واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة د. إبراهيم عوض

واحة الغروب” رواية متوسطة القيمة

د. إبراهيم عوض

(هذه الدراسة مهداة إلى روح  العقاد والرافعى

والمازنى وزكى مبارك ومحمود شاكر)

Ibrahim_awad9@yahoo.com

http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

منذ عدة أسابيع نشر لى موقع “محيط” دراسة نقدية لرواية الدكتور يوسف زيدان: “عزازيل” فعَلَّقَ قارئ كريم يقترح أن أتناول بالنقد أيضا رواية “واحة الغروب” للأستاذ بهاء طاهر. وكان شيطان النقد الملعون غافيا فوق كتفى آنذاك، وكنت حريصا على ألا أوقظه عملا بالمثل القائل: “نوم الظالم عبادة”، إلا أن طلب الأستاذ لؤىّ الشامى، المعلِّق السالف الذِّكْر، لم يَدَعْنِى أهنأ بنوم الشيطان الرابض على كتفى، فشمرت عن ساعد الجِدّ فى الحال وفكرت فى الكتابة عن “واحة الغروب”، ونجحت فى الحصول على نسخة من تلك الرواية فى نفس الليلة التى قرأت فيها التعليق المذكور، وشرعت فى قراءتها، فكانت هذه الدراسة التى يتضح منها أن الرواية التى نحن بصددها هى عمل متوسط القيمة. وكنت قرأت قبل سنوات رواية الأستاذ بهاء طاهر الأخرى: “خالتى صفية والدير” فوجدتها أيضا رواية متوسطة القيمة لا تتناسب والضجة الـمُصِمّة التى صاحبت ظهورها وتحويلها إلى مسلسل آنذاك. ولكنْ قبل الدخول فى نقد القصة علينا أولا أن نعطى القراء فكرة سريعة عنها كى يستطيعوا متابعة الملاحظات النقدية عن بصيرة وبينة بقدر الإمكان، فنقول إن الرواية تعود بنا إلى نهايات القرن التاسع عشر عقب ما يسمى فى الاصطلاح الشعبى بــ”هوجة عرابى” وسقوط مصر تحت سنابك الاحتلال البريطانى، بادئة بنقل ضابط البوليس المصرى محمود عبد الظاهر من القاهرة إلى واحة سيوة التى ترفض أن تدفع الضرائب المفروضة عليها للحكومة. وقد اصطحب عبد الظاهر، الذى أصبح مأمورا فى مكانه الجديد، زوجته كاثرين الأيرلندية الشّغوفة بالآثار وتعلُّم اللغات، والتى كانت تريد أن تبحث هناك عن مقبرة الإسكندر الأكبر، ليجدا نفسيهما منذ البداية فى عالمٍ جديدٍ عليهما ومغلقٍ تماما فى وجهيهما. وقد قرأت أن المؤلف قد أقام لبعض الوقت فى واحة سيوة، التى تبعد عن القاهرة 830 كيلومترا بغية التعرّف عن كَثَبٍ إلى الناس وعاداتهم وتقاليدهم وحياتهم اليومية، وهو ما فعلت بعضا منه حين سافرت أنا ايضا إلى سيوة بعد قراءة الرواية وقضيت يوما ممتعا هناك.

وتبدأ الرواية فى شىء من الغموض لا داعى له، فنحن لسنا أمام جريمة قتل أو سرقة نتحسس طريقنا نحو كشف معمَّياتها فى الظلام بحذر وحيرة، بل كما سوف نعرف فيما بعد: إزاء نقل ضابط من موقعه بالقاهرة إلى واحة سيوة. وكان ينبغى أن يكون الكلام واضحا منذ البداية لأن معرفتنا بحقيقة الأمر بعد هذا لا تثمر راحة بال بعد تشوق ولهفة، بل تجعلنا نتنهد حسرة على تضييع المؤلف وقته وقتنا فى موضوع لا يستحق كل هذا التعليق للأنفاس. والمؤلف البارع لا يلجأ إلى مثل هذه الحيلة لتشويق قرائه، أو بالأحرى: لا يسقط فى هذا الفخ الذى لا يصح أن يقع فيه روائى محترف، بَلْهَ روائيا مبدعا. إن الرواية تبدأ بحديث محمود عن نفسه وعن زوجته، التى يؤكد أنها شجاعة فعلا كما قيل له، وعن رحلة سيقومان بها تحفها الأخطار، وإن كان هو رغم ذلك كله لا يبالى شَرْوَى نَقِيرٍ بشىء من ذلك. كما أن هناك إشارة إلى الأميرالاى سعيد والصداقة التى كانت تربط بينه وبين الراوى ثم أصابها الفتور.

ولكن مَنْ محمود بالضبط؟ وما طبيعة الرحلة التى سيقوم بها؟ وما هى الأخطار التى تنتظره فيها؟ سوف يأخذ الأمر وقتا قبل أن تنجلى تلك الأمور التى ليس من طبيعتها أن تكون فيها معميات أو ألغاز، بل الكاتب هو الذى أرادها أن تكون كذلك ودَفَع الراوى دفعا إلى انتهاج هذا السبيل الذى لا يتسق مع طبيعته كروائىٍّ المفروضُ أنه يفتح صدره لنا نحن القراء ويبثنا شكواه وضيقه. فكيف يعمل على تحييرنا منذ البداية وتطاوعه نفسه على أن يلاعبنا “حاورينى يا كيكة”، وبخاصة أن الموضوع لا يستحق شيئا من هذا كما قلنا؟ نحن هنا بإزاء رواية تاريخية سياسية واجتماعية، ولسنا فى رواية بوليسية من روايات أجاثا كريستى حيث يقوم كل شىء على الغموض وتحيير القارئ وتشكيكه فى كل شىء وفى كل شخص وتعليق أنفاسه من أول الرواية إلى آخرها، وإلا باخت الطبخة وانصرف القراء عن المطالعة. أما هنا فالفن يكمن، أقصد أنه ينبغى أن يكمن، فى طرح القضايا الإنسانية التى تشغل البشر وتستولى على مجامع القلوب منهم وفى تصوير البيئة وفى تحليل الشخصيات والمقابلة بين طبائعها وأفكارها وتصرفاتها وإقامة حوار بينها فكرا ولغةً وسلوكا والتدسس إلى النفوس واستخراج مكنوناتها البعيدة التى لا يصل إليها إلا أقلام المبدعين الحقيقيين. بل إننا حتى فى روايات كريستى نُلْفِى أنفسنا منذ البداية أمام جريمة قتل لا شك فى ذلك، لكن الفاعل مجهول، وفى ذات الوقت يحوم الشك حول الجميع، وتقوم عقدة الرواية على معرفة القاتل الذى لا نعرفه دائما إلا فى آخر الرواية مع لهاثنا العقلى طوال الوقت جريا وراء معرفته قبل أن تكشف لنا الكاتبة حقيقته، وهيهات!

