ما لم أقله لأحد بعد: الطريق إلى القدس؟ (فصل من رواية) طلال حمّــاد

ما لم أقله لأحد بعد:

الطريق إلى القدس؟

(فصل من رواية)

طلال حمّــاد

سأبدأ من النّهاية. سأبدأ من هنا. من هذه اللّحظة التي تعيد كلّ شيء، قبل أن ينتهي، إلى أوّل السطر، وإلى أوّل اللّغة، ومبدأ الكلام. هكذا قال، قبل أن يخلع نعليه، ويخفق بقدميه العاريتين، في الطّمي الذي خلّفه السيلُ وراءه. 
سأبدأ من النهاية. قال. وقد لا أنتهي. سأنزل الصخرة التي أحملها على صدري منذ ولادتي الأولى، في منزل قدُسيّ، لم يعد الآن منزلي، بعدما احتلّه غرباء، ووضعوا حارسين مسلّحين على بابه. وسأبصق كلّ هذا الماء الذي أبقيته في فمي طويلاً، حتّى كدت أختنق به، أكثر من مرّة، وما عاد لي عذر بعد الآن، أن أموت مختنقاً به. سأفعل، مثلما فعل ” بروموثيوس” يوماً:

” هذا لساني

وفي القدر كفاية

ويا أيّتها الرّوح المنهكة

فيضي مرّة واحدة

واستريحي”.
”        بروموثيوس” لم يكن مجنوناً، ولا أنا. لست مجنوناً، ولكن كلّ ما حولنا، يبعث على الجنون.
انهار جبل الجليد في القطب الشماليّ، وذاب الثلج، في مناطق عديدة من العالم، واجتاحت الأرض سيول فضلات نوويّة مشعّة.وكانت مصادر لم تشأ أن تكشف عن هويّتها، قد ذكرت بأنّ الألفيّة القادمة، ستدفع إلى سطح الكون، بفقاعات جديدة، لم يتوصّل العلماء والعرّافون بعد، إلى تحديد طبيعتها.

لكنّ الأبحاث غير المثبتة، تشير إلى احتمال تكوّن هذه الفقاعات، من غاز مثير لانفجارات، غير محدودة، في الغُدّة النخاميّة، من الرأس البشريّ، وذلك في مناطق من العالم، ليست مجهولة، لكنّها ظلّت إلى الآن، في معزل عن تفاعلات الحضارة المعلّبة في صفائح مصنوعة من الورق المقوّى، والمحقون بمصل يكشف عن النّوايا العدوانيّة، لدى الشخص الذي يلمسها، قبل انتهاء التاريخ المحدّد في قعر الصفيحة نفسها، والمموّهة بصورة لحوريّة وهي تخرج من أعماق البحر، أو لبرتقالة ميكانيكيّة، لم يرها الجميع في الفيلم السينمائيّ الشهير، الذي يمثّله مارلون براندو ببراعة فائقة، ويحمل عنوان ” التانغو الأخير في باريس”، والممنوع من العرض في كوكب زحل، في حال اكتشاف الحياة على سطحه.

أمّا مصادر الرصد الجويّ، فقد أعلنت، في فترات مختلفة، دون أن يعير المهتمّون بحماية الطبيعة ذلك بالاً، عن اكتظاظ التوقّعات المغطّاة بالسحب الكثيفة، والضباب، بحدوث عواصف رعديّة، مدمّرة، موجّهة بأجهزة الرادار، التي تحملها طائرات الشبح الأمريكيّة المتطوّرة، فوق مناطق هي أيضاً ظلّت مجهولة، حتّى أجل لم يُسمّ من قبل، في السياسة الخارجيّة للنّظام الدوليّ الجديد، ستدفع بمجلس الأمن الدوليّ، إلى عقد اجتماع عاجل، لتدارس الأخطار النّاجمة عن برامج محو الأمّية، في البلدان المتنازع عليها، في البرامج الاقتصاديّة لصندوق النّقد الدوليّ، وقد تطلب أمريكا، في هذا الاجتماع الاستثنائيّ، تنظيم حلقات دراسيّة مستخدمة للتمويه، علم الأمم المتّحدة، تعقبها ورشات عمل، متعدّدة المهارات، تحت إشراف حلف شمال الأطلسيّ الموسّع، بعد انضمام روسيا الاتّحاديّة بشكل خاص، إلى عضويّته، لتعميم الفائدة التي تنطوي عليها النّزاعات العرقيّة المسلّحة، بهدف نقلها إلى المناطق الهادئة من العالم، والتي لم تبحث بعد في أصل الأنواع البشريّة، التي تتشكّل منها، والتي تشير التقارير الاستخباراتيّة، إلى عدم نقائها، أو صفائها، وأنّها بحاجة إلى التكرير والغربلة، لمعرفة أصولها، وانحداراتها، والتي قد تعود إلى عصور ما قبل الحضارة والنّشوء، وهو ما لا يتلاءم مع أحاديّة النّظام الدوليّ الجديد، وأهدافه على المدى القريب، والبعيد.

وفي معلومات سابقة لأوانها، أنّ الاكتشافات الأثريّة في أعماق البحر الميّت، ستدلّ بشكل قاطع، على أنّ الجدّ الأوّل ـ ربّما ـ للبشريّة، لم تكن له نفس الملامح القاسية للإنسان المعاصر، على الرّغم من صراعه الشديد، والمرير، مع الطبيعة، لتطويعها، والاستفادة منها، لا لتدميرها، وأنّ اكتشافه للنّار كان هدفه إضاءة العالم المظلم، والغامض، في كثير من جوانبه، وما أن فعل، حتّى رأى ما روّعه، وأسكن القسوة في قلبه، فدحرت هذه القسوة بدورها المرأة من قلبه، فجعلها قرص سهامه الجارحة، وعندما اكتشف نقصه حيالها، كانت المأساة قد بدأت، فكيف يوقفها، وقد ضعفت حيلته، فلم يتوان عن التفكير، والتأمّل، حتّى اكتشف الأسلحة، وما أن اكتشفها حتّى تحوّل إلى قاتل، وهكذا إلى أن تحوّلت المأساة، بدورها، على يديه، إلى ملهاة دامية؟
وفيما أنا جالس، على شرفة غرفة الفندق، في تلك العاصمة العربيّة التي تعتدّ بخضرتها، أقرأ في كتاب التحوّلات البشريّة، وأحتسي قهوة الصباح، مرّة( وأنا أشربها مرّة منذ غرقت في بحيرة الملح، بينما كنت أبحث في أريحا المعاصرة، عن سرّ احتراق الشمس في دمي، والنّاصريّ توفيق زيّاد، وليس عيسى ابن مريم، المدبّج بالنّور، كعلامة تدلّ الضّال والتائه والحائر على طريقه، يقول لي، لينقذني من غربتي، وسط الحشد من النّاس، الذي ملأ فضاء استراحة أريحا، انتظاراً لهبوط طائرة الهيلوكبتر المصريّة، التي تقلّ الكنعانيّ الأول، ياسر عرفات، عائداً أو قادماً من غزّة أوّلاً: جئت أهلاً، وحللت سهلاً، وهل يُكرم المرء في وطنه؟

ويمدّ لي يداً رحمانيّة،تنقذني بدورها من الغرق، لكنّني بعد حين خائن من الدّهر، وجدتني أهرب من دمه المسفوح على طريق عودتي، بين أريحا والقدس، إلى صدر أمّي، لأبكيه بكاء مرّاً، مرّاً مثل أيّامي اللاّحقة، فقد كان موته قتيلاً، قاسياً مثل غربتي، وأشدّ، فتكسّرت ماسّة روحي، وتشقّق قلبي، ونبتت في شقوقه شجرة، أوراقها مرّة، وثمارها مرّة، فصارت بالنتيجة قهوتي مرّةٌ. في الصباح مرّةٌ. وفي المساء مُرّةٌ. وكلّما فتحت نوافذ ذاكرتي، أطلّ منها على صورته، وسيرته، مُرّةٌ، مُرّةٌ، مُرّة)، إذ طرق الباب عليّ طارق. فقمت إلى الباب أفتحه، لكنّني لم أجد أحداً. فاستغربت، وقلت: هيّئ لي. وعدتُ إلى مكاني على الشرفة المطلّة على غابة من الحجارة التي تعلو في حلق الفضاء، عمارات، وبيوتاً، وسجوناً، ومصارفَ، ومصانع، ومقرّات لمنظّمات دوليّة، وأخرى مدوّلة، وغيرها سمّيت حكوميّة، وغير حكوميّة

