العالَم الخفي للبغدادي وأمراء الجهاد \\ د. أكرم حجازي

العالَم الخفي للبغدادي وأمراء الجهاد

د. أكرم حجازي

25/5/2009

في الحقيقة كنا نعتقد جازمين أن خطاب أمير دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي “عملاء كذابون – 12/5/2009” حول قضية الإعلان عن اعتقاله سيضع حدا للجدل الذي أثارته الأجهزة الأمنية العراقية طوال ثلاثة أسابيع متواصلة. ومع ذلك فقد أبت هذه الأجهزة ومن ورائها الحكومة إلا أن تواصل حملتها عبر بثها صورا حية مصحوبة بـ “اعترافات” لمن زعمت أنه البغدادي. ولو ركنا إلى الانطباع الأول في تفسير موقف الحكومة هذا لقلنا بلا مواربة أنها العزة بالإثم لا زيادة ولا نقصان خاصة وأن أطرافا فيها وفي الأجهزة الأمنية تناقض نفسها وتفترق في الموقف حول حقيقة الشخصية المزعومة لديها. لكن التعامل مع حدث يتسع بين الحين والآخر يستدعي الانتقال من الانطباعات والمراقبة إلى مستوى من التحليل يسمح باستطلاع أكثر من مسألة حساسة ليست الأهداف الكامنة خلف التصعيد الحكومي إلا أدناها أهمية. وعليه فإن السؤال الجوهري في كل المسألة لم يعد يتعلق بحقيقة البغدادي كشخصية واقعية أو وهمية بل بالدرجة الأساس عما إذا كان البغدادي هو الشخصية الخفية الوحيدة في عالم الجهاد؟ سؤال لعله لم يُطرَح من قبل، وقد آن الأوان لاستطلاع الأمر.

أولا: الخفي والظاهر والمجهول

بخلاف شخصية الزرقاوي التي كانت معروفة للخاصة والعامة ظلت قيادات القاعدة في العراق طي الكتمان بما في ذلك شخصية أبو حمزة المهاجر وزير حرب دولة العراق الإسلامية الذي ظهر ملثما في خطاب مرئي وجهه إلى العلماء. وبخلاف قادة السلفية الجهادية في العالم ظلت شخصية البغدادي وقادة دولة العراق الإسلامية مجهولة تماما. وخلا هاتين الشخصيتين فإن أغلب قادة القاعدة في أفغانستان معروفون صوتا وصورة فضلا عن الكشف المتتابع عن بعض القيادات بين الفينة والأخرى كما هو الحال مثلا مع أبي اليزيد وعطية الله الليبي، كما أن قادة الجهاد الشيشاني معروفون أيضا وكذا الناطق الرسمي لحركة الشباب المجاهدين في الصومال وأمراء قاعدة الجزيرة بشقيها الشمالي والجنوبي قبل اندماجهما وبعده.

هذه الوضعية مكنت الخصوم، الأعداء وذوي القربى على السواء، من الطعن بشخصية البغدادي عبر اتهامها بالشخصية الوهمية والافتراضية والمسرحية رغم تواتر ظهور التسجيلات الصوتية لها. لكن هل البغدادي هو الشخصية الوحيدة التي ظلت خفية دون غيرها سواء على الساحة العراقية أو الساحات الأخرى؟