ويبدو أن الكاتب مغرم بهذا النوع من الحيل لشد القارئ إلى روايته رغم أنها حيل ساذجة لا تستطيع أن تؤثر إلا على القارئ الباحث عن أية تسلية يضيع بها وقته المترامى أمامه لا يدرى ماذا يصنع به، مَثَلُه مَثَلُ من ينفق الساعات فى الشرفة لا عمل له على الإطلاق إلا قزقزة اللب وبصقه على رؤوس المارة المساكين الذين يسوقهم حظه التاعس إلى المرور من تحت شرفته الميمونة. ذلك أننا فى منتصف الرواية نُلْفِى أنفسنا أمام مشهد عجيب: فكاثرين تشتبك فيما يشبه الصراع مع مليكة، الشابة السيوية الأرملة التى كان عليها أن تبقى فى الموضع الذى حبسوها فيه إلى أن تنقضى أربعون يوما (حسبما قرأت فى عدد غير قليل من المواقع المشباكية التى تتحدث عن سيوة وتقاليدها) لا يراها ولا يحتك بها أحد ولا يقع بصرها أثناء ذلك على أى شىء يخص الآخرين، وإلا حلت عليه وعليهم اللعنة والمشأمة، والتى كانت تلبس رغم هذا ملابس الشبان وتخرج إلى الشوارع وتدخل البيوت دون أن يعرف الناس أنها مليكة، ومن بينها بيت كاثرين، حيث جرى المشهد السالف الذكر. ويدخل محمود زوج كاثرين ويرى ما نرى ويحسب أن مليكة تريد أن تقتل زوجته فيخرج مسدسه ويطلق الرصاص، وإن كان تدخُّل زوجته وإبعادها فُوَّهة المسدس فى آخر لحظة كما يحدث فى الأفلام المصرية لَقَتَل الفتاة المسكينة.

ليس ذلك فقط، بل إن كاثرين ذاتها كانت تظن أن مليكة تشتهيها جنسيا وأنها لذلك اندفعت إلى صدرها وقبلته وانكفأت على قدميها تشبعهما لثما، وظلت بعد ذلك تنظر إلى مليكة بهذه العين، بل خالجتها بعض النوازع الشاذة تجاهها لهذا السبب. وتسأل عن السر وراء كل ذلك فتضحك حين تعلم أن البنت السيوية كانت قد ضاقت بقسوة الحبس الانفرادى وأنها قصدت بيت كاثرين لما سبق بينهما من لقاء يتيم كى تتخلص من وحشة العزلة وسأم الانتظار الطويل وأن كل ما كانت تريده هو أن تعبر لها عن اعترافها بالجميل لأنها الوحيدة التى عاملتها فى سيوة كلها بالعطف والمرحمة.

والمضحك أن تعرف كاثرين أن مليكة أرملة وأنها، ككل أرملة فى الواحة، كان عليها أن تعتزل البشر مدة معينة لا يقع بصرها على أحد منهم أو أى شىء يخصهم، ثم لا تعرف رغم هذا أنها حين أكبت على قدميها (كما أكبت نجاة الصغير على قدمى حبيبها اللاهى الغادر فى رائعة “أيظن” لشاعرنا الفلاتى نزار قبانى، الذى رفض بعض المتدينين فى لندن دخول جثمانه المسجد للصلاة عليه وكأن المسجد، وكذلك ثواب الله ورضوانه وجنته فوق البيعة، ملكية خاصة بهم رغم أنهم هم أنفسهم لا يملكون لأنفسهم شيئا: فثواب الله أمر خاص بالرحمن الرحيم لا ينازعه أحد فيه، وإلا تعرض لجبروته وسخطه وعذابه، والمسجد هو بيت الله. لقد كان بمقدورهم أن  يمتنعوا عن الصلاة على جثمان الشاعر الذى أفسد كثير من أشعاره وكتاباته عقول الفتيات والنساء بما حشا به أذهان الفارغات منهن من أن جسد البنت هو ملك خاص بها من حقها أن تفعل به ما تشاء، وهذا هو منتهى فهمه للحرية! لكن تلك نقرة أخرى. أما أن يمنعوا الجثمان نفسه من أن يصلى عليه أحد فهذا ما لا أفهمه. ولقد ظل الرسول إلى آخر لحظة  يصر على الصلاة على ابن سلول زعيم المنافقين إلى أن نزل الوحى حاسما ينهاه عن ذلك. فهل نزل على هؤلاء وحى يقول لهم: امنعوا الناس من الصلاة على نزار؟ على كل حال لقد كان إمام المسجد السعودى فى إحدى القرى بمحافظة بيشة أكثر حنكة ولباقة حين اكتفى بالامتناع عن الصلاة على رجل من أهل القرية لأنه لم يكن من المشهود لهم بالصلاة طبقا لما جاء فى الخبر الذى قرأته لتوى ببعض المواقع، فما كان من أقارب الرجل إلا أن تقدم أحدهم وأَمَّ الناسَ فى الصلاة عليه. وهذه هى عظمة الإسلام، فديننا لا يعرف دور الكاهن، بل يستطيع أى إنسان أن يقود الصلاة. ولو كنت هناك فى لندن فلربما شاركت فى الصلاة على جثمان الشاعر السورى رغم أنى انتقدته انتقادا شديدا فى بعض كتاباتى. وهل يحتاج إلى صلاتنا عليه أحد كالمقصِّرين؟ ثم ألسنا كلنا مقصرين على نحو أو على آخر؟ أم اتخذ بعضنا عند الله عهدا أن يُدْخِلهم الجنة فلن يُخْلِف الله معهم عهده؟)، طال الكلام عليك أيها القارئ، ووجب علىَّ أن أعمل على ربط الجملة التى انفصمت عراها بسبب مليكة السيوية وكاثرين الأيرلندية فأقول: إنه لمن المضحك أن تعرف كاثرين أن مليكة أرملة وأنها، ككل أرملة فى تلك الواحة، كان عليها أن تعتزل البشر مدة معينة لا يقع بصرها على أحد منهم أو على أى شىء يخصهم، ثم لا تعرف رغم ذلك أنها حين أكبت على قدميها وقبلتها فى صدرها (وأنا أشك فى أنها قبلتها فى صدرها شكا مطلقا، بل الكاتب هو الذى اصطنع ذلك اصطناعا وتكلَّفه تكلفا دون أدنى مراعاة لمنطق الأشخاص والبيئات، إذ ظنّ نفسه فى أوربا) إنما كانت تعبر عن شعورها بالمنة التى أولتها إياها تلك المرأة ليس إلا.