( في غالبها هي صورة، مستنسخة، بالأسود والأبيض تارة، وتارة بالألوان العصريّة)، ونوادي، لرياضيّين، وشعراء، وفنّانين، ومدقّقين، ورقباء، وعسساً، حرساً أو مخبرين، وصيّادين، في البرّ، وفي البحر، وفي الماء العكر، وغوّاصين، في الوحل، وفي الطّين، وما أدراك ما الطّين.طينٌ. طينٌ. طينُ). وعُدْتُ إلى قهوتي المُرَّةِ، صارفاً النّظر عن الطارق المارق الخارق، فاصطدمتُ من جديد بغابة الحجارة والطين التي احتلّت مكان غابة شجر التين والزيتون وكروم العنب التي كانت قائمة قبل السنة التي غزا فيها النّازحون المدن، من القرى والريف البعيد الذي لم يعد يجد ما يأكله أو يزرعه أو يفلحه لعزوف المطر عن الهبوط في تلك الأصقاع ولارتفاع أسعار البذور التي فرضتها العولمة الجديدة على الدول الفقيرة، فلسعتني القهوة بطعمها المرّ، وإذ بالطرق يعود إلى مسامعي من جديد، فجريت وما جرى عليّ أحدٌ إلى الباب أفتحهُ لكنّي وكمن يعود من رحلة المليون صفر اليدين لم أجد ما أُمسكُ عليه يديّ، ولم أُدرك ما الذي يحدث لي، فارتبكتُ واضطربْتُ. فالأمر غريب، وممّا زاد في غرابته، أنّني لم أجد له تفسيراً يُقنعني، فتسرّب القلق إلى نفسي، كما يتسرّب الماء من تحت القدمين، رويداً، رويداً، ويشغلني.
نظرت إلى اليمين. نظرت إلى اليسار. كان الممرّ الواصل بين غرف الفندق، صامتاً واجماً، بلا حسّ ولا نسّ. فاستدرت على نفسي، لأغلق الباب، وأستند عليه بظهري، وقد بدأ الشكّ بسمعي يجتاحني. وتساءلت، وأنا متأكّد من سماعي للطرق على باب غرفتي بالذّات: إن لم يكن الطّارق إنساً، فمن ترى يكون، وماذا يكون؟ أيمكن أن يكون روحاً( وأرواح الأعزّة الذين فقدتهم كثيرة!)، أم شبح، أم ماذا يمكن أن يكون؟
لم أومن يوماً بذلك، ولم أصدّق بأنّه يمكن أن يحدث يوما ما. كان كثيرون من أهل القدس القديمة، مدينتي الأعزّ من بين جميع المدن، ربّما لأنّها أوّلاً وقبل كلّ شيء مسقط رأسي، وملعب طفولتي، ومدرستي، ومكان لقاء أوّل حبيباتي، يخشون عبور” قناطر خضير” ليلاً، المتفرّعة عن شارع الواد العظيم، والتي لا يبلغ طولها عشرة أمتار، تفضي في الغالب إلى طريق مضاءة بأنوار البيوت المحيطة، والتي تنفذ من الشبابيك العتيقة، لأنّهم كانوا يعتقدون بظهور الأشباح فيها، في ساعات المساء المظلمة، بما يسبّبه ذلك من رعب شديد للأحياء، إلاّ أنا، منذ قالت لي أمّي المؤمنة أوّل مرّة، ثمّ تراجعت عن قولها، لكثرة ما حنثت صديقاتها من النساء بصحّة ذلك: لا تخف. إنّها مجرّد تهيّؤات في الظلام. وقالت: مدّ يدك أمامك فقط، كي لا تصطدم بالجدران، وأغمض عينيك إذا شئت، وتابع سيرك كأنّك ترى أين تسير، فأنت تعرف المكان في النهار، وهو نفسه في الليل. أسرع فقط في خطوتك، ولا تتلكّأ أو تخاف، حتّى لو تعثّرت بحجر، أو بكومة تراب. وقالت: ضعيف القلب يا ولدي فقط، هو الذي يتخيّل ذلك، أو يفكّر فيه.
لم أر يوماً شبحاً في “قناطر خضير”. ولم أسمع روحاً تصدر صوتاً في مقابر باب الأسباط. ولو أنّني كنت أتحسّب من ذلك، لنفس السبب: كثرة ما يتحدّث به ضعاف القلوب في العادة. وكنت أعتبر مجرّد الحديث عمّا سمّي، ذات وقت، بتحضير الأرواح، نوعاً من الترهيب، والإخافة، بهدف بثّ الرّعب في النفوس، وإضعافها، لإخضاعها. فكيف أفكّر في ذلك الآن؟ وكيف أقبل بأن تراودني مثل تلك الشكوك، في احتمالها، أو مثل تلك الأفكار، السخيفة بلا أدنى شكّ؟ قلت السخيفة، وأثنيت على ذلك بالقول: والمريضة. ولذت بالصّمت.

غمرني الصّمت. أحسست به في داخلي. كنت أريد أن أفكّر في الأمر، بدون تأثيرات خارجيّة، لا أرضى بها، أو داخليّة، ضعفت من أثر الوضع النفسيّ الذي كنت عليه، في انتظار ما لم يأت بعد. ولمت نفسي على ما فعلت. ووجدتني أمشي دون قصد منّي، وأدخل غرفة الحمّام.

لم أدر لماذا دخلت غرفة الحمّام. لكنّني توقّفت أمام المرآة، وأخذت أنظر فيها إلى وجهي. فرأيت بأنّ وجهي لم يعد وجهي. خفت. بصمت. ونظرت إلى عينيّ، فلم أر فيهما غير الدّهشة، والرّعب. فهمت لماذا الدّهشة، ولكنّي لم أفهم لماذا الرّعب. وتساءلت: ألا يكفي ما أنا فيه؟ وحدّجت المرآة، بنظرة غاضبة، وقلت بصوت محتدّ، ولكن ليس مرتفعاً، كي لا يسمعني أحد، لا أريده أن يسمعني: انزعي الرّعب من عينيّ، فأنا لست جباناً، وليحدث ما يحدث.

وبحركة آليّة، امتدّت يدي إلى الصنبور. تابعتها بعينيّ. أدارته. لم أعترض. تدفّق الماء من الصنبور، هابطاً بقوّة في المغسلة. تأمّلته. أنصتّ إلى صوت تدفّقه. كان الصوت قويّاً، وهو ينهمر، على رخام المغسلة. تحوّل وجهي في المرآة إلى علامة سؤال. ما الّذي يحدث، وكيف؟ حدّثني متحدّث من داخلي، قال لي: تطلّع إلى المرآة. تطلّعت إلى المرآة، فرأيت السؤال مكتوباً عليها. بحثت عن المتحدّث من داخلي، كي أسأله: ما الّذي يحدث، وكيف؟ لكنّني وجدتني وحيداً في مواجهة السؤال، وفي مواجهة المرآة التي فغرت فاها عن ضحكة مجلجلة، ساخرة، فردّتني إليّ. كدت أن أصفعني. كدت أن.. لكنّني لم أفعل شيئاً يؤلمني، فقد أحسست بأنّ رأسي قد تحوّلت إلى كرة من نار. وكانت عيناي مطفأتان. فقلت: كفى. وتساءلت: هل أغمضت عينيّ على ظلام؟ أم أنّني أرى ما لم أكن أتوقّعه في هذه اللّحظة؟ وما الذي أراه؟ ” قناطر خضير”؟