لا شك أن قادة حركة حماس في فلسطين معروفون. لكن، لظروف أمنية فما من أحد يعرف، على وجه التحديد، من هو قائدها اليوم بعد اغتيال الشيخين أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي خاصة وأن رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل أوصى بعدم تسمية القائد الجديد للحركة، ومع ذلك فلم يعب أحد على حماس بقاء قائدها في الداخل شخصية خفية إلى يومنا هذا. وفي الصومال فإن كل ما عرفناه عن حركة الشباب المجاهدين هو الناطق الرسمي لها، أما أمير الحركة فلا أحد يعرف له صورة، بل أن القائد العسكري لها قتل قبل عام من مقتل القائد الثاني آدم حاشي عيرو كما كشفت الحركة نفسها عن ذلك. ولم يعلم أحد، قبل ذلك، بمثل هذا الخبر. وغرق أبو عبيدة البنشيري قائد القاعدة في أفغانستان في بحيرة فيكتوريا صيف العام 1996 وهو في مهمة استطلاعية لغرب أفريقيا والقرن الأفريقي ولم نعرف له صورة، وظل مصطفى أبو اليزيد طي الكتمان إلى أن أعلنت القاعدة عن صفته كقائد لها، حيث ظهر بهذه الصفة ظهر في شريط مصور للمرة الأولى في شهر أيار / مايو 2007.

أما في العراق فقد ظل أبو عبد الله الشافعي أمير جماعة الأنصار هو الشخصية الوحيدة المعروفة في الإطار السلفي الجهادي، مع أنه ليس مكشوفا بدرجة كبيرة على مستوى الأمة مثلما كان الحال مع أبو مصعب الزرقاوي. وقد يقول البعض أنه ثمة فرق بين قيادات متوارية عن الأنظار وأخرى غير معلومة أصلا. وهذا صحيح لو قارنا بين بن لادن والملا محمد عمر وحتى بيعة الله مسحود من جهة والبغدادي من جهة أخرى خاصة وأنه لم يظهر برسمه في أية مناسبة إعلامية ولو ملثما وبدون التقاط صور كما يفعل محسود مثلا. لكن فيما عدا الشافعي فإن أكثر ما يميز الساحة العراقية هو تكتم الجماعات الجهادية على أمرائها بما فيها ذات التوجه الوطني. وقد يكون بعضها ظهر ملثما أو معمى في شرائط مرئية نادرة لكن أيا منهم لم يظهر مكشوف الوجه قط في أي شريط كان حتى هذه اللحظة، كما لم تُعرف لأي منهم صورة. وأكثر من ذلك فإن من يتابع الجماعات الجهادية بدقة سيفاجأ بأن الكثير منها لم تسمِّ لها أميرا مكتفية بالتعامل مع الإعلام بصفة “ناطق إعلامي” أو “متحدث رسمي“، فضلا عن أن التسميات اتخذت لها كنى وأسماء حركية. ومع ذلك فلم يقل أحد أن هذا الأمير أو ذاك المتحدث باسم الجماعة الفلانية هو شخصية وهمية أو افتراضية مثلما هو الحال في توصيف شخصية البغدادي!

إذن، النتيجة المنطقية تقضي بالقول أن شخصية البغدادي كأمير من المفترض أنها لا تختلف عن شخصية أمير العصائب أو جيش أبي بكر الصديق أو جيش المصطفى أو جيش المجاهدين أو جيش الراشدين أو جامع أو حماس العراق أو الجيش الإسلامي أو كتائب العشرين أو … بل أن البغدادي أكثر شهرة إعلامية من أية شخصية جهادية أخرى في العراق رغم التواصل المباشر لعدد من المتحدثين الرسميين مع القنوات الفضائية إما عبر الهاتف أو عبر المقابلات الشخصية. ومع ذلك فقد انصب التشكيك والطعن على شخصيته دون غيرها!