وتسألنى: ولماذا هذا الاستغراب؟ فأجيبك أنها علمت بترمُّل مليكة منها هى نفسها، وفهمت أبعاد ذلك فى ضوء ما كانت قد قرأته من كتب حملتها معها حين صحبت زوجها إلى تلك الواحة البعيدة بغية التعرف إلى بيئتها الجديدة. ستقول: وماذا فى ذلك؟ سأجيبك بأنه ها هنا يكمن تهافت الفن فى الرواية، إذ إن مليكة لم تكن تعرف إلا اللغة السيوية، وهى لغة لا صلة بينها وبين العربية التى لم تكن كاثرين تفهم سواها (إلى جانب الإنجليزية بطبيعة الحال كما لا حاجة بى إلى أن أقول، وكذلك بعض اللغات الأخرى)، بالإضافة إلى أن الكاتب لم يتركنا فى عماية من الأمر، بل أشار مرارا إلى انعدام صلة التفاهم بين المرأتين تماما بحيث لا يمكن أن يحتمل الأمر أى تفسير آخر. فكيف إذن عرفت كاثرين أن مليكة أرملة وأنها تقاسى الحبس فى الموضع الذى نبذها أهل البلد فيه؟ بل كيف كانت مليكة تختلط بالناس فى ملابس الغلمان دون أن يتنبهوا إلى حقيقة أمرها؟ ألا يعرف أهل البلد بعضهم بعضا كما يعرف الواحد منا “ظَهْر كَفّه” حسبما يقول التعبير الإنجليزى (To know sth like the back of one’s hand) أو “قَعْر جَيْبه” (Connaître qch comme le fond de sa poche) حسبما يعبر الفرنسيون؟ فكيف فاتهم أن هذا الغلام ليس واحدا منهم، فلم يُثِرْ من ثم فضولهم وتركوه يخالطهم ويلعب مع أولادهم؟ بل كيف سكت الغلمان من أترابه فلم يسألوه عن هويته والمكان الذى نزل عليهم منه؟ وهذا كله لو كنا من السذاجة وبساطة العقل بحيث نبتلع أن مليكة استطاعت، وهى الفتاة التى سبق لها الزواج، أى أصحبت امرأة ناضجة ناهدة الصدر، أن تُحْكِم طريقتها فى التخفى فلا يظهر منها شىء يخص النساء سواء من ناحية الملابس أو نتوءات الجسد أو الحركات أو الصوت أو البشرة أو الشعر، فضلا عن أنها كانت على عكس نساء البلد جميلة جمالا يلفت النظر، ودعنا من النفسية الأنثوية، وإلا فلن ننتهى فى يومنا الذى نرجو أن يمرّ على خير، ودعنا كذلك من كيفية حصولها على ملابس الغلمان، وهى المعزولة عزلا قسريا تاما عن كل شىء وكل إنسان بحيث إنهم يلقون لها طعامها إلقاء دون أن يَرَوْها أو يحدّثوها.

أذكر فى هذا السياق فلما سخيفا من أفلام الستينات تقوم ببطولته سعاد حسنى ونادية لطفى، وخطيباهما يوسف شاهين وحسن يوسف، وتقع حوادثه أيضا فى الصحراء كما هو الحال هنا حيث تخفَّت الممثلتان المشهورتان فى ملابس رجالية وأخذتا تخالطان خطيبيهما المذكورين وبقية المهندسين هناك وكأنهما شابان مثلهم وانطلت حيلتهما المتهافتة على كل إنسان، ما عدا المتفرجين بالطبع الذين لا أدرى كيف تحملوا مشاهدة هذا التنطع طيلة ساعة ونصف، وربما أكثر. لكن هذا فى الأفلام المصرية، وبخاصة أفلام الستينات المملة، وليس فى رواية يفترض فيها أنها رواية محترمة فنيا.

كما أذكر هنا أيضا مسرحية معتوهة يقوم فيها شاب قاهرى إرهابى ملتحٍ بالتخفى فى ملابس المنقبات وقد لف حول وسطه عدة جنازير ورَكِب إحدى الحافلات القاهرية (لماذا؟ لا أدرى، ولا المؤلف ولا حتى الجن الأحمر ذاته يدرى)، وتعرَّف بالمصادفة المحضة إلى سيدة موظفة كانت عائدة من عملها بعد الظهر فاصطحبته إلى بيتها على أنه زميلة سابقة لبنتها التى تشتغل فى السعودية والتى لم يكن هو يعرف عنها شيئا إلا من ثرثرة الأم معه فى الحافلة، لتكتشف موظفتنا المعتوهة (المعتوهة ككل شىء فى المسرحية) أنه شاب إرهابى، ولكن بعد أن وقعت الفاس فى الراس ولم يعد هناك مجال للحيطة أو التراجع، وكأن الكلام كان يدور طول الوقت فى الأوتوبيس والطريق من طرفها هى فلم تفهم أن رفيقتها رجل لا امرأة، ولم تلاحظ (طبعا. أليست معتوهة، والقانون لا يحمى المعتوهين؟) أنه يحمل نصف طن من الجنازير لفَّها حول وسطه تحت ملابسه.

بالمناسبة يستطيع القارئ أن يقرأ تحليلا لهذه المسرحية المتخلفة ويضحك ملء أشداقه كما يقولون فى العبارات التراثية، فى كتابى: “دراسات فى المسرح”، الذى لا يباع عند أحد، وليس منشورا على المشباك، ولا أظن القارئ الكريم واجده فى أى مكان إلا على سبيل المصادفة العشوائية التى لا تحدث، إن حدثت، إلا مرة واحدة فى العمر مثل بيضة الديك التى ظن زميلى اليابانى محسن يوشيهارو أوجاساورا أيام الشباب والجامعة أنها حكاية صحيحة وأن الديوك تبيض مرة واحدة فى العمر فعلا، وإلا فلم ذكر المعجمُ ذلك؟ أجب يا إبراهيم! بالضبط مثل: “اكتبى يا دولت”، لازمة كامل البيطار فى برنامجه الليلى فى إذاعة الأغانى على الإف إم، تلك اللازمة التى يقولها دائما للمذيعة المساعدة له كلما طلب أحد المستمعين أغنية معينة كى يتذكرها ويذيعها له فى الحقات القادمة، والتى يعابثه بها المستمعون فى اتصالاتهم الهاتفية معه لأن دولت، فيما هو واضح، لا تكتب شيئا من تلك الطلبات، إذ لا يذيعان منها شيئا، وإن كان مغرما بإذاعة أغنية حُلُم عن المسيح التى تصدم العقيدة الإسلامية بالحديث عن صَلْبه عليه السلام دون أى مونتاج يجنّب المسلمين فى أرض الكنانة زعيمة العالم الإسلامى، أو التى كانت زعيمته فى الزمان الأغبر، سماع ما يصادم عقيدتهم.