لا. هذا الظلام ليس ظلام قناطر خضير. إنّه ظلام مقبرة أعرفها، وأعرفه. وإلاّ، فكيف أعرف بأنّ هذا هو وجهك يا ابن أخي، وحبيبي، يا جهاد؟ لكن من ذاك الذي أراه وراءك في الظلام؟ ها هو يتقدّم. إنّه يقترب. ها أنذا أرى.. أعرف هذا الوجه. أنا أعرفه. أليس هذا هو وجه جمال؟ تركته صغيراً. ولكنّني أنا متأكّد من أنّه وجه جمال أخاك. يا مرحبا بأحبّتي. هل جئتما معاً كي تؤنسا وحدتي؟ ومن ذاك؟ ذاك الذي يمسك بك من يدك، ويهمس لك في أذنيك؟ ما الذي يهمس لك به؟ اقترب. اقتربوا. لا تخافوا. إنّه أنا. توقّف. توقّف أرجوك يا جهاد. هذا الرجل الشيخ.. إنّه أبي. أبي يا جهاد. أنظر. إنّه يحتضن جمال إليه. لم تقل لي. ذاك هو جمال؟ أليس كذلك؟ لم تخنّي ذاكرتي من قبل، ولن تخونني الآن. هذا جمال. وذاك أبي. فلماذا؟ لا بل كيف جئتم ثلاثتكم معاً؟ هه. هه. جمال يبتسم. هل يبتسم لي؟ هل عرفني؟ تركته صغيراً. أنت كنت.. كنت كأنّك ولدي. جمال يشير إليّ. لماذا يشير إليّ؟ جمال يقول شيئاً. إنّني أسمعه. هل حقّاً قال: هذا هو عمّي؟ نعم. أنا هو عمّك يا جمال. واشتعلت غابة الرّوح. جمال يسألني: أعدت يا عمّي؟ رأيتك في التلفزيون تتحدّث عن العودة. رفاقنا في أريحا قالوا أنّك مثلهم عائد. أهلي، أهلنا، أمّي، جدّتي، أبي، عمّي محمّد، عمّي حسن، عمّتيّ، خالاتي، أخويّ، أخواتي، والذين ولدوا في غيابك، ولكنّهم يعرفونك.. كلّهم، كلّنا في انتظارك. أنظر إليك كأبله. أنا أبله. جئت تنتظرني في أريحا، وعندما لم آتي، ذهبت لتقتل، أنت وهذا الجهاد الذي هو كأنّه ابني، على طريق القدس ـ الرملة. ما الذي ذهب بكما إلى طريق القدس ـ الرملة؟ ما الذي كنتما ستفعلانه في أبي غوش؟ لماذا لا تجيبني؟ وما هذا الذي يصرخ به جهاد؟ أيّة غابة هذه التي تحترق؟ إنّني أسمع جيّداً صراخه. إنّه يقول: ها هو هناك. وسط الغابة. و الشيخ أبي، جدّك يصرخ: الغابة نار مشتعلة. وأسمعك تصرخ: أين عمّي. وجدّك، أبي، يولول: لقد التهمته النّار. التهمته النّار. ها هو جهاد الذي هو كأنّه ابني يركض، وها أنت أيضاً تركض وراءه. وها هو أبي، جدّكما، ينادي عليكما: تعالا. عودا. ها هي روحه تصعد مع دخان النّار الصّاعد من الغابة التي تحترق. عودا. وأراه وهو يهوي على ركبتيه، وعيناه تبرقان. هل هو يبكي؟ أهذا هو بريق الدّمع في عينيه؟ لماذا يا أبتي؟ لماذا؟ وأبحث عنكما. لا أراكما. أين ذهبتما؟ أين ذهبتما؟ سأقتل خليل سعادة يوماً. سأقتله. ولن أكتفي. لا. لن أقتله. لم أقتل أحداً قبله، ولن أقتل أحداً بعده. هل سأقتل يحيى؟ وإن لم أقتله، فمن سأقتل إذن؟ القائمة طويلة. عليّ أن أختار. فمن سأختار أوّلاً؟ أوّلاً سأختار أن أحاسبني على ما فعلت، وعلى ما لم أفعل.

ورأيتني وأنا أركض في شوارع أعرفها كلّها. ها أنذا أنتقل من مكان إلى مكان. ولا مكان. تتقافز المدن بسرعة قصوى من تحت قدميّ. وتتدافع. تختلط الأصوات بلغات مختلفة، وتتداخل في أذنيّ. تتقاطع. فتنهال الوجوه التي أعرفها، وأخرى لا أعرفها، صوراً أمام عينيّ. أيّة لغة لم أسمعها؟ أيّ وجه لم أره؟ تتسارع المدن، هي الأخرى، صوراً أمام عينيّ. أصحنٌ طائرٌ، هذا الذي يدور أمام عينيّ؟ أم هي الدّنيا تدور بي، وتلقي بي عند قدميك يا أبي؟ أبتي. هل تسمعني يا أبتي؟ عهد عليّ يا أبتي، لن أخذلك. عهد عليّ. أو يضمّني التراب بقربك، في مقبرة، في القدس، أو لا مكان غيرها، على وجه البسيطة، حتّى لو كان جنّة عدن. عدن؟ عدن تدكّ الآن، باسم الوحدة القبليّة، والشرعيّة العشائريّة، وأتساءل: هل سيجرؤون على العبث برفات عبد الفتّاح إسماعيل، لسبب أو لأخر؟ إذن، ما دام الأمر كذلك في عدن، فلا بدّ من القدس، يا أبتي، وإن طال المسير.
ـ مكّة هي القبلة، لكنّ الرملة، هي الوطن.هذا ما لم تكفّ عن قوله لي، كلّما حدّثتك، عن ضرورة استعادتنا للقدس.

وكنت أسألك مناكفاً: وأين هي الرملة؟
ـ في القلب.

تقول، وتصرخ بي: ما لك ظلّ هناك.

ولكنّي أسألك غامزاً: في الرملة أم في أبي شوشة؟
فتنهرني: كفى يا ولد. أبو شوشة في قضاء الرملة، وقضاء الرملة يشمل أبا شوشة، مثلما هي اللّطرون لأمّك في قضاء عمواس.

وعندما أسألك: والقدس يا أبتي؟ أنا ولدت في القدس، ولا أعرف الرملة أو أبا شوشة أو اللطرون، وهي الآن بعيدة، هناك، خلف الحدود؟
تزفر أنفاسك الحبيسة. تتنهّد. تدمع عيناك. أحسّ بألم بين جوانحك. أحسّ بالألم في جوانحي. أحسّ بعطفك عليّ. أشعر بك تتفتّت. أتفتّت. أبي أرجوك قل لي ما بك؟
تمسح بيدك الرءوفة على رأسي، وتقول: القدس يا ولدي هي القلب. وعليك أن تعرف، بأنّ الذهاب إلى الرملة، يبدأ من هنا. من القدس. يأخذك القطار من محطّة “مأمن اللّه”، ويجري بك، إلى حيث تشاء، من هذه الفلسطين التي هي فلسطينك. إلى الرملة إن شئت.
وتصمت، فتصمت الأرض، وتنصت السماء، وأسمع صراخاً، مزلزلاً، في الشوارع المحيطة، وترتجّ الجدران.
ترى بأنّني كنت أنظر إليك، كما ينظر المرء إلى أيقونة في سقف كنيسة القيامة، أو إلى آية مكتوبة، في صحن قبّة الصخرة المقلوب، فتقول: أو.. إن استطعت.
لماذا يا أبتي؟ وأنت تعرف بأنّني ما زلت غضّاَ، طريّ العود. لماذا تحمّلني، ما لا أستطيع الآن، في هذه السنّ، أن أحمله؟

وهويت على يده أقبّلها. حسناً يا أبتي. لا بأس. سيشتدّ هذا العود. ستقوى هاتان اليدان. سأحمل جيّداً، رأسي على كتفيّ. وسـ .. لا. لا تمت يا أبتي. لا تمت. لكن.. ما دمت قد وهنت أمام الموت، وأسلمت الروح في القدس، فلن يضمّ رفاتك فيه، إلاّ تراب القدس. فنم هانئاً. نم.. ولتكن ليلتك الطويلة طيّبة. ولتغفر لي غيابي عن موتك. ولتغفر لي غيابي عن تقبيل يديك لآخر مرّة. ولتغفر لي، يا أبتي، أنّني يبلغني نبأ وفاتك، وأنا بعيد عن القدس، وأبعد من ذلك عن الرملة. أبتي. أبتي. هل تسمعني يا أبتي؟
وأحسّ بيد تمسك بي من كتفي. أتحسّس اليد. أمسك بها. أمسك عليها. لكم أنا بحاجة إلى يد تأخذ بي ممّا أنا فيه من ألم. تمسك تلك اليد بدورها بي. تنهضني. توقفني على قدميّ. وفي لحظة، مثل لمح البرق، ينقشع الظلام عن وجهك يا.. أبتي. فهل تراني؟ وجهك منير، ووجهي أظلم. أرني وجهك يا أبتي. أرني وجهك. لا تتركني، فأنا وحيد بدونك. فتطوّق اليد نفسها كتفي. أشعر بها حنونة مثل يد أبي. شفيقة. رءوفة. يد أشعر بها قويّة، ومتينة، على كتفي. يد لا ترتجف. أنا أرتجف.