الحقيقة أن حملة الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية أوقعت نفسها في حقل من الألغام وهي تجادل، ببلاهة، على امتداد أسابيع باعتقالها البغدادي. وبدلا من أن تنسحب من الجدل بعد ظهور الشريط الأول “عملاء كذابون” أمعنت في المضي قدما في مزاعمها حتى فجرت بنفسها كل الحقل. فلما بثت مقتطفات مرئية “10/5/2009” لمن زعمت أنه البغدادي فهي في الواقع أسقطت إلى الأبد فرضية الشخصية الوهمية التي تبنتها الولايات المتحدة وقدمتها الحكومة كأطروحة “مميزة” واستفاد منها كافة الخصوم في خوض حروبهم ضد القاعدة أو دولة العراق الإسلامية. فالبغدادي بعد “اعترافاته” بات شخصية حقيقية وليس وهمية. ولما تخيب أماني الحكومة في هوية الشخصية الموقوفة فهذا يعني أن الأطروحة سقطت فيما ثبتت هوية البغدادي إلى الدرجة التي دفعته، للمرة الأولى، للتأكيد على أنه: “البغدادي سكنا والحسيني نسباوصاحب الصوت الذي يظهر في التسجيلات … وأنه يتعبد الله بالصدق“. فأية حماقة ارتكبتها الحكومة العراقية من تصرفات قاسم عطا الشهير في العراق بلقب “كذاب بغداد” مقابل المكاسب الإعلامية الكبيرة التي حققتها دولة العراق الإسلامية أو ما بات يسميه البعض بـ “صِدِّيق بغداد” في إشارة إلى البغدادي؟

ثانيا: خلفيات التكتم على شخصية البغدادي

بالتأكيد فلسنا نتحدث عن خلل حكومي في التعامل مع القضايا الإعلامية الكبرى كقضية اعتقال البغدادي. إذ ما من منطق، في أدنى مستوياته، يبرر المضي قدما في مزاعم لا تتمتع أي من عناصرها ولو بقدر ضئيل من المصداقية والموضوعية. فالمالكي وقاسم عطا في واد وشروان الوائلي وأجهزة أمنية عديدة في واد آخر، أما الأمريكيون وحلفاؤهم وكذا أجهزة الأمن ذات الصلة في الساحة العراقية فلا يبدو أن الصراعات الداخلية تعنيهم كثيرا. لكن لماذا يضطر البغدادي إلى إصدار شريط صوتي ثانٍ* ينقض فيه الرواية ويؤكد على هويته في ذات الوقت الذي يدرك فيه أن الحملة الشرسة ضده تستهدف، كما قال، دفعه للظهور في شريط مرئي وليس شخصيته بحد ذاتها؟

الحقيقة أن تواتر الأخبار عن اعتقال البغدادي بين الفينة والأخرى حملته أسماء وأنسابا غير اسمه ونسبه، وأحالت ولادته إلى ديالى تارة والأنبار تارة أخرى. ولا ريب أن الطعن في هويته يعني بالمحصلة طعنا في سلالته ومسا بأجداده من أهل السنة، خاصة وأن جهة الطعن غالبا ما كانت تأتي من الشيعة، وفي هذا السياق يمكن تفهم جوهر خطابه الأول وهو يرد على من أسماهم بـ “عملاء كذابون” مركزا على الشيعة باعتبارها طائفة رافضة “تتعبد الله بالكذب“. وكنا قد لاحظنا على منتديات الفلوجة ذات التوجه السلفي الجهادي تقديمها للخطاب عبر بنر لافت للانتباه اشتمل على كنيته ونسبه الكامل باعتباره “أبو عمر البغدادي الحسيني الهاشمي القرشي“.

وفي الظروف الراهنة للعراق حيث تبدو الصراعات الطائفية مرشحة للانفجار بين الفينة والأخرى فإن ظهور البغدادي دون الشعور بتمكين حاسم لقواته سيكون من باب المستحيلات. لذا فاللعب على وتر الاستفزازات مهما بلغت حدتها لن تدفع البغدادي للظهور. أما لماذا؟ فلأن حجم الأعداء كبير جدا. فالرجل يخوض حربا طاحنة ضد ما يقارب الـ 300 ألف أمريكي ما بين قوات نظامية وشركات أمنية، كما يقاتل حكومة طائفية بكل جيوشها وأجهزتها الأمنية المدعومة من إيران واستخباراتها، ويحارب ميليشيات شيعية دموية على شاكلة جيش المهدي وقوات بدر وغيرها ممن تصب جهودها في خانة المشروع الصفوي في العراق المعادي بشدة للسنة والمهيأ لسفك الدماء بلا حساب.

