قراءة .. في ذكرى النكبة\\د / لطفي زغلول – نابلس

قراءة .. في ذكرى النكبة

د / لطفي زغلول – نابلس

كان الخامس عشر من أيار في العام 1948، ولا يزال هو التاريخ الرسمي الذي يحيي فيه الفلسطينيون في الوطن والشتات ذكرى نكبتهم التاريخية . صحيح أنه التاريخ الرسمي ، إلا أن جذور النكبة قد بدأت قبل هذا التاريخ . وتحديدا يوم بدأت الأطماع في الأرض الفلسطينية ، وأقيمت عليها أول مستوطنة في العام 1872 .

بداية لا بد من التذكير بأن النكبة الفلسطينية في العام 1948 هي التي افرزت القضية الفلسطينية . وحول هذين المسميين كان هناك على الدوام اختلاف في المنظورين العربي وغير العربي . فالمنظور الاسرائيلي وكل الجهات الدولية التي وقفت موقف المؤازر لاسرائيل ولا تزال ، امتنعت لحاجات في نفسها عن استخدام مصطلح النكبة ، وهي بذلك تدافع عن نفسها وتدفع عنها تهمة كونها سببا في نكبة الشعب الفلسطيني ، وتداعيات مأساته.

وفي ما يخص مصطلح القضية الفلسطينية فهو الآخر لم تستخدمه اسرائيل لانها لا تريد البتة ان تقف عند مصطلح فيه ذكر للفلسطينيين الذين انكرت وجودهم منذ البداية ، أو أن لهم قضية . إضافة إلى أن الفلسطينيين الذين قامت بتهجيرهم الصقت بهم مسمى اللاجئين العرب .

واما الذين ظلوا في أرضهم  ووطنهم الاصلي تحت حكمها فهم في منظورها أناس ليس لهم انتماء وطني ، فأطلقت عليهم “عرب اسرائيل” وهو مسمى يحمل في طياته بعدين الاول نفي الهوية الفلسطينية عنهم  ، والثاني التأكيد على انهم رعايا وليسوا مواطنين يتمتعون بمنظومة حقوق المواطنة بطبيعة الحال . وقد ارتأت اسرائيل مع الايام ان تطلق على القضية مسمى يبعد عنها شبح خطيئة مأساة اللاجئين الذين قامت بتهجيرهم  . فاسستخدمت مستغلة صراعها مع العرب مصطلح قضية الشرق الاوسط الناجمة عن الصراع العربي الاسرائيلي .

وقد حرصت اسرائيل على استخدام هذين المصطلحين بعد كل سلسلة الحروب التي خاضتها مع العرب الى ان كان اول صلح لها مع نظام عربي اطلقت عليه مسمى “معاهدة السلام” . ولم تعد قضية الشرق الاوسط ولا الصراع العربي الاسرائيلي . وفي اعقاب مؤتمر مدريد استخدم مصطلح العملية السلمية . ولعل اعجب ما في الامر ان هذه المصطلحات كانت في كثير من الاحيان تستخدم دون اية تحفظات على السنة الساسة العرب وفي وسائل اعلامهم دون التبصر في معانيها الحقيقية او مدلولاتها من حيث المنظور الاسرائيلي .

الا ان الشعب الفلسطيني لم يأبه بكل هذه التسميات والمسميات والمصطلحات وكان يعرف حقيقة مراميها . وظلت القضية بالنسبة له هي النكبة والمأساة والمنفى في الشتات ومنظومة الحقوق التي يصر عليها . وهي في نفس الوقت لم تحبطه وزادت وتيرة اصراره على النضال لاسترداد كافة حقوقه وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير .

وقد توج نضالاته هذه بانتفاضتين في العام 1987 ، وفي العام 2000 . ومرة اخرى ولغايات في نفس اسرائيل ومن يقف معها أطلقت مسمى اعمال العنف والارهاب على فعاليات انتفاضة الاقصى . فاسرائيل قد قامت بتأمين مساحة شاسعة من العمق العربي وتحييدها ، وبذلك استفردت بالشعب الفلسطيني بقصد حشره في زاوية حلبة الصراع وانزال الضربة القاضية فيه لتفرض عليه منظورها في الحل النهائي ، في ظل عجز وصمت  على الصعيدين العربي والاسلامي ولامبالاة دولية ومماطلة وخداع أميريكيين مقصودين .

فيما يخص الانظمة العربية فقد اخذت مساهمتها في القضية الفلسطينية تتقلص شيئا فشيئا . وبات  واضحا ان هذه الانظمة كانت واقعة تحت تأثير ضغطين الاول خارجي يتمثل في انقيادها شبه المطلق للسياسة الاميركية . واما الثاني فهو انسحابها التدريجي من الساحة القومية الى التقوقع الاقليمي والغرق في محلياتها .