الشمس مثل كرة من نار فوق رؤوسنا وأنا أرتجف. يد كانت هي يده، وهو يقول لي: أهلاً. أهلاً جئت، وسهلاً حللت. وصمت. تأمّلت وجهه. لم يكن وجه أبي. لكنّني عرفته. وكأنّه أبي، ركضت إلى صدره المفتوح لي، وبكيت عليه. أبا الأمين مرحبا. كم رائع أن أجدك. كم رائع أنّه أنت. أبي.
فرحت أنّه ضمّني إلى صدره. فرحت أنّه بدا فرحاً بي. لكنّهم جاءوا وأخذوه منّي. قال له أوّلهم: الرئيس يريدك أن تشهد قسم الحكومة. فقال لي وهم يبتعدون به عنّي: تعال معي. نعود معاً بعد الحفل إلى القدس. لكن الخاطفين أسرعوا بإلقائه داخل سيّارة تجري وسط الحشد الذي كان يجري فلم يعد يراني ولم اعد أراه. تلفّت من حولي.لا أحد يلتفت إليّ. كلّهم يجرون وراء سيّارة الرئيس الذي حملته سيّارة على سطحها ومضت به مبتعدة، ليمضي الخاطفون بأبي الأمين، ويتركونني وحدي، في استراحة أريحا المكتظّة بالناس. من دفعني في طريقه نحو الحافلة المعدّة سلفاً لنقل المغادرين إلى معبر الجسر.. دون أن يعلم بأنّه أغلق، دونما سابق إنذار، بأمر عسكريّ، لا سلطة للسيّد الرئيس، ولا لأحد غير الحاكم العسكريّ، سلطة عليه؟ سقطت عند باب الحافلة، مغشيّاً عليّ. وعندما صحوت، لا أعرف كيف، كنت أغرق في بحيرة الملح، فرحت أبحث في استراحة أريحا، عن موطئ قدميه، وأنا أصرخ:

” ألا أيّها الناصريّ لك المجد

ألا أيّها الناصريّ عليك السّلام

ألا أيّها الناصريّ

طبت مرقداً في صدر الجليل

وفي قرّة العين

آمين. آمين”
نهضت. تفرّق الحشد. صعدت عن غير وعي، وبشكل لا إراديّ، إلى الحافلة. صاح صوت: من ليس معه تصريح فلينزل، وإلاّ أعادنا الجنود، ومنعونا من عبور الجسر. صاحب الصوت نفسه لم يكن يعلم بأنّ المعبر، على جسر اللنبي، قد أغلق، ربّما خوفاً من أن يعلن الكنعانيّ الأوّل، في فلسطين الجديدة، تحريره من قبضتهم.
عادت بنا الحافلة إلى أريحا. سألني جاري في المقعد وأنا أهبط وراءه: هل كان لديك تصريح بالمغادرة؟ دفعته أمامي، ولم أجبه.
على الرصيف توقّفت. تدافع الآخرون إلى حقائبهم، ومضوا على عجل. اقتربت من حقائبي، ووقفت. وحدي بقيت على الرصيف حيث توقّفت بنا الحافلة. ما الذي كنت أفكّر فيه؟ هل كنت أفكّر بشيء؟ لا شيء. اقترب منّي رجل. عرفت بأنّه رجل من صوته، وهو يسألني: ألست أنت الأستاذ.. شرم برم برم شرم؟

تطلّعت إليه. كان يبتسم. من اللياقة كان عليّ أن أبتسم. ابتسمت. نطقت: هل تعرفني؟

نزع البيريه الحمراء(هل كانت حمراء، يسمّيها حسام، أبو بيسان، خمريّة؟) عن رأسه. لم يكن حليق الرأس كما كان حليق الذقن. هل كان بشارب، أم لم يكن؟ لا أذكر، ولا يهمّ الآن أن أذكر. لكنّني فهمت بأنّه شرطيّ في السلطة الجديدة. شرطيّ بلباس لا غير. ولأنّه كان قد ذكر اسمي بالكامل، فقد حاولت أن أتمعّن، في حرج، في وجهه، علّني أذكر من هو، فأعرفه، مثلما عرفني. وعندما لاحظ بأنّني لم أعرفه قال: معروف عنك، قوّة ذاكرتك بالأشياء، وبالنّاس، فكيف لم تعرفني بعد؟
أُسقِطَ في يدي. من المفروض إذن أن أعرفه. فمن هو؟ من هو؟
الحقّ أقول لكم، أنّني بعد هذه التجربة العسيرة، ما بين لقائي غير المتوقّع، بأبي الأمين، ثمّ اختطافه بهذه الطريقة، ودفعي بالقوّة، ورغماً عنّي، إلى الحافلة التي كانت معدّة أصلاً، لنقل المغادرين عبر معبر الجسر إلى خارج هذا المكان، ثمّ إعادتنا بالشكل الذي لم أصفه لكم، وأقلّ ما يُقال فيه، أنّه مُذلّ لكلّ صاحب كرامة، لم أكن في وضع يسمح لي بتذكّر الأشياء والوجوه التي اعتدتها، أو أعرفها. ولذلك لم أعرف من يكون هذا الشرطيّ في السلطة الجديدة. وتساءلت في صمت: كيف يعرفني؟ ومن أين؟ أردت التخفيف من وقع الأمر عليّ، فقلت لنفسي: رأى صورتي في صحيفة، أو في مجلّة، أو.. شبّه له. ورغم ذلك، ليس من اللائق أن أخذله. وطوبى له أنّه تحلّى بكلّ هذا الصبر، ليمنحني فرصة تذكّره. طوبى له، قلت. وقلت له: أعذرني. فقال، وهو يضحك: أنا أحمد عطا يا أستاذ. كيف لم تذكرني؟ لم أضحك. لم يكن لديّ شيء ممّا أصبح لديه، ولكنّني لم أضحك، ولو أنّ شرّ البليّة ما يضحك، لم أضحك، وقلت له: المعذرة. لم أعرفك. ولكنّي الآن أذكرك. توقّف عن الضحك. وقال: إذن تذكرني؟ أنا أحمد عطا يا أستاذ. لكم أنا سعيد أنّك تذكّرتني.