وعبثا حاولت بكل ما فى طاقتى من قدرة على الشرح والإقناع أن أُفْهِم محسن الـمَصْـِربَانى كما كنت أسميه فى ذلك الحين (أى المصرى اليابانى) أنه مثل يُضْرَب للمستحيل من الأمر الذى إن وقع، وهو لا يقع إلا فى غفلة من الحياة، والحياة كما نعرف حق المعرفة لا تغفل أبدا، فلا يقع إلا مرة يتيمة شاذة لا يقاس عليها. ذلك أن “رأسه وألف برطوشة قديمة” أن الديك يبيض ما دامت المعاجم قد قالته. يابانى، بعيد عنك! وكأنه لا يكفينا الهنود فى التخلف العقلى، فدخل اليابانيون على الخط. واليابانيون، كما تعرفون، مخلوقات كمبيوترية نزلت من بطن أمها جاهزة للبرمجة، بل تتطلب البرمجة تطلبا وتظل جثتها تأكلها وتهرشها إلى أن تتم برمجتها فتهدأ وترتاح وتستكين، ثم إذا غذيتها بشىء فلا أمل فى زحزحتها عن الإيمان به وتكريره فى كل مرة تُسْأَل عنه رغم أن الكمبيوترات لم تكن قد صُنِعَتْ بعد فى ذلك الوقت، فى حدود علمى. وإيَّا القارئ (وليسامحنى على إدخالى “إيا” على غير ضمير) ثم إياه أن يقول لى: ما هذا الكلام غير المنطقى عن كتابى المذكور؟ وإلا فليسال أولا كاتبَ المسرحية وكاتبَ الرواية اللتين نحن بصددهما عن انعدام المنطق فى عمليهما. وأنا مثلهما بشر من البشر، ولى رغبة أن أفعل فعلهما. من نفسى يا عالم ولو مرة فى العمر كـ”بيضة الديك”!

ولقد قلت ذات مرة عن طه حسين، على سبيل التهكم خلال تعليقى على ما لاحظته فى “دعاء الكروان” من مجافاتها لطبيعة البشر وظروفهم الشخصية ومناقضتها لمنطق الحياة والأشياء، ما معناه أن طه حسين هو على كل شىء قدير فلا يُسْأَل عما يفعل، فانبرى لى طالب من الصنف الحَرِج ينبهنى إلى أن ما قلته يمثل خروجا على العقيدة الصحيحة، إذ الله وحده هو الذى لا يُسْأَل عما يفعل، وهو وحده الذى على كل شىء قدير. وعبثا، مثل العبث الذى بذلته مع صديقى اليابانى، شرعت أشرح له أن المسألة كلها تهكم فى تهكم وأنها لا تصلح إلا هكذا. ولكن على من تغنى مزاميرك يا داود؟ إن الكمبيوترات، سواء كانت يابانية أو مصرية، لا تفهم شيئا فى التهكم ولا الدعابة! وقانا الله وإياكم شر الكمبيوترات! وهذا الكلام الذى قلته عن طه حسين، وأمثاله كثير، موجود فى كتابى: “فصول من النقد القصصى”، الذى لا يوجد فى أى مكان، وإن وجده قارئ تكن أمه قد دعت له وبخّرته ورَقَتْه من العين وقرأت عليه المعوذتين فى الصباح قبل أن يخرج!

ما علينا! المهم أن كاثرين قد فهمت كل ذلك على تعقده وتشابكه، ولكنها مع هذا لم تفهم أن البنت حينما قصدتها فى البيت وقبّلتها إنما كانت تعبر عن شعورها بالمنة لما لمسته من عطف عليها. وهذا، كما يرى القارئ، غريبٌ جِدُّ غريب! كما أن الكاتب قد ذكر على لسان كاثرين أن فترة العزلة التى كانت تقضيها كل أرملة فى الواحة تبلغ أربعة أشهر وعشرا، على حين أنها، حسبما قرأت فى عدة مواقع مشباكية، أربعون يوما فقط، وإن كان هناك من يقول إنها مئة يوم، ومن يبلغ بها خمسة أشهر. إلا أننى لم اجد من طابقها بعِدّة الأرملة فى الإسلام كما صنع الكاتب. ترى لماذا هذا الربط بين ذلك الطقس السيوى الجاهلى اللاإنسانى وعِدّة المرأة المتأيمة فى الإسلام؟ لو كانت كاثرين هى السبب لكان ينبغى أن يوضح الكاتب ذلك بطريقة فنية. لكنها ليست هى السبب، بل هو. فإن كان قد صنعه تعمدا فهذا أمر غريب بل مريب، وإن كان قد وقع فيه جهلا فهو معيب! وإن كان الأمر كما قال فعلا فهأنذا أقرّ سلفا بأننى أنا المخطئ، وهو المصيب!

ثم كيف يمكن أن نصدق الطريقة التى عبرت بها مليكة عن شعورها بالمنة لكاثرين، وهى تقبيلها فى صدرها المفتوح وانكبابها على قدميها؟ هل هناك امرأة مسلمة تفعل ذلك، وبخاصة مع أجنبية، وعلى الأخص فى ذلك الوقت من أواخر القرن التاسع عشر، وبالذات بالذات فى سيوة حيث كان الناس ينظرون إلى كاثرين كما تقول الرواية على أنها كافرة؟ أعطونى عقولكم أيها القراء! كذلك كيف خطر لكاثرين أن مليكة تشتهيها وأنها حين قبلت صدرها، رغم إنكارى أن يكون شىء من هذا قد وقع منها كما وضحت، إنما كانت تمارس معها لونا من الشذوذ الجنسى؟ لقد فلقتنا الرواية من كثرة الكلام عن سعة ثقافة كاثرين وإحاطتها بكل شىء علما (وأرجو من الحرجين أن يمتنعوا عن التعقيب على هذا التعبير الأخير!) من أمور الواحة: ناسا وآثارا وتاريخا وعادات وتقاليد، فكيف نسى الكاتب هذا كله وجعل كاثرين تظن، لا بل ترى وتوقن، أن ما صنعته معها مليكة هو ضرب من ممارسة الشذوذ الجنسى؟

يقول الكاتب فى الرواية إنها كانت متأثرة بالأخلاق الفيكتورية التى كانت شائعة فى بريطانيا أوانذاك نسبة إلى الملكة فكتوريا ملكة بريطانيا فى ذلك الحين، تلك الأخلاق المتنطسة المنافقة الذى بلغ من نفاقها أنْ كانت بريطانيا تعجّ آنذاك بالمومسات وبيوت الدعارة، بالإضافة إلى أن صاحبة الجلالة الملكة كان لها عشيق من بين خُدّامها اسمه جون براون أطلقت عليه بناتها: “حبيب ماما” (“ياااا حلاوة” على رأى مظهر أبو النجا!)، وما سمعتُه أنا أيضا فى بريطانيا من صديق أسكتلندى بأذنىّ هاتين اللتين فى رأسى من أنها كانت تمارس الجنس مع البغال. يا له من خيال عجيب! إلا أن جمال الغيطانى يقول شيئا شبيها فى كتابه: “حكايات المؤسسة”، إذ نقرأ فيه لدن الكلام عن حصان جميل اسمه: “أسوان” كان الرئيس المصرى الأسبق جمال عبد الناصر قد أهداه إلى السوفييت وانتهى به المطاف إلى مزرعة قريبة من مدينة عشق أباد عاصمة تركمانيا، والعهدة عليه، أى الغيطانى طبعا لا الحصان، وما أنا إلا ناقل: “لم تَخْفَ عن العيون رعشة النشوة التي تسرى في النساء اللواتي تَطَلَّعْن إليه، حتى إن خَدَرًا كان يصيب بعضهن. والحديث عن تلك الأميرة الهولندية التي حاولت مضاجعته ليلا معروف”. يا للهول! إننا لم نكد نفرغ من ملكة بريطانيا، فإذا بنا أمام أميرة هولندية. أى أن الملكات والميرات وراءنا وراءنا، والزمان طويل!