ولعلها حكمة إلهية أن يؤول تراث النبوة والخلافة ومقتنيات الفتوحات الإسلامية من عروش للأباطرة والقياصرة والأكاسرة إلى المتحف الإسلامي في مدينة استنبول التركية، وتحت حماية دولة علمانية تحارب الدين وليس في بغداد الرشيد، وإلا لخسر العالم الإسلامي تراثه “الناصبي” كما سبق وخسر جزء كبيرا منه إبان الغزو التتري. فحين سقطت بغداد (9/4/2003) شرع هؤلاء بحملات تصفية منظمة وتخريب ونهب للتراث السني، وحرق للمكتبات والمخطوطات والموجودات التاريخية، وإتلاف للنفائس ولكل أثر سني وقعت أيديهم عليه منذ عهد الخلافة وإلى يومنا هذا. والحقيقة أنها كانت واحدة من أعظم مذابح التراث والتي لم يستفق العالم “الناصبي” بعْد على أضرارها وما خلفته من كوارث حتى يومنا هذا.

هذه السوابق في ترابط الطائفة الشيعية تاريخيا مع القوى الأجنبية وعدائها المستحكم ضد أهل السنة ربما تكون واحدة من أهم الأسباب التي تمنع البغدادي بالذات من الكشف عن صورته كونها ستؤدي إلى التعرف على شخصيته وعشيرته وتمكِّن من تتبع سلالته “الناصبية” بما يعرّض الجميع لخطر محدق ويبعث لدى الشيعة فكرة الثأر والانتقام لدم الحسين من فريسة “ناصبية” ثمينة. لذا فإن هوية الرجل، منذ توليه منصبه، لم تعد ملكا له كي يتصرف بها فرديا ولا هي خاضعة لأهواء أو استفزازات إعلامية وحتى أمنية. ولا نشك طرفة عين أن التكتم على شخصيته كان قرارا جماعيا وليس فرديا أبدا خاصة وأن حياة الرجل بحد ذاتها لم تعد هدفا له ولا مكسبا، على الأقل، منذ اختير أميرا لدولة العراق الإسلامية.

ثالثا: البغدادي والظهور المحسوب

مع ذلك فالبغدادي ليس تلك الشخصية الأسطورية التي تحاك من حولها القصص والروايات الخيالية. فالرجل يقول في خطابه الثاني(10/5/2009) أن: “معظم إخوانه يعرفونه جيدا اسما ورسما“. أما عن علاقته بالناس فثمة عدة مؤشرات توحي بأنه إما على صلة برسمه وصفته مع العامة من الناس أو قطاع معين منهم كشيوخ العشائر والوجهاء والمقربين وإما أنه على استعداد للالتقاء بغيرهم كالقضاة والقادة. وقد وردت مثل هذه التلميحات في الكثير من خطاباته مثل: ” وقل جاء الحق وزهق الباطل – 22/12/2006 ، فأما الزبد فيذهب جفاء – 4/12/2007. بل أنه في خطابه “البنيان المرصوص – 9 ربيع الثاني 1429تحدث عن لقاء له ببعض “شيوخ العشائر الشرفاء” وأنه تحاور معهم وأعرب عن سعادته لموقفهم والاتفاق معهم: على مشروع عمل لوقف ما أسموه هم بالقتال في المنطقة السنية بين أبناء العشائر“. وفي خطابه “حصاد السنين بدولة الموحدين – 17/4/2007” الذي نفى فيه ما ورد في بيان الجيش الإسلامي من اتهامات لدولة العراق بسفك دماء أهل السنة وجنود للجيش أبدى البغدادي استعداده للجلوس مجلس القضاء قائلا: “ فوالله لئن بلغني خلاف هذا لأجلسن مجلس القضاء ذليلا لله تعالى أمام أضعف مسلم في بلاد الرافدين حتى يأخذ الحق ولو من دمي … “. ولا شك أن مثل هذا الموقف يترتب عليه الكثير من المسؤولية بحيث يستحيل على البغدادي أن يغامر بما لا يقوى على الالتزام به خصوصا أنه يتصرف كـ “أمير للمؤمنين” وليس لجماعة.