ولم ينتظر تعليقي على ما قاله، وإنّما أسرع في سؤالي: أعائد إن شاء اللّه يا أستاذ؟

نظرت إليه. ما ذنبه أنّني محبط وخائب؟ ما ذنبه أنّني أشعر بخيبة من كان ينتظر أمراً يرضيه، ولم يتحقّق له كما يريد؟ أحمد عطا. ذلك الفدائيّ، سابقاً. لم أكن فدائيّاً مثله. لم أجتز الحدود، ولم أفعل ما فعله. فقط التقيت به بعد خروجه، مع من خرجوا من بيروت. أين؟ هنا. هناك. في أيّ مكان بعيداً عن فلسطين، هذه التي يحبّها، وأنا أيضاً أحبّها. قلت: أعذرني يا أخي أحمد. لم أتوقّع أن ألقاك هنا، و.. هكذا(وأشرت إليه في ملابسه). ضمّني إليه. رمى بنفسه إليّ، وضمّني. بكى. هل بكى؟ أم أنّ شخصاً آخر هو الذي بكى؟ شدّ على يدي وأنا أودّعه، وقال: نراك على خير أستاذ. جذبته من يده. ولا أدري إن كنت قد آلمته أم لا، وأنا أقول له، رغم التفاف الحمّالين، وموظّفي شركة النقل بالحافلات، وربّما السائقين أيضاً: نادني باسمي ما دمت تعرفه، أرجوك، وليس بالأستاذ. هل فوجئ بما طلبته منه، أم أنّه لم يذكر اسمي، وهو ينظر إليّ، كمبهوت، عيناه محدّقتان بي، وفمه مفتوح، ويداه تتحرّكان، كيدي سبّاح في بحر هائج الأمواج، قبل أن يسألني، وقد فقد كلّ عذر لديه بمعرفتي: أنت الأستاذ أحمد يوسف، أنا لم أخطئ. أليس كذلك؟ ودار بنظره من حوله، باحثاً ربّما عمّن يمكن أن يسخر منه، أو يشمت به، إن كان قد أخطأ في اسمي. وما أن قلت له مطمئناً: أحمد يوسف يكفي. وأتبعت مشدّداً: بدون الأستاذ، يا أحمد يا عطا. وجذبته إليّ. قبّلته من وجنتيه. وربت على كتفيه: يعطيك العافية. وأضفت: ولكي أجيبك على سؤالك، أقول أنّني لم أعد بعد، وإنّما أنا زائر لظروف خاصّة جدّاً.

اغرورقت عيناه بالدّمع: أنا آسف، نسيت أن أعزّيك. ربت على كتفه من جديد: لا عليك. شكراً على احتفائك بي. قال، وهو يمسك بكفّيه على يدي: أنت إذن تذكرني يا أستاذ؟ درت بعينيّ على وجوه المحيطين بنا، قبل أن أشدّ على يده من جديد: وكيف لا يا… أردت أن أقول يا بطل، ولكنّي قلت، مبتسماً: يا أحمد، يا عطا ال..وكدت أن أكمل: المنسيّ بين فراشتين، ولكنّي قلت: المنذور لنافذتين. وشرحت: المنفى والوطن. لكنّه فاجئني بالقول، ومسحة من الحزن تغلّف وجهه: المخيّم المنفى، والغربة المنفى، والوطن المنفى أيضاً. وهزّ برأسه، وأتبع: يا أستاذ، خلّها على اللّه.

قلت في نفسي: حزينة هذه الدّائرة حزينة. ووجدتني أهمس له، وأنا أجذبه من يده ليمشي معي: هناك أنت بعيد. هنا أنت وسط أهلك. لكنّه فاجأني بالقول: أهلي ظلّوا هناك. في مخيّم اليرموك، في دمشق. طوّقت كتفيه بذراعي، وهمست له من جديد: نحن أيضاً أهلك، إلى أن يعودوا. وسألته: من المؤكّد أنّك لست وحدك هنا؟ زوجتك؟ والأولاد؟. كم ولد عندك الآن؟ أمسك بيدي كأنّه يستجير بي: ولد وبنتان. لم يُعطوا أرقاماً بعد. تركتهم عند أقرباء لنا في مخيّم الوحدات. استأجرت لهم غرفة وتركتهم هناك.

لم أدر من منّا كان أقرب للآخر من أخيه، وهو يسألني: ومتى ستعود يا أستاذ؟

تركته. أسقطت يدي من على كتفه. أخذت في الابتعاد عنه، وأنا أجيبه، والألم يعتصرني: ألا ترى بأنّني عدت؟ وسمعته يهمس: أقصد نهائيّاً؟ وكنت أشير إلى رجل حسبته سائق سيّارة أجرة يبحث عن زبون. لكنّه لم يعرني بالاً. شعرت بأحمد عطا يجري خلفي، وهو يسألني: إلى أين تريد أن تذهب يا أستاذ؟ توقّفت. التفتّ إليه. لم أكن غاضباً منه، أو عليه، فلماذا قال متأسّفاً: أنا آسف يا أستاذ. وأخذ يتراجع مبتعداً. فناديت عليه: تعال يا أحمد عطا. فجاءني مبتسماً: نعم يا أستاذ. تفضّل. أنا في خدمتك.

كدت أصرخ فيه، لكنّي عدت أطلب منه، متمالكاً غضبي، أن يقترب منّي. ففعل. أمسكت به من قبّة قميصه العسـ.. كاكيّ الأخضر، وقلت له، هامساً، وأنا أبتسم، كي يطمئنّ لي: أوّلاً إذا التقينا مرّة أخرى، فلا تنادني رجاءاً بالأستاذ. ثانياً.. أنا مضطر الآن للعودة إلى القدس، لأنّ الجسر مغلق. وتركت قبّة قميصه، وصمتّ.

فعاد يسألني: ولماذا؟ هل كنت مغادراً؟

أجبته وأنا أمسح على خدّه: نعم، فلقد منحت أسبوعاً واحداً فقط ينتهي اليوم بالصّدفة.

جذبني إليه: ألم تكن تعلم بأنّ الجسر مغلق؟

رمقته بنظرة متفحّصة، مشفقة لا مستنكرة، وأنا أحدّث نفسي بأنّ هذا الأحمد عطا يبدو بحاجة إلى من يؤانسه بالكلام، أو أنّه حشريّ أكثر ممّا يجب، وأعدت إليه السؤال، وأنا أقبض على كتفه: هل كنت أنت تعرف؟ فقال: لا. فقلت: ولا أنا أيضاً. وتركت كتفه، ومشيت مبتعداً. لكنّه جرى ورائي وهو يرميني بسؤال آخر، كأنّه يرميني بحجر، أو يطلق عليّ الرصاص: انتهزها فرصة يا أستاذ واق.. وضعت يدي على فمه، وقلت مقاطعاً: قصّتي يا أحمد يا عطا طويلة، قد أحكيها لك بالرّاحة في مرّة قادمة.

هل بكيت؟ ربّما. لكن بصمت. رفعت له يدي بالسلام، وبكيت. لكن بصمت. هل شعر بذلك؟ أحمد عطا، الفدائيّ القديم الذي تحوّل إلى شرطيّ في استراحة أريحا، هل شعر بأنّني كنت أبكي.. بصمت؟

لو لم يقترب منّا ريحاويّ يبدو أنّه أفاق لتوّه من قيلولته، يسبقه سؤاله. لمن؟ لي بالطبع: تريد توصيلة يا أستاذ؟ لكنت ألقيت برأسي على صدره وبكيت، لكن بصوت تردّده الأغوار، فتهتزّ له الجبال المحيطة، القريبة والبعيدة على السواء. سألت الريحاويّ: أين سيّارتك؟ أشار إلى بقايا سيّارة، وراح يركلها بقدمه، فانفتح البابان الأماميّان، والصندوق الخلفيّ. دهشت. قال: أوتوماتيك. وتجري بقوّة تسعة حصن. تفضّل.

سلّمت على أحمد عطا. سلّم عليّ أحمد عطا. جرى السائق إلى حقائبي. جرى أحمد عطا بدوره إلى حقائبي. سمعت انغلاق صندوق السيّارة. صعد السائق. زنّ محرّك السيّارة، ثمّ طنّ. لم أنتبه إلى أحمد عطا وهو يقف قريباً من النافذة ينظر إليّ بصمت، كأنّه لا يريدني أن أتركه، لو لم أسمعه يقول: برعاية الله يا أستاذ وحمايته. فشكرته مودّعاً. وردّدت من وراء السائق: إلى القدس. واستدرت أبحث عن أحمد عطا، علّه انتهز الفرصة، وصعد إلى المقعد الخلفيّ. لكنّ أحمد عطا بقي هناك، في استراحة أريحا. هل بقيت استراحة أريحا على ما هي عليه؟ وهل كانت استراحة حقّاً، أم محطّة عذاب، كأنّها معسكر اعتقال، ومعبر ما بين معتقلين؟ ( في زيارة لاحقة سألت عنه لم يعرفه أحد ممّن سألتهم عنه، لكنّهم جميعهم عرفوا السائق الريحاويّ، وقالوا بأنّه معتقل لنقله راكباً نابلسيّاً، من أريحا إلى رام اللّه لم يكن يعرف بأنّه مطلوب).