كل هذا عظيم، لكننا هنا لسنا فى بريطانيا ولا فى هولندا، بل فى مصر. كما أن معرفة كاثرين التى لا تندّ عنها شاردة ولا واردة فى سيوة، حتى دبة النملة على الصخرة الملساء فى الليلة الظلماء تحت لحاف الغبراء، كانت كفيلة بأن تهديها الصراط المستقيم وتُفَهِّمها أن سيوة ليست لندن ولا دبلن، وأن نساء سيوة لا يعرفن السحاق كما تعرفه نساء إنجلترا وأيرلندة. ومرة أخرى ليس ذلك فقط، بل هناك زوجها المأمور، وهذا حكايته حكاية، إذ ما إن رأى ذلك المنظر حتى ظن أن مليكة سوف تفترس امرأته رغم أن مليكة كانت رابضة عند قدمى امرأته تقبلهما، وكذلك رغم أن امرأته كانت تضربها بعذق نخلة فى يدها، ولكنْ ضربا خفيفا فيه من معنى الاستزادة أكثر مما فيه من معنى الاستنكار، ولا يبدو عليها أى هلع، حتى أخرج مسدسه و”طاخ طيخ”. ولولا ستر الله، الذى ألهم زوجته أن تسرع فتحوّل فوهة المسدس بعيدا عن البنت، لكانت مصيبة أخرى لا قِبَل للمأمور بها، وبخاصة أن الحكاية لم يكن ينقصها قتل مليكة.

إن المنظر كله من ساسه لراسه منظر مضحك يذكرنا برعاة الكاوبوى الذين ليس أيسر على أحدهم، كلما كحََّ كاحٌّ أو تننح متنحنحٌ حوله، من انتزاع المسدس فى التوّ واللحظة من جيب سرواله المنتفش كسراويل البمبوطية عندنا (فى الانتفاش فقط كما لا أحتاج إلى القول) وتدويره مرتين أو ثلاثا فى الهواء ثم تفريغه فى كرش الكاحّ أو المتنحنح مرة واحدة دون إحم ولا دستور فينسدح على الأرض لا يحطّ منطقا. ولم لا؟ أليست هذه أمريكا يا ويكا؟ لكنى أحمد للكاتب أنه لم يجعل محمود يلفّ المسدس فى الهواء قبل إطلاقه، وإلا كانت واسعة حبتين، وهو أعقل من ذلك!

وما دمنا قد وصلنا إلى الأخلاق الفكتورية فكيف واتت المؤلفَ نفسُه على أن يُنْطِق كاثرين بالحديث المستفيض عن مضاجعة زوجها لها فى الفراش مع حرصها الشديد على تحديد مدى توفيقه فى الأمر؟ وإن لم يذهب فى ذلك إلى المدى الذى يذهب إليه فلان فى رواياته، تلك الروايات التى تقطر سائلاً منويًّا على الدوام، وهو ما أنصح معه القراء أن يشطفوا تلك الروايات قبل أن يلمسوها كيلا تتلوث أيديهم وأذواقهم، وإن كنت موقنا أنه لن يبقى منها بعد الشطف شىء، وهذا أفضل، إذ ليس فيها إلا المنىّ، وهو ما دفعنى إلى أن أسمى هذا اللون من الكتابة بــ”الكتابة الاستمنائية”، ولا إلى المدى الذى امتدت إليه كتابات ذلك القصاص الآخر الذى يرى من قرأوه أنه لا نظير له بين من يمسكون القلم عندنا فى تقمص شخصية المأبون واستبطان مشاعره أثناء دَعْكه وهَرْسه حتى ارتبط اسمه فى أذهانهم بهذا الضرب من الشذوذ لبراعته فى تصويره بجميع دقائقه وأسراره: أصواتا وحركات وملابس ومشاعر وتفكيرا وتخطيطا من جانب المفعول فيه للإيقاع بالفريسة، علاوة على الجو الذى يمارس فيه شذوذه وطريقة معاملته لمن ينزلون على رغبته ويرضونه هذا الإرضاء الشاذ المنتن اللعين، مع نفحات من الشاعرية تحاول تحلية الأمر ورسم صورة وردية له فى مخيلة القراء كما يؤكد أولئك العارفون، ولا إلى المدى الذى بلغه الثالث خريج التأهيل المهنى فى حكاياته التى مسح فاروق عبد القادر بها الأرض فى كتابه: “فى الرواية العربية المعاصرة” وأشار إلى ما صنعه صاحبها فيها من تجميع لكل ألوان الشذوذ الجنسية العفنة التى تقلب المعدة قلبا، ومنها تصويره بتلذذ غريب لأَيْرٍ بلغ من الطول أكثر من متر ونصف بحيث إذا جلس صاحبه الأبله تحوَّى كالثعبان، علاوة على ضخامة عدد الأخطاء اللغوية الأولية التى لا أدرى كم كانت ستبلغ لو لم تمرّ بقلم المصحح اللغوى فى طريقها إلى المطبعة. ويكفى هذا الآن، ولا داعى للتعرض إلى فضيلة الفاروق فى “تاء الخجل” أو سلوى النعيمى فى “برهان العسل” مثلا، فإن ما صنعه كاتبنا بالقياس إلى هاتين الكاتبتين يرشحه بكل جدارة إلى أن يكون من أولياء الله الصالحين.

والآن إلى بعض ما قالته كاثرين: ونبدأ بهذا النص الذى تصف فيه كيفية ممارستها الجنس مع زوجها السابق الأيرلندى، الذى تقارن بينه فى الفراش وبين محمود زوجها الحالى المصرى: “فى المرات القليلة التى طارحنى فيها الحب كان يتصرف كأنه يقدّم لى خدمة عظيمة، خدمة يتعجل الانتهاء منها. لم أكتشف جسدى فى الحقيقة إلا مع محمود بعد المحاولات الفاشلة مع مايكل. عرفت مع محمود أن ممارسة الحب لحظة خارقة يحلق بها جسدان معا خارج مدار العالم إلى نعيم يكاد يكون جديدا فى كل مرة، وكأن تلك الشهقة الأخيرة هى ميلاد جديد أو بعث جديد. شىء لم أعرفه أبدا مع مايكل، يختلف تماما عن لزوجة العرق والاشمئزاز وتوتر الجسد المتعطش إلى الارتواء وارتياحه مع ذلك للخلاص من عذاب الاشتباك الذى لا يفضى إلا إلى التقزز من النفس ومن شريك الفراش” (ص26). ونثنّى بتلك السطور التى ترسم فيها ما فعلته هى وزوجها فى الخيمة فى إحدى الليالى وهما فى طريقهما مع القافلة إلى سيوة: “وفى تلك الليلة، فى الخيمة، ضاجعنى محمود أو ضاجعته أنا بحرارة ولهفة نشبع جسدين من مجاعة طالت، حريصَيْن مع ذلك ألا نصدر أى صوت. لكن الأصوات التى نكتمها تزيد من توتر الجسدين واندفاعنا مشدودين ليغوص كل منا فى جلد الاخر يَنْشُد الخلاص ولنغوص معا فى مهد الرمل الناعم. بداية لا بأس بها فى الواحة” (ص56).