وفي الشريط الذي بثته مؤسسة الفرقان التابعة لدولة العراق الإسلامية بعنوان: “ عامان لدولة الإسلام – 21-9-2008” وتحدثت فيه عن إنجازات الدولة وردت للمرة الأولى صورا لحشد من شيوخ العشائر قيل أنهم حضروا لمبايعة البغدادي. فهل يعقل أن يكونوا بايعوا نائبا عنه؟ ولو أن الحضور اكتشفوا أنهم بايعوا رجلا آخر غير البغدادي؛ أليس فيهم من يكذِّب الواقعة؟

أما فيما يتعلق بجنود البغدادي وقياداته فمن المنطقي الزعم بأن لقائه بهم مثلما يلتقي إعلاميي الفرقان وغيرهم من أركان دولته أولى وأنجع من تواصله مع أية جهة أخرى. ولا شك أنه ثمة وسائل مبتكرة تمكن البغدادي من التواصل خاصة مع الجنود. ففي مقالة على ذمة الزميل أحمد زيدان مراسل قناة الجزيرة في باكستان أشار فيها أن الملا عمر يتواصل مع جنوده وقادته الميدانيين عبر أشرطة مسجلة تتضمن تعليماته لهم. فما الذي يمنع دولة العراق من اعتماد أساليب من هذا النوع وابتكار أخرى ربما أكثر فاعلية وأشد سرية بالنظر إلى الانكشاف الأمني الكبير في الساحة العراقية؟ لا شيء. والحق أن تَفقُد الزرقاوي لمقاتليه قبل اغتياله يذكرنا وكأن أمر التواصل معتادا لدى قادة القاعدة. صحيح أن الزرقاوي كان شخصية معروفة وبالتالي فليس ما نسوقه يصلح كحجة ولكنه كسلوك وارد وإنْ بصيغة أخرى كأن يقوم البغدادي مثلا بزيارة لجنوده، ملثما أو مكشوف الوجه، على أن يتم الكشف عن شخصية الزائر بعد مغادرته بوقت أمني.

رابعا: خلفية الحملة الحكومية

كل التحليلات التي تضمنتها هذه المقالة ومقالة “نافخو الكير” وأكثر منها لا بد وأن الأجهزة الأمنية العراقية وغيرها قد درستها وأشبعتها تحليلا، فلماذا إذن تمعن في مزاعمها عن اعتقال الرجل وهي تعلم أن أحدا لن يصدقها دون أدلة دامغة لا يرقى إليها أدنى شك؟ هذا فضلا عن أنها تعلم أن الشخص الموقوف ليس هو البغدادي فعلا؟

الأرجح أن الانقسامات والصراعات داخل الحكومة العراقية ومراكز القوى والنفوذ والفساد هي التي أدارت العملية لاحتياجات سياسية بالدرجة الأساس. بل أن عملية “بشائر الخير” الأولى (أواخر تموز / يوليو 2008) والثانية (1/5/2009) كانت تقع في صلب الموضوع خاصة وأن أطرافا حكومية وعلى رأسها المالكي تحاول أن تحقق إنجازا بأي ثمن حتى لو كانت النتيجة خسارتها لثقة مناصريها أو تحويلهم إلى زمر من الكذابين. فأية فضيلة حققتها الحكومة من هكذا جنون إلا أن تكون مجرد عصابة لا تعنيها سوى مصالحها الذاتية؟ هكذا اعتقد قاسم عطا والمالكي أن خبرا بحجم اعتقال البغدادي يمكن أن يكون “بشرى خير” فإذا به يستفيق على “حصاد الخير – 17/3/2009 ” للبغدادي الذي بشّر في خطابه السابق “عملاء كذابون” بنصر في “بضعة شهور أكثر نقاءً وصفاءً وثباتاً “، واستطاع تدمير قاعدة الحبانية (16/4/2009) وتوجيه ضربة صاعقة للإيرانيين في مطعم خانقين (24/4/2009)، وهي العملية التي بدا لنا أنه اعترف بها ضمنا حين أشار إلى أن الإيرانيين أُجبروا للمرة الأولى، منذ سقوط بغداد، على إغلاق حدودهم.