كان صوت تدفّق الماء يشبه صوت وابل من الرّصاص، ينفجر إلى شظايا، تنفجر بدورها في رأسي، لكنّني رغم ذلك سمعت الطّرق من جديد على الباب. أسرعت أوقف تدفّق الماء. أصخت لصوت الطّرق الذي كان ما يزال مستمرّاً بإصرار عنيد. إنّه طرق على باب غرفتي بدون شكّ. ركضت إلى الباب. فتحته بسرعة ونظرت. بغتّ برجل لا أعرفه، أطول منّي وأعرض، وقد تطاير الشرّ والشرر من عينيه. وقفت في البدء أمامه مذهولاً، قبل أن أحسّ برعشة داخليّة سريعة تشبه مسّاً كهربائيّاً خاطفاً، حينما أطبق كفّه على عنقي، وهو يصرّ على نواجذه، ويسأل: أين هي؟ وراح يدقّق النّظر فيّ، ويتفحّصني من رأسي إلى قدميّ. ثمّ تطلّع من فوق كتفيّ إلى داخل الغرفة. أصغى السمع علّه يسمع صوتاً آخر غير صوت أنفاسي وأنفاسه. ويده ما تزال تقبض على عنقي. وأنا منشغل عنه بمحاولة التخلّص من يده. وشعرت به وهو يجذبني معه، إلى داخل الغرفة، ويلقي بي في طريقه فوق السرير، ويركض نحو غرفة الحمّام. تنفّست بصعوبة. اكتشفت بأنّني كدت أموت اختناقاً، بفعل ضغط يده على عنقي. لم أره. رأيت مخلوقاً غريباً يقتحم غرفة الحمّام اقتحاماً. ورأيته وهو يخرج من غرفة الحمّام غاضباً أشدّ الغضب. وسمعت صوته يصرخ بي: أين هي؟ لم أدر من سأل، أنا أم أحد لا أعرفه: من هي؟ ورأيته وهو ينحني نحو السرير، وسمعته، لم أسمع أحداً غيره يصرخ بي هكذا: أين خبّأتها؟.

أردت أن أسأله عمّ يبحث، لكنّني لم أسأل، فقد رأيت السرير وهو يرتفع بي ثمّ يهوي. ورأيته يركض إلى خزانة الحائط. رأيت باب خزانة الحائط وهو ينخلع ويطير ليهوي فوق السرير. خفت أن يهوي على رأسي. هربت. كيف؟ إلى أين؟ هل تدحرجت من فوق السرير؟ هل قفزت؟ وقفت بباب الشرفة. تطلّعت عبر باب الشرفة، ثمّ التفتّ إليه. رأيته يجرى نحوي. أسرعت أبتعد من طريقه. اندفع بقوّة إلى الشرفة. تطلّع يميناً. تطلّع يساراً. ضرب الطاولة بيده. طار طبق القهوة في الفضاء ثمّ هوى من جديد فوق الطاولة. استدار في مكانه. كان صدره يعلو بشهيق، ويهبط بزفير. كان أطول منّي وأعرض. وكان يبكي: كانت تنام إلى جانبي. قال. لكنّها مثل فصّ ملح وذاب. بحثت عنها تحت. وبحثت عنها فوق. لم يرها أحد تخرج من الفندق. أين يمكن أن تكون؟ واندفع إلى داخل الغرفة، وهو يصرخ: عند من؟ عند من؟ ثم انطلق نحو الباب خارجاً: إنّني أسمع صوتها. فجريت وراءه، لكن متأخّراً، فقد اختفى بدوره، كأنّه فصّ ملح وذاب. لم أفهم.

أغلقت الباب، ومضيت إلى الشرفة. جذبت كرسيّاً، وجلست. مددت يدي إلى طبق القهوة الذي طار بفعل ضربة الرجل الغاضب للطاولة وعاد إلى مكانه وجذبته إليّ. نظرت إلى فنجان القهوة. نظرت فيه. كانت هناك بقيّة من قهوة ما تزال فيه. أخذت الفنجان بين سبّابتي والإبهام. قرّبته من شفتيّ. مرّة، أم حلوة؟ ما سكّرك يا أستاذ؟ ملعقة أم اثنتان؟ كان ثمّة امرأة تحبّ القهوة مرّة. وأنت؟ ملعقتان من السكّر. ما ألذّها مرّة، ذق وشوف. كانت تقول، وأنا أضيف ملعقة ثالثة. قويّة قهوتك. أقول وأنا أصبّ أقلّ بقليل من ملعقة أخرى. فتصرخ فجعة: أربعة؟ إلى أين أنت ذاهب؟ اشرب قطراً مرّة واحدة، وأرحنا من صنع القهوة ما دمت لن تشربها؟ بعد أريحا قالت: تعال نشرب قهوة ونتحدّث.
ـ بدون سكّر أرجوك. قلت.
توقّفت الأرض عن الدّوران، وهي تتطلّع إليّ غير مصدّقة:

ـ هل قلت بدون سكّر؟
ـ وما الغرابة في الأمر؟ أجبتها.
جرى دم في العروق. دارت الأرض من جديد.
قرفصت أمامي تنظر في عينيّ. لم تقل فيما مضى بأنّها تحبّ أصدافَ البحر. وحين أخذت تجمعها الآن من عينيّ، بهتت وهي تلاحظ: إنّها مليئة بالملح. فعرفت بأنّني كنت أبكي على كتفها، وأنّها كانت تلملم الدّمع من عينيّ في كفّيها.
أعدت الفنجان إلى مكانه، ورحت أحدّق في الأفق. لم تمنعني غابة الحجارة والطين، في تلك العاصمة العربية التي تعتدّ ببياضها، من رؤية الأفق. لم تمنعني من رؤية ما بدا لي أنّه يسبح وسط الغيم الأبيض كلحيتي. كان، ماذا كان؟ كان على هيئة إنسان. كان.. لا بل كانت. إنّها تلك المرأة. نفس المرأة. رأيتها تصعد من بطن الأفق، في مكان ما تحت النّهدين، وتختفي خلف الغيم. وتعود تظهر. وتعود تختفي. وتعود تظهر. تذكرت الرجل الذي اقتحم عليّ المكان بحثاً عن.. هل كانت امرأته؟ صمتّ أفكّر في كيف يمكن أن تحيل امرأة رجلاً إلى فظ ومعتد وربّما قاتل أيضاً؟ عاد طرق ما على باب ما يفسد عليّ صمتي، ويوقفني عن التفكير في غيره. التفت ناحية باب الغرفة. التفت بشكل لا إراديّ. اشتدّ الطرق. هل اشتدّ الطرق فعلاً، أم خيّل لي؟ خيّل لي أنّني أرى الطرق. هل عاد الرجل؟ عمّن تراه سيبحث الآن؟ لا امرأة عندي، ولا شيء أخفيه؟ عندي قلق من نوع الخوف، وذاكرة تتعذّب في بحيرة الملح الريحاويّة.