ثم هذا شىء مما قاله محمود فى ذات الموضوع، والكلامُ عن الأيام الأولى لهما فى الواحة: “لماذا أنا منشرح الصدر هذا الصباح فى هذا الحر، وبعد التهديد الذى أعرف أنه حقيقى؟ هل كان ذلك ببركة حلم؟ لا يمكن أن يكون بفضل كأسَىِ الويسكى اللتين شربتهما فى المساء. كنت أُعَوِّل على الويسكى لاحتمال الوحدة فى هذه الواحة، وأحضرت معى من القاهرة ذخيرة كافية من الصناديق. لكنى الآن أشرب أقلّ فأقلّ. لماذا؟ ربما هو الحر الشديد الذى يصدنى عن الشراب، وربما هو غياب النديم. لا شراب بدون نديم، وأنا لا صاحب لى فى هذا البلد أنادمه، وزوجتى لا تشرب. لكن كاثرين نفعتنى مع ذلك ونفعتُها فى أيامنا وأسابيعنا الأولى فى هذا البلد. لم يكن لكل منا سوى الآخر وسط جو العداء والعزلة الذى فاجأتنا به البلدة. بعد ساعات العمل نبقى وحيدين معا، وأمامى كأسى، نثرثر فى أى موضوع. لكن شيئا يبدأ كالعادة فى ذهنى: أنظر إليها متأملا جسدها الذى أعرف كل مواطن جماله، أسترجع تفاصيله وأتخيل ملمس بشرتها وعناق جسدينا فيتضرج وجهها وتبتسم وأنا أحدّق فيها بتلك النظرة الطويلة التى تفهمها جيدا. واستنفدنا بالفعل خلال أسابيع كل طاقة العشق قبل أن يستبد بى السأم. لكن كاثرين استمرت تبحث فى قلق لا ينتهى عما يمكن أن يطيل عرسنا الصحراوى. فى ليالٍ تقترب منى وأنا أشرب كأسى فى هدوء وملل لا يخفى عليها، تندس فى حضنى وتغمرنى بالقبلات فى وجهى وفى رقبتى بعصبية وسرعة إلى أن تستثيرنى بالفعل وتخرجنى من همودى، وفى ليالٍ أخرى تتوسل إلىّ أن أكون ناعما ورقيقا، تتحسس صدرى ببطء شديد بأصابع عمياء وتريد أن تقود هى المعاشرة فأرفض وأمارس العشق على هواى كما تعودت فأُخْضِعها تماما فى الفراش. وأظن رغم تذمرها أن ذلك يرضيها ويمتعها مثلما أرضاها منذ بدء علاقنا. لكن التعود والإسراف استنزفا كل محاولاتها ومحاولاتى لابتكار متع جديدة، فاستقر الأمر على لقاءات غير مدبَّرة فى بعض الليالى لا فى كل ليلة كما كان الحال” (ص79- 80). اشكر ربك يا أبا حنف، ولا تكن طماعا، فبالشكر تدوم النعم!

وبعيدا عن الأخلاق الفكتورية المنافقة تُرَى هل هناك امرأة يخطر لها أن تكشف ما يدور بينها وبين زوجها فى الفراش على الملإ بهذه الطريقة بالغة ما بلغت من الفجور وانعدام الحياء؟ وهو ما نأخذه على الزوج أيضا ولكن بدرجة أعلى، إذ تبلغ به الوقاحة، وهو المصرى من أبناء القرن التاسع عشر، أن يشنف مسامعنا بمثل ما شنفتها به كاثرين! قد يتحدث الرجل فى مثل هذه الموضوعات ويتباهى بما صنعه إذا كان الأمر يتعلق بممارسته الجنس مع إحدى العاهرات مثلا، أما مع حليلته فلا أظن ذلك سَجِيسَ الليالى (حلوة “سجيس الليالى” هذه)!

وأيا ما يكن الحال فلماذا يظن كثير من الروائيين الآن أنه لا بد لهم من تضمين أعمالهم المشاهد الجنسية حتى لو لم يكن هناك أى دافع للمس هذه الموضوعات؟ أهى ضريبة لا مناص لهم من تأديتها؟ لكن أين تلك الحكومة التى تقتضى الأدباء مثل تلك الضريبة؟ ألا يرى القراء أن الأمر هنا أشبه بمناظر الرقص الشرقى قديما، ومناظر العرى الفراشى هذه الأيام فى أفلامنا؟ إننى بعد أن قرأت الرواية لا أجد سببا لذلك، وأرى أن الكاتب قد اختلق الأمر اعتسافا ولم يقنعنا أنه قد نما نموا عضويا من خلال وقائعها وتصرفات شخصياتها.

لقد كان للكاتب مندوحة، لو أصر مع ذلك على فتح هذه الصفحة رغم عدم حاجة الرواية لها كما قلت، أن يلجأ فى سرد أحداث روايته إلى ضمير الغائب حتى لا يضع بطليه فى هذا الحرج، الحرج الفنى على الأقل، إذا كان الحرج الأخلاقى والذوقى مما لا يشغله، ولا أظن، فقد أجمع الأصدقاء الذين سألتهم، وإن كانوا قلة قليلة لكنهم يعرفونه عن شىء من القرب، أنه رجل دمث. وقد لاحظت ذلك حين اتصل بى أخى الأصغر من مرسى مطروح قبل مباراة القمة (التى لا علاقة لها بالقمم) بين الأهلى والزمالك مساء أمس (الخميس 23 إبريل 209م) ونبهنى إلى أن هناك برنامجا يذاع الآن من دريم 2 يستضيف الأستاذ الكاتب، وذلك لمعرفته أننى مشغول هذه الأيام برواية “واحة الغروب”، التى ضربنا أكباد الإبل (لا إبل ولا يحزنون، بل هكذا جرت القافية رغم أننا كنا نركب سيارة لم نضرب شيئا فيها طوال الطريق ولا حتى الزمارة) بسببها يوم الجمعة الماضية أنا وابن خالى وهو وابنتاه الصغيرتان اللطيفتان (هَدِيل وهَمْس. يا سلام على الأسماء! هكذا ينبغى أن تُسَمَّى البنات، وإلا فلا) حتى وصلنا إلى واحة سيوة على مبعدة نحو ثمانمائة وخمسين كيلومترا من القاهرة حيث أعمل وأسكن، فصلينا الجمعة هناك وألحقنا بها العصر، مع القَصْر، فسارعت إلى القناة المذكورة لأجد حوارا بين مذيع برنامح “الطبعة الأولى” والأستاذ طاهر تابعت كثيرا منه فتنبهت، فى حدود ما شاهدت، فأنا لم أر الرجل فى التلفاز ولا سمعته فى المذياع قبل ذلك، إلى صحة ما وصفه به من سألتهم عنه، فهو هادئ يقول رأيه فى الأوضاع الثقافية الحالية بصراحة ولكن على هِينة، ويذكر أساتذته من المدرسين والكتّاب بود وإجلال، وإن لم أوافقه مطلقا على ما قاله فى حق كتاب “مستقبل الثقافة فى مصر”، الذى أرى أنه يعمل على تدمير هويتنا الحقيقية ويحيلنا إلى ذيول لأوربا نقلدها تقليد القردة والببغاوات فى خيرها وشرها وحلوها ومرها دون عقل أو فهم على عكس ما قاله الأستاذ طاهر، أما سائر ما ذكره مما تابعته فيه إلى أن تحولت عن دريم 2 إلى دريم 1 من أجل مشاهدة “مباراة القمة” التى لا علاقة لها كما قلت بأية قمة، إذ هى مباراة متوسطة كالرواية التى بين أيدينا، فأتفق معه فيه تماما. وأنا آسف أنى غيرت القناة، لكن عذرى أننى قلما أشاهد التلفاز هذه الأيام، اللهم إلا إذا كانت هناك مباراة مرتقبة كمباراتنا هذه يصورها لنا المحللون الرياضيون العباقرة على أنها فتح الفتوح، ثم تنجلى الأمور عن مجرد عَكٍّ كروى كما هو الحال فى كثير من الأحيان، ويضيع الأمل الذى كنت أعلقه عليها إذ أتوقع أن تزيل ما أعانيه من إحباط وملل بسبب الركود الذى يخيم على كل شىء حولنا.

