الوحدة اليمنية : قدس الأقداس بقلم : زياد ابوشاويش

زياد أبو شاويشالوحدة اليمنية : قدس الأقداس
بقلم : زياد ابوشاويش

حين تقدم الاشتراكيون اليمنيون الصفوف لانجاز الوحدة بين شطري الوطن اليمني كانوا بذلك يحققون ما حلموا به قبل الاستقلال وبعده، ذلك الحلم الذي راود مخيلة كل مواطن يمني على امتداد حقبة طويلة من الزمن.
اليوم وبعد مضي قرابة تسع عشرة سنة على تجربة الوحدة تظهر عوائق جدية أمام استمرار التجربة ونجاحها الأمر الذي يستنفر واستنفر كل الوحدويين اليمنيين والعرب على امتداد الساحة العربية وجعل صفوتهم تصدر بياناً تقول فيه أن وحدة اليمن خط أحمر لا يجوز تجاوزه أو المساس به مهما كانت الأسباب والدوافع والمظالم.
في استذكار بدايات التجربة نلحظ الحماس الشديد من أهل جنوب اليمن لانجاز وحدتهم مع أشقائهم في الشمال في ظل قناعات راسخة بأن التشطير الذي جرى لليمن عبر عقود وفي أزمان بعيدة سابقة إنما كان يتم بسبب ع وامل خارجية واستعمار أجنبي يجد في التشطير ضالته للحصول على مبتغاه من الاحتلال ونهب البلد والتحكم بموقعه الاستراتيجي، وكان اليمنيون بالعموم يرون في تحقيق وحدتهم ليس فقط تحقيق حلم تاريخي طالما سعوا إليه وقدموا من أجله جل التضحيات بل وأيضاً اعتبروه جزءاً من تحديهم لتلك العوامل الخارجية وفرض أجندتهم وهيبتهم الوطنية على الدول الاستعمارية وهو ما نعرفه بالكرامة الوطنية والروح اليمنية التاريخية.
وفي تذكر البدايات لابد أن نشير إلى تعثر ظهر في السنوات الأولى للتجربة ومع تشكيل مجلس الرئاسة والاستنكافات المتتالية التي مارسها نائب الرئيس أمين عام الحزب الإشتراكي في حينه والتي كانت بذرائع مختلفة منها الأمني ومنها الاقتصادي ومنها أيضاً وهو الأهم الاختلاف في رؤية المستقبل والمنهجية التي يجب أن تجري عليها الأمور للوصول بالتجربة إلى مبتغاها في التقدم والاستقرار للشعب اليمني شمالاً وجنوباً. ليس هذا فقط بل لقد تم استخدام الجيش في تلك المرحلة في عمليات الضغط والضغط المقابل من أجل وصول كل طرف لما يريده من الوحدة بعض اتضاح حجم الفروقات الفكرية بين الحزب الحاكم في الجنوب ومثيله في الشمال.
إن تلك الصعوبات الناجمة عن حداثة التجربة واختلاف الرؤى والمنهج تمثل ذلك التحدي الكبير لارادة كلا الطرفين من أجل البقاء في حدود وطن واحد الأمر الذي لم يحتمله كلاهما وخاصة الاشتراكي الذي وجد أن التراجع عن الوحدة ولكن بطريقة منظمة وعبر شروط لم تنضج الظروف الداخلية لتحقيقها هو الطريق الأسلم للتملص من واقع يمني يهمش دوره سواء بطريقة قصدية أو غير ذلك. إن تداعيات الخلاف والاستنكاف والحراك الذي شهده اليمن عام 1994 أفضى إلى حرب داخلية بين الشريكين انتهى كما نعلم بهزيمة الاشتراكيين أو بالأحرى لهزيمة دعاة العودة الآمنة عن الوحدة ومن ثم بقاء التجربة ولكن بدون شراكة وفي ظل موازين قوى فرضت هيمنة الحزب الحاكم على مقاليد الأمور بشراكة جديدة تكتيكية مع حزب الاصلاح بقيادة المغفور له عبد الله الأحمر.