توقّف الطرق هنيهة، لكنّه عاد من جديد. نهضت على قدميّ. قلت أمشي لأرى فمشيت. فتحت الباب. انفتح الباب. نظرت. لم يكن ثمّة أحد. بهتّ. بحثت عن أثر فلم أرَ أثراً لإنس ولا لجنّ. هل خفت؟ نعم خفت. ومن في مكاني لا يخاف؟ عدت وأغلقت الباب. استندت بظهري إليه. ما الذي يحدث؟ أهو حقيقة أم خيال؟ دقّ الباب. استدرت على عجل وفتحته. كدت أجنّ. لم أجد أحداً. أهذه المرّة أيضاً؟ تذكّرت أنّني في فندق، فقررت أن أتّصل بموظّف الاستقبال، أو موظّفته، لأسأل عمّا يحدث، وكيف يحدث. أغلقت الباب، وجريت إلى جهاز الهاتف. رفعت السمّاعة، وضغطت على الرقم. وضعت السمّاعة على أذني وانتظرت. أنصتّ إلى الرّنين. لم يطل بي الانتظار. سريعاً ما سمعت صوتاً أنثويّاً، فأسرعت بدوري أقول: ألو. وأعدت: ألو. وانتبهت إلى أنّ الصوت يتحدّث إليّ قائلاً: لا يمكننا الاستجابة إلى طلبكم. لقد توقّف خطّ مخاطبكم عن العمل. بهتّ. ما الذي يحدث في هذا الفندق؟ لقد اتّصلت بنفس هذا الرقم حالما استيقظت، لأطلب منه فطور الصباح، بعدما تعذّر عليّ الحصول مباشرة على المطعم.
أعدت الطلب. أرخيت السمع. لم أسمع شيئاً. لا الصوت ولا الرنين. أعدت السمّاعة إلى مكانها من الجهاز. تتبّعت سير الخيوط، فوجدته سليماً. عدت إلى الجهاز. قلّبته في يدي. لم أرَ ما يثر الشكّ في سلامته. سلامتي هي التي محلّ شكّ إذن؟ أخذت السمّاعة من جديد في يدي وأعدت الطلب. رنّ صوت جرس. تبعه صوت أنثويّ، غير الذي سمعته في المرّة السابقة، يقول: تغيّر خطّ مخاطبكم. يُرجى العودة إلى آخر دليل للهاتف.
أسقطت السمّاعة من يدي. غير معقول. أيمكن أن يحدث مثل هذا في فندق أيضاً؟ إنّ الرقم الذي طلبته داخليّ، فهل تعطّلت شبكة الاتصالات كلّها في الفندق؟ وقرّرت الذهاب بنفسي، إلى مكتب الاستقبال.مشيت إلى الباب. شعرت بشيء يشبه الدّوران. أمسكت بمقبض الباب، ووقفت. لم أجد شيئاً أفهمه، ولم أجد شيئاً أفكّر فيه. فتحت الباب. شعرت برأسي ثقيلة. نظرت في الردهة الطويلة عن اليمين وعن اليسار. لم يكن ثمّة أحد. اجتزت العتبة خارجاً. تقدّمت خطوة أو خطوتين. توقّفت. ما الذي سأقوله لهم؟ أيّ انطباع سأمنحهم عنّي؟ سيقولون مهووساً. مجنوناً. فقد عقله. يتهيّأ له ما ليس ممكناً في هذا العصر.
استدرت عائداً. لحسن الحظ أنّني لم أغلق الباب ورائي عندما خرجت. هل تعثّرت؟ هل اصطدمت قدمي بشيء لم أره؟ وما هذه الورقة الخضراء المكوّرة؟ التقطتها. فتحتها. سوّيتها. ورقة خضراء، منزوعة من دفتر ملاحظات صغير. مكتوب عليها:
” علمت بوجودك. أسعدني ذلك. جئت لأراك، وأتحدّث إليك. لكنّك، لسوء حظّي، لم تكن موجوداً في غرفتك. لا بأس(تشطيب إلى حدّ أنّ الورقة في هذا الجزء مقطّعة). الجوّ ساخن وكئيب. لماذا لا تعمل المكيّفات؟ سأحاول أن أعود إليك في المساء. لكن إن لم أحضر، فاعلم أنّ ثمّة في الأمر أمر. لا تبحث، ولا تسأل عنّي. لكم هذا محزن!”.

ارتعشت. هوى شيء ما في داخلي. ما هذا؟ أهي رسالة لي؟ ومن يكون كاتبها؟ ولماذا لم أرها من قبل؟ كم مرّة فتحت الباب وأغلقته؟ هل كانت موجودة، ولم أنتبه لها؟وتذكّرت الرجل الذي كان أطول منّي وأعرض، وكان يبكي لأنّ امرأته كانت تنام إلى جانبه، لكنّها اختفت مثل فصّ ملح وذاب. أيكون هو الذي رمى بها، بعدما لم يجد ما جاء يبحث عنه عندي؟ أهي لامرأته؟ هل عثر عليها بين أشيائها؟
أعدت قراءة الرسالة. هل كاتبها رجل أم امرأة؟ لا شيء يدلّ على جنس المتكلّم، فهو قد يكون رجلاً، مثلما يمكن أن ” تكون” امرأة، أمّا المخاطَبُ، فهو بلا شك: رجل. طويت الورقة بين أصابعي، وتلفّت من حولي أتحقّق من عدم وجود من يراني، ويرى الورقة التي في يدي. من يدري، فقد يكون بين سطورها، غير ما تحمله فيها؟ وأسرعت أغلق الباب ورائي، وأمضي مسرعاً إلى حيث قصريّة المرحاض في غرفة الحمّام. وقفت أمامها. رفعت غطاءها. أمسكت الورقة بين أصابع كلتا يديّ. نويت تمزيقها، لكنّني تراجعت. أعدت غطاء القصريّة إلى وضعه القديم، وجلست عليه. ما هذا الذي أنا فيه؟ فيلم عجيب غريب. كان الوضع قبل الورقة، معقّداً ومثيراً للقلق. أصبح الوضع، بوجود الرسالة، أكثر تعقيداً، ومغرقاً في الغموض. فما السبيل إلى الفهم، ومن أين تجيء القدرة على الاحتمال؟ فكّرت: إذا كان كاتب الرسالة هو امرأة ذلك الرجل الذي جاء يبحث عنها عندي، فلماذا أبقتها بين أشيائها، ولم تتركها لصاحبها أين ذهبت للقائه؟ وماذا لو أنّها ليست هي كاتبتها، وإنّي أنا المقصود فعلاً بها؟ فمن يكون فعل ذلك؟ ولماذا وجدتها مكوّرة؟ ومن كوّرها؟ سؤال من هنا، وسؤال من هناك، ولا جواب بعينه. الاحتمالات كلّها واردة. الأجوبة كلّها، التي يمكن أن أفكّر فيها، وتلك التي يمكن أن لا تطرأ لي على بال، ممكنة. فأيّها الصحيح؟ أيمكن أن يكون الطّارق الخفيّ، هو الذي كتب الرسالة، أمّا من كوّرها فهو الرجل الذي جاء إليّ والشرّ والشرر يتطايران من عينيه؟

كبرت كرة الخوف المتدحرجة في داخلي. أعدت قراءة الورقة. الجوّ.. هل الجوّ ساخن حقّاً؟ إنّه دافئ. مقبول. إنّه ليس بارداً على أيّة حال، ونحن في أوّل الخريف. أمّا كئيب؟ فلست أرى ذلك بنفس المنظار. إنّه لا يُفرح، ولكنّه ليس كئيباً. صحيح أنّني قلق. ومتوتّر. ومشغول. وأشرب القهوة مرّة. لكنّني لا أعتقد بأنّ الجوّ، في هذه العاصمة العربية، التي تنهض فوق تلال سبعة، كما يصفه كاتب الرسالة كئيب إلى درجة الشكوى. فما الذي يقصده بذلك؟ هل ثمّة تفسير لا أعرفه؟ هل هي إشارة إلى وضع، أو حدث ما؟ فيما مضى، أيّام العمل السرّي، كنّا نستخدم إشارات غامضة كهذه نسمّيها شفرات ورموز. فيما مضى؟ والآن أيضاً. هل انتهى كلّ شيء؟ ما الذي انتهى؟ رغبة البعض في تغيير اللباس، وفي الانتقال إلى وظيفة؟ رغبته في الراحة؟ عفواً أيّة راحة؟ قل استراحة كاستراحة المحارب الذي يحسّ بهرمه. صحيح أنّ تلك الأيّام الغالية قد مضت إلى غير رجعة. وصحيح أنّ ذلك العمل، بشكل عام، قد تغيّرت طبيعته، مع تغيّر الفاعلين فيه، وتغيّرت كثير من مبادئه، وثوابته، وأهدافه. وصحيح أنّ الواقع الجديد جديد. إلاّ أنّه ما زال ممكناً، أن يلجأ البعض، ممّن عضّوا على أصابعهم، أو عضّت عليهم الأيّام بأهوالها، كي يتألّموا، أو كي لا ينسوا الألم الذي لم ينته، بتغيّر الأحوال، والأشخاص، والأفكار، ولو أنّ المتغيّرين في غالبهم، هم رفاق الأيّام الماضية، إلى الرموز والألغاز، لاعتقادهم بأنّ الثورة لم تنته بعد. لكنّني لم أدرك بعد السبب، الذي دفع بصاحب الرسالة الآن، وهنا، في هذه العاصمة العربيّة التي تختنق بأهلها، رغم اعتزازها باسمها الذي يقهر الجميع، كلّ لسبب يعلمه، وليس سرّاً على أحد، إلى اللّجوء إلى ما فعل، فأوقعني فيما أنا فيه الآن من حيرة، تزيد طيني بلّة على بلله.