لكننى لاحظت بكثير من الأسف أنه فى الحلقة الثانية من البرنامج بعد ذلك بأسبوع، وكان أخى الأصغر هو أيضا الذى لفتنى إليها حين كنت فى زيارته بمرسى مطروح، لم يذكر الإسلام من قريب أو بعيد على مدى ثلثى الساعة الأخيرين، وهما الجزء الذى شاهدته، رغم أنه كان يتحدث عن النهضة الحديثة فى مصر، إذ بدا وكأنه يتحدث عن شعب لا هوية له ولا علاقة له بدين محمد، اللهم إلا حين ذكر “الجماعات الإسلامية الإرهابية”: هكذا نَصًّا، وكأن رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده وقاسم أمين ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد، الذين أورد أسماءهم فى ذلك السياق لم يكونوا مسلمين أو لم ينطلقوا فى دعواتهم الإصلاحية من منطلق الإسلام. وهو أمر غريب جد غريب! أيظن البعض أنهم بهذه الطريقة المضحكة يستطيعون استبعاد الإسلام من ضمير الشعب وعقله وقلبه؟ إنهم إذن لواهمون!

كذلك لا أدرى السبب فى أن كل الروايات التى قرأتها عن علاقتنا بالغرب تنحو نحو الجنس بوصفه الميدان الذى يلتقى فيه الطرفان من خلال علاقة بين شاب عربى مسلم وفتاة أوربية: حدث هذا فى “قنديل أم هاشم” و”عصفور من الشرق” و”الحى اللاتينى” و”موسم الهجرة إلى الشمال”… إلخ. هل الحياة منحصرة فى العلاقة بين الرجل والمرأة فقط بحيث لا يمكن أن يكون بيننا وبين الغربيين اتصال إلا فى هذا المجال؟ وهل ممارسة الجنس مع الفتيات الغربيات هى السبيل إلى انتصارنا عليهم؟ إن كثيرا من شبابنا قد نالوا وطرهم من البنات الأوربيات والأمريكيات هنا وهناك وفى كل مكان: زنا أو زواجا، ومع هذا لا نزال مهزومين منهم مضروبين بالمراكيب القديمة التى يأنفون من ارتدائها ويخصصونها لإهانتنا، وما زالت بلادنا خانعة لهم لا تستطيع أن تفتح فمها بكلمة اعتراض على ما يصنعونه بنا، بل إن بعضها تحتله جيوشهم! ولقد سبق أن فتح العرب والمسلمون بعض بلاد أوربا من قبل، ولكن عن غير طريق ممارسة الجنس مع نسائهم، بل عن طريق التفوق الخلقى والعقيدى والسلوكى والعلمى، ثم انقلب الميزان وغزا الغربيون بلادنا بعد هذا، لا عن طريق الممارسة الجنسية مع نسائنا، بل عن طريق العمل الدءوب والتخطيط الطويل والتقدم العلمى والصناعى والتفوق الاقتصادى والعسكرى، ثم حدث بعد ذلك عدوانهم على أعراضنا لا قبله ومرّغوا كرامتنا فى الأرض.

ثم إن هناك موضوعات وأوضاعا وظروفا أخرى يمكن استلهامها فى ذلك النوع من الروايات كما هو الأمر مثلا فى حالة إدوار سعيد الأستاذ الجامعى الذى كان يتعرض فى عمله بأمريكا لمناوءات عنيفة من أعداء العروبة، وكما فى حالة مالك بن نبى أيام أن كان يَنْشُد العلم فى باريس طبقا لما كتبه فى “مذكرات شاهد القرن” وسجل لنا كل ما مر به من تجارب وتعرض له من ضغوط سياسية، وكما فى حالة محمد حسين هيكل وما اعتراه من تغير فكرى وعقيدى وسلوكى بمجرد أن وضع  قدمه هو وزملائه على أرض فرنسا كما جاء فى كتابه: “مذكرات الشباب”، الذى ظل مخطوطا قرابة قرن منذ كتبه فى فرنسا أوائل القرن العشرين إلى أن طُبِع فى مصر فى نهايته، ويجد القارئ تحليلا مفصلا له فى كتابى عن هيكل، وكما فى حالة سميرة موسى عالمة الذرة المصرية التى اغتالوها فى الولايات المتحدة منذ عشرات السنين، وكذلك الدكتور يحيى المشد، الذى اغتالوه فى باريس، والدكتور سعيد سيد بدير العبقرى الذى كان متخصصا فى صناعة الصواريخ، والذى قُتِل بإلقائه من شرفة منزل أقاربه فى الإسكندرية، والدكتور أشرف مروان صهر جمال عبد الناصر، الذى أُلْقِىَ به هو أيضا من شرفة شقته فى لندن وما قيل من كلام كثير عن دوره فى مكافحة الجاسوسية الإسرائيلية أو عمالته للكيان الصهيونى. ولدينا أيضا كتاب “تخليص الإبريز فى تلخيص باريز” لرفاعة الطهاوى، الذى لم يكد يترك شاردة ولا واردة مما خبره فى فرنسا فى بداية الربع الثانى من القرن التاسع عشر دون أن يسجله فى ذلك الكتاب، وكتاب الشدياق المشابه: “كشف المخبَّا عن فنون أوربا”، وما وقع لمنصور فهمى فى أثناء بعثته إلى باريس فى أوائل القرن العشرين من كتابة رسالة يهاجم فيها الإسلام والنبى هجوما جريئا لم يسبق لمسلم أن فعله… وهذه كلها، وهى مجرد أمثلة سقتها كيفما اتفق، موضوعات روائية رائعة لمن يريد أن يكتب عن صراعنا مع الغرب. لكن الغالب على رواياتنا فى هذا السياق هو انتحاؤها للأسف منحى جنسيا، وكأن الدنيا ليس فيها سوى الجنس، والجنس وحده، وكأننا سننتصر على الغرب بأعضائنا التناسلية. ألا إن هذا لَضِيقُ أفق سخيف!