وفي ذات السياق فان مؤتمرات القمة العربية التي عقدت على شرف القضية لم تعقد معظمها وبخاصة الاخيرة منها بمبادرة من هذه الانظمة بقدر ما هي عمليات التفاف هدفها امتصاص غضب الجماهير العربية وأقصى وتيرة من انفعال الشارع العربي . وليس أدل على هذا من القرارات الخجولة التي اصدرتها والتي اثبتت الأيام انها كانت بلا رصيد .

وحقيقة الامر ان الانظمة العربية في آخر قمة لها في الدوحة العاصمة القطرية في آذار 2009 قد رمت آخر سهم في جعبتها على ساحة القضية الفلسطينية . فبعض هذه الانظمة لم تعد تملك شيئا تقدمه للقضية وشعبها سوى ان تتحول من دور الشريك الحقيقي الملتزم بمواقف وثوابت ولاءات ومحرمات تنازل عنها ، وبذلك فقد أي وزن فاعل حقيقي له .

لكنها – ذرا للرماد في العيون – وايهاما لجماهيرها انها ما زالت على العهد ، رفعت شعار خيار السلام ، وانتقل بعضها الى دور الوسيط المحايد والذي يفتقر الى كثير من مقومات الوساطة بين الاسرائيليين والفلسطينيين ، او الغيور على تهدئة الاوضاع للرجوع الى مائدة العملية السلمية . واما البعض الآخر فاما انه مشارك وجداني واما انه مشاهد صامت . وهذا في اعتقادنا اقصى ما يمكن ان تحظى به القضية بعد الآن . وأما المبادرة العربية ، وخيار السلام العربي ، فقد رفضتهما حكومة اليمين المتشدد في اسرائيل ، ولم تحظيا بقبول لدى كل حكومات اسرائيل .

اما في ما يخص الجماهير العربية فان الواقع الاقتصادي السيء ، والأزمة المالية في غالبية الاقطار العربية . ان فضاءات المشهد السياسي الداخلي فيها ملبدة بغيوم الكبت والقمع والتسلط وفرض الرأي ومحاربة الرأي الآخر وانعدام حريات التعبير ، مضافا اليها الهموم الداخلية لكل نظام وسيطرة النزعات الاقليمية ، ان كل هذا يلقي بظلاله القاتمة على هذه الجماهير ويحد من تحركاتها .

واذا كانت الايام الاولى للانتفاضة الفلسطينية الحالية قد شهدت تحركا جماهيريا عربيا واسعا من المحيط الى الخليج في انتفاضة وجدانية عربية موازية ، فان هذه الجماهير قد خيم عليها الصمت واصيبت بالسكتة الانفعالية ، ولم تعد اقسى المشاهد واعنفها من الساحة الفلسطينية تحرك مشاعر الكثيرين ، ويخشى والحال هذه ان تتحول القضية الفلسطينية – لا سمح الله – الى قضية  اجتماعية انسانية . وان ينتقل الاخوة  من رديف حقيقي الى مشفق متعاطف لا يملك الا بعض العون الانساني .

في الذكرى الحادية والستين للنكبة الفلسطينية ، ها هي المستوطنات الاسرائيلية تغزو الضفة الفلسطينية ، وها هي مصادرة الأراضي لم تتوقف في يوم من الأيام ، وها هو جدار الفصل قد أوشك على الانتهاء ، وها هي القدس تهدم بيوتها الفلسطينية ، وها هو التهويد قاب قوسين أو هو أدنى منها ، وها هو الأقصى المبارك يتعرض لهجمة شرسة من الطامعين به ، وها هي حكومات الاحتلال الاسرائيلة غير آبهة بكل القرارات الدولية ، وها هى الأنظمة العربية والاسلامية تغض نظرها عما يدور في الساحة الفلسطينية ، وها هم الفلسطينيون يعانون مرارة الاحتلال وقسوته وإذلاله . إنها صورة الواقع الفلسطيني رسمناها بكل صدق وأمانة .

وبعد واحد وستين عاما ، وفي الذكرى التاسعة للنكبة في القرن الحادي والعشرين ، فان المشهد الفلسطيني وليد هذه النكبة يستعيد هذه الايام مشاهد شتى من تاريخها الاسود الذي لم تطو صفحاته بعد . فما زال المقيمون في المخيمات يقيمون فيها في كل اقطار الشتات ، ولكن هذه المرة وفي بدايات القرن الحادي والعشرين تضاف اليها خيام جديدة ، الا انها فوق اطلال بيوت اصحابها ، الذين هدمت بيوتهم لأسباب إستيطانية ، والذين يرفضون الرحيل مصرين على الانزراع في أرض الوطن .

ان النكبة الفلسطينية لم تنته بعد فصولها . لقد ناضل شعبها وما زال امامه نضال طويل وتضحيات جسيمة . وهو هذه المرة – وان ذهب معظم الذين يحبهم وبقي في الميدان وحده – يسعى بكل ما اوتي من قوة ان تكون نضالاته الحالية هي الفصل الأخير في مسلسل نكبته الانسانية .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s