رنّ جرس الهاتف. نعم. من لا يعرف رنين الهاتف؟ أنا متأكّد من الهاتف، في هذه الغرفة من هذا الفندق، في هذه العاصمة العربيّة التي لا أفهم حديث أهلها، إن لم يكن بالعربيّة الفصحى، أو بالفرنسيّة، هو الذي يرنّ الآن. فجريت إليه، غير مصدّق أنّه يعمل. قبضت على السمّاعة، وهو ما يزال يرنّ، قبض أعمى على امرأته، في زاوية ضيّقة، ورفعتها إلى أذني، والرنين مستمر. قلت: ألو. لكنّني لم أسمع صوتاً يحدّثني. كرّرت: ألو. واستغربت. لم يتوقّف الرنين عن الرنين. فكّرت: إنّه أمر يبعث على الجنون، فهل أجنّ. لا. قلت، وألقيت بالسمّاعة، كيفما يأتي، وضربت الهاتف بكفّي، فطار من مكانه، وراح يسقط فوق باب الخزانة، الذي خلعه الرجل الذي جاء يبحث عن امرأته عندي منذ حين، فتوقّف هو عن الرنين، وتفطّنت أنا إلى الباب، فقلت: عليّ أن أعيده إلى مكانه، فلن يصدّق أحد بأنّني لست أنا من خلعه. مشيت إليه. انحنيت قليلاً كي أحمله. سمعت صوتاً يأتيني من الهاتف يقول: لا تفعل. أترك كلّ شيء على ما هو عليه. إذهب إلى الشرفة وانظر. لكنّني قبضت على السمّاعة ، وقرّبتها من أذني، وصرخت: ألو. من هناك؟ لم يكن هناك أحد. تردّد صوتي في السمّاعة، كما لو أنّني صرخت في بئر فارغة. ألقيت بالسمّاعة من جديد، ومضيت إلى الشرفة، ونظرت. كان الشارع أمام الفندق عاديّاً، كما تركته مساء البارحة. فما الذي أرادني الهاتف بي أن أراه؟

فكّرت: سأذهب أستوضح الأمر من موظف الاستقبال، علّه يفيدني بما يريحني، أو يخفّف ولو قليلاً من قلقي. قطعت الغرفة ما بين الشرفة والباب جرياً. فتحت الباب. اجتزت العتبة. جذبت الباب ورائي. ركضت إلى المصعد. ضغطت على الزرّ. أشارت إشارته الضوئيّة إلى أنّه في طريقه إلى الهبوط من الطابق السادس، ثمّ الخامس، فالرابع، وفي الثالث حيث كنت في انتظاره توقّف، وانفتح الباب بشكل آليّ. دلفت إليه في عجل. رأيتني في مرآته بالبيجاما. فكّرت بالعودة إلى الغرفة، لاستبدال ملابسي. تفطّنت أنّني لم آخذ المفتاح معي. توقّف المصعد في الطابق الأرضيّ. هل أخرج أم لا؟ في جميع الأحوال أنا بحاجة إلى من يفتح لي باب الغرفة من عملة الفندق. في جميع الأحوال عليّ أن أرى الآن، وفوراً، موظفّ الاستقبال، لأطلب منه إعادتي إلى الغرفة.

خرجت من المصعد. كان البهو خالياً. والاستقبال كذلك. لمحت الحارس في باب الفندق، فقلت أذهب إليه أسأله: ألا يوجد أحد من مكتب الاستقبال؟ لكنّه نفر في وجهي قائلاً: ما الذي تفعله أنت هنا؟ عد فوراً إلى غرفتك، قبل أن لا يجدوك فيها، فيعتقدون أنّك فررت.

فقلت له: أنا أريد العودة إلى غرفتي، لكنّني بحاجة إلى من يفتحها لي.

فسألني: ولماذا لا تفتحها بنفسك؟

فقلت: لأنّني نسيت المفتاح في الداخل.

فعاد يسألني: والباب مغلق الآن؟

فأجبته: نعم. إنّه مغلق. وإلاّ ما احتجت إلى من يفتحه لي.

نظر إليّ. تأمّلني. وهزّ برأسه من اليمين إلى اليسار وبالعكس، إلى أن عاد إلى النقطة التي بدأ منها. من المؤكّد أنّه كان يشكّ، بمداركي العقليّة، وهو يتفحصّني بهذا الشكل المريب. وقال: وكيف تريده أن يفتحه لك بدون المفتاح؟
انهار جبل جليد في القطب الشماليّ، فسألني عنه. في السابق، أي فيما مضى من الأيّام، انهار القطب الجنوبيّ بأكمله، وغرق في المحيطات السبعة، ولم يسأل أحد أحداً عنه. تذكّرت ذلك، وقلت له، بعدما نظرت إليه، نظرة شكّ، وهززت برأسي من اليسار إلى اليمين وبالعكس، لأعود إلى النقطة التي بدأت منها:لا أعرف القطب الشماليّ، ولا أعرف القطب الجنوبيّ، أنا أعرف القدس.

فعاد يسألني: ـ كيف تعرف القدس ولا تعرف القطب الشمالي؟

فقلت:ـ القدس أعرفها لأنّني ولدت في باب قدسيّ، يدعى باب الحديد.
ـ في القاهرة؟
ـ لا. في القدس.
ـ في عمّان؟
ـ لا. في القدس.
ـ في دمشق؟
ـ لا. في القدس.
ـ في الجزائر إذن؟
ـ لا. قلت في القدس.
ـ هل سمعتك تقول في تونس؟
ـ لا. قلت في القدس. في القدس.
ـ في غرناطة، أو ملقا، أو أشبيلية؟
ـ في القدس. قلت في القدس.
ـ ألم تقل في باريس، أو نابولي، أو برلين، أو روما، أو شيئاً مثل أثينا، واسطنبول، أو مرسيليا، وبرشلونة، أو.. الآن تذكّرت، في تشيلي أو البرازيل؟
ـ لا. قلت في القدس. ولقد قلت ذلك أكثر من مرّة.
بروموثيوس لم يكن مجنوناً، ولا أنا. ولذا فقد بحت للحارس بما كنت أتكتّم عليه.

[ كان في الثانية عشر، حين سمع صوتاً ينشد:

بلادي بلادي بلادي.

لم يفهم. بحث عن أخيه الأكبر. ولم يسأل.

كان يعرف بأنّ أخاه مسافر، لكنّه لم يكن يعرف أين هو الآن.

تردّد النشيد في سمعه أكثر من مرّة. وذات مرّة سمع أستاذ التاريخ الخليليّ، الذي كان يتقلّد أيضاً مهمّة ضابط النظام، في مدرسته الثانويّة” عبد الله بن الحسين” في الشيخ جرّاح، يهمس بنفس النشيد لكن بكلمات أخرى، تقول:

فدائي فدائي فدائي
لم يفهم من جديد. وساوره الشكّ. فراح يفكّر بصمت، في سرّ اختزان القدس، التي كانت تسري في دمه هادئة، بطيئة، بصمت هي الأخرى، أحزانها أيضاً، وليس أسرارها فحسب.[

وسأل بدوره الحارس: هل تعرف أين توجد القدس؟

فكّر الحارس. ضرب أخماساً في أسداس، قبل أن يقول: لديّ فكرة، أرجو أن تكون صحيحة. إنّها، قدسك هذه، توجد على ما أعتقد، في القطب العربيّ المتجمّد، وإن شئت مزيداً من الإيضاح، ارجع إلى آخر قاموس في اللغات الحيّة المعاصرة.

هه. هه. هه. هه. هه. وإلخّ إلخّ إلخّْ.


تونس 1997 ـ 200

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s