إن استعراضنا لتلك الفترة المبكرة من عمر الوحدة اليمنية قصد منه القول بأن التجربة لم تكن منذ البداية على أرض صلبة وأن الصعوبات رافقتها وأن القيادات اليمنية بمختلف تلاوينها الفكرية والسياسية فشلت في تثبيت دعائمها بخلاف العسكر وأجهزة الأمن التي نجحت في فرض إرادة الوحدة وهيبتها على الشارع الأمر الذي ك ان يجب أن يؤسس لانتقال سلمي وبطريقة ديمقراطية لمرحلة متطورة يتولى فيها المدنيون وخصوصاً المفكرين ورجال السياسة معالجة عثرات المرحلة الأولى والوصول باليمن لوحدة راسخة وعلى قاعدة المواطنة والمساواة وهو ما لم يحدث حتى اليوم
إن الجيش وقوات الأمن عموماً لا يمكن لومها على الدور الذي تلعبه ولعبته من أجل الحفاظ على وحدة اليمن ولكن من غير الممكن الاستمرار في ظل حالة كهذه إلى ما شاء الله إذا كان حقاً يريد اليمنيون الحفاظ على وحدة بلدهم.
الانفصاليون اليمنيون وخاصة من نثق في حبهم لليمن ورغبتهم السابقة في نجاح التجربة، هؤلاء عليهم إعادة النظر في موقفهم الجديد والقيام بدراسة معمقة للواقع اليمني وآفاق المستقبل البعيد ليروا كم هو خطير ومدمر عودة التشطير أو الانفصال بين الجنوب والشمال كما عليهم دراسة الاسباب والخلفيات التي تجعل مئات المفكرين العرب من ذوي القامات العالية على الصعيد الفكري والقومي يتنادون دفاعاً عن وحدة اليمن وصون تجربته الوحدوية.
إنني أعتقد كغيري من المتابعين للشأن اليمني وبعد إمعان الفكر والدراسة الطويلة والعميقة للأزمة التي يمر بها اليمن أن الانقسام لن يحل هذه الأز مة بل سيعيد إنتاج أزمات أكبر وأعمق وأن المقارنة بين الاستمرار في التجربة والنضال لانجاحها عبر ترسيخ قواعد الديمقراطية وغير ذلك من الوسائل المشروعة وبين الانشقاق والتشطير تجعل النتيجة غير قابلة للنقاش وهو أن الانقسام أمر لا يجب القيام به مهما كانت الظروف ومهما بلغت التحديات الداخلية.
إن ذلك لا يعفينا من القول بصوابية النقد الذي يوجهه هؤلاء للطرف الآخر في المعادلة كما لا يجعل هذا الطرف ينام على الحرير ما دام جذر موقفه يتوافق مع قدسية الهدف، بل عليه أن يمعن النظر بنفس الطريقة بل وأكثر من الانفصاليين للحفاظ على وحدة هي قدس الأقداس في نظر اليمنيين والعرب، لكن قدس الأقداس تحتاج لرجال حكماء وعادلون للحفاظ على هذه القيمة الكبرى والتي بدونها لا مجال للتقدم أو لنجاح الديمقراطية في اليمن وفي غيره ولو قارن اليمنيون بكل فئاتهم بين الديمقراطيات الكبرى في العالم كالهند وأمريكا وغيرهما وبين المآل الذي تصل إليه تجربة الانقسام في أكثر من بلد لأدركوا كم هي ضرورية وأساس لهذه الديمقراطية تلك الوحدة التي أنجزها اليمنيون وقدموا من أجل بقائها عظيم التضحيات وقد حان الوقت ليتولى المدنيون قيادة الم رحلة وما يجب فعله اليوم قد لا ينفع غداً.
Zead51@hotmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s