ما رأته حكومة رجال الأعمال نهجاً تسير عليها وفلسفة يجب أن تتأصل في الشارع المصري لأنها تناسب مجتمعاتنا مؤسسات وشعباً… أم إنها لم يكن لها السبق في تلك الفلسفة وما هي إلا تراكمات حكومات وأحداث سابقة تراسخت في أذهاننا حتى وصلنا إلى ما نحن فيه الآن وإلى أي مدى سنصل بعد ذلك؟ لا يبقى لي إلا سؤال كنت أود ان اطرحه على مبدعنا صاحب “هي فوضى” ولكن القدر لم يمهله حتى يعلم بسؤالي واعرف منه الاجابة على تساؤلي هي فوضى أم إنها حقاً فوضى…؟

هاني أبو الخير – الرياض

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s