في البداية لم تستطع الحكومة ووسائل إعلامها وحلفائها أن تتهم القاعدة بضرب الإيرانيين خشية سقوط أطروحتهم التقليدية في ربط القاعدة بإيران، فاتهموا حزب البعث علّهم يصيبوا عصفورين بحجر واحد بحيث يحتفظوا بدوام التهمة قائمة وفي نفس الوقت يبرروا فشل حوارهم مع الضباط البعثيين حول عودتهم وإدماجهم في العراق الجديد، أما مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي فاضطر إلى بلع الموسي على الحدين، فلا هو تجرأ على اتهام القاعدة ولا رأى في البعثيين بأسا كافيا لمذبحة المطعم فاختار الأسهل، واتهم الأمريكيين بتدبيرها (25/4/2009)، وكأن هؤلاء كانوا في غفلة عن النفوذ الإيراني في العراق واستفاقوا فجأة ليوجهوا له ضربة في ذروة التقارب الأمريكي مع إيران وخدماتها الجليلة في أفغانستان. المثير في تعليق خامنئي أنه يذكر بصراعات القوى الفلسطينية واللبنانية فيما بينها خلال سبعينات القرن المنصرم. فإذا ما اختلفت على موقف سياسي أو تنظيمي أو حتى على لعبة قمار أو سهرة مجون لجأت إلى تصفية شخصية ما أو تفجير سيارة مفخخة أو افتعال اشتباك. وما أن تنجح عملية التصفية حتى تسارع القوى بتبادل التهاني عبر بيانات رنانة تتهم إسرائيل والعملاء بارتكاب الجريمة دون أن يفوتها تذكير الجماهير بمواصلة المسيرة حتى النصر!

واأسفاه على الكرامة

فقد انتحر الرئيس السابق لكوريا الجنوبية روه مو هيون (23/5/2009) بإلقاء نفسه من على جبل على خلفية اتهامه بقضايا الفساد. ومعروف أن كوريا دولة صناعية كبرى مرشحة من بين عدة دول في العالم لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية في العقود القادمة. ومع ذلك ينتحر أعلى رتبة سياسية فيها لشعوره بالعار الذي لحق به، وهو وثني لا دين له، لمجرد اتهامه بقضايا فساد يمكن أن تثبت أو تسقط في ساحات القضاء. فخلف وراءه فجيعة وصدمة وحزن شعبي على سوء الخاتمة. وأبو سفيان أبى الكذب وهو في الجاهلية خشية أن يشيع بين العرب أن سيد القوم كذب! لكن أبو سفيان لم يتخيل يوما أن يكون الكذب فضيلة وقيمة عليا بين أخلافه بدلا من الصدق والكرامة، ولو ركنا إلى سلوك الرئيس الكوري، تكفيرا عن فضائلنا، لوجب علينا الانتحار كأمة لا كأفراد.

***************************************

* الشريط الثاني تلقته قناة الجزيرة حصرا (10/5/2009)، وبثت منه مقاطع محددة علق فيها أبو عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية على اعترافات نشرتها القنوات الفضائية ونسبتها الأجهزة الأمنية العراقية لشخص يزعم أنه البغدادي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s