ومثله فى ضيق الأفق والسخف ما ألاحظه على كثير من الطلاب المتدينين، ومعظم الطلاب هذه الأيام متدين بمعنى من المعانى، من أن الدين عندهم محصور فى الصلاة وما أشبه. وبطبيعة الحال لا يوجد مسلم ينكر الأهمية الشديدة لهذه الشعيرة، إلا أن الخطورة كل الخطورة فى أن نظن أنها كل شىء. ولهذا ترانى أكرر على مسامعهم دائما لدرجة أصبحتْ تُمِلّنى أنا قبل أى شخص آخر أن العبادات وحدها لا تكفى لا فى إحراز الدنيا ولا فى نجاة الآخرة، وأن هناك إلى جانب الصلاة العلمَ والجِدّ والعمل وغزارة الإنتاج والتعاون والإتقان والإبداع والنظافة والنظام وسلامة الذوق واللياقة والحرص على الوقت والتفكير فى الآخرين، وبخاصة الضعفاء منهم، واتخاذ أسباب القوة والتفوق، وأنه لا يصلح تدين لا يزجر أصحابه عن تحويل قاعة المحاضرات مثلا إلى زريبة يقزقَز فيها اللب ويُبْصَق قشره على الأرض وتُلْقَى أكياس الشيبسى وبقايا الشطائر وأكواب الشاى وصفائح الكوكاكولا وأعقاب السجائر فى كل مكان دون أدنى مبالاة بالنظافة أو الذوق، أو إلى بيمارستان يكاد الإنسان يفقد فيه عقله من شدة الضجة وكثرة الصياح، فضلا عن الدوس بالأحذية على أنضاد الدرس انتقالا من مكان إلى مكان حتى فى حضرة الدكتور، إلى جانب انصرافهم كلهم إلا من شذ عن ذلك، ونادرٌ ما هم، عن القراءة والاستذكار والمكتبة انصرافا فظيعا ينذر بكارثة وشيكة أشنع مما نحن فيه الآن، إذ عقولهم فارغة تماما إلا من التفاهات التى لا تنشئ تحضرا ولا تقدما، فهم أقرب إلى العتاهة والبلاهة، وكلما سئلوا عن شىء فى المقرر أو فى غير المقرر كان جواب الواحد منهم فى الغالب: لا أعرف. ويا ليته يكلف خاطره أن ينطق هذه الكلمة. إنه يكتفى بهز رأسه فى بلادة كسلا منه عن تحريك لسانه. وعبثا أحاول أن أفهمهم أن الجنة مكان نظيف تسوده السكينة قد أعده الله للبشر الراقين وأن العلم سبيل مأمون إلى إحراز الجنة، وأننا إذا لم نجهز أنفسنا لها من هذا الطريق الذى وصفتُه فلن نفوز بها، وأن كل ما يفعلونه يتناقض تماما مع ما يليق بها، وعليهم من ثم أن يعيدوا النظر فى فهمهم للدين. ثم أنظر فى عيونهم لأعرف نوع استجابتهم لما أقول فلا أجد أمامى إلا عيونا خالية من التعبير كعيون السمك الميت!

من هنا ليس مستغربا على الإطلاق ما نعرفه من تخلف التعليم عندنا عنه فى كثير جدا من بلاد العالم وألا تجىء أية جامعة مصرية فى قائمة أفضل خمسمائة جامعة فى الدنيا كلها كما هو معلوم حتى للطير فى السماء. ويستحسن أن أنقل ما كتبه لبيب السباعى فى أهرام الغد (الاثنين 27 إبريل 2004م) ما قرأته لتوى تحت عنوان ” الجامعات المصرية تخرج من ذيل الترتيب العالمي لأفضل‏500‏ جامعة‏!‏”، وهذا نصه: “قبل ثلاث سنوات‏‏ جاءت جامعة القاهرة في مركز متأخر في الترتيب العالمي للجامعات‏.‏ واليوم وللأسف الشديد غابت الجامعات ومراكز البحوث العلمية المصرية والعربية جميعا من هذا الترتيب الذي يتضمن أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم‏،‏ في حين دخلته ست جامعات ومراكز بحثية من إسرائيل‏، وثلاث جامعات من جنوب إفريقيا‏.‏ ويكشف التصنيف الجديد لجامعات العالم الذي تنفرد “الأهرام” بنشره اليوم عن أن الجامعات الأمريكية احتلت ‏159‏ مركزا‏‏ حيث جاءت جامعة هارفارد في المركز الأول على جامعات العالم‏، في حين احتلت الجامعات الكندية ‏21‏ مركزا في القائمة‏،‏ والجامعات الأوروبية ‏210 مراكز‏،‏ والجامعات الآسيوية‏ 83‏ مركزا‏:‏ منها ‏32‏ للصين‏، وسبع جامعات في تايوان‏،‏ وخمس جامعات في هونج كونج‏،‏ و‏31‏ في كوريا الجنوبية‏. ‏وقد وصف الدكتور محمد غنيم العالم المصري وأستاذ الكُلَى ومؤسس مركزها العالمي بالمنصورة نتائج هذا الترتيب بالكارثة العلمية‏‏ والصدمة المتوقعة نظرا لتراجع الجامعات المصرية في مجال البحث العلمي‏ وعدم تفرغ الأساتذة لمهامهم الأكاديمية‏‏ وتواضع النشر العلمي في الدوريات المفهرسة عالميا”. ولا تعليق!

ولما كانت الجامعة تتسلم الطالب من المدرسة وتكمل ما بدأته هذه، ولما كان الطالب يأتينا فى الجامعة لا يكاد يفقه شيئا ولا يحسن استعمال عقله بل ينفر من ذلك ويرفضه ويكره كل من يدفعه إليه فإنى أقترح أن تسمى “وزارة التربية والتعليم” بدلا من ذلك بــ”وزارة التغبية والتعتيه”، أى الوزرارة التى تأخذ على كاهلها تحويل الطلاب إلى أغبياء ومعاتيه.

ولقد زعم المسؤولون عن الجامعات أنهم يريدون اللحاق بركب الجامعات المتفوقة عالميا فاخترعوا ما يسمى بــ”نظام الجودة”، وهو نظام متخلف يقوم على تسديد الخانات وإرباك الأستاذ الجامعى بالأوراق التى لا تكاد تنتهى والتى يجب عليه أن يملأها كل شهر وكل أسبوع ويكتب فيها مثلا: كم عطسة عطسها طوال الأسبوع؟ ومتى عطس كلا منها؟ وما الزمن الذى استغرقته؟ وما نوعها؟ وما الذى شعر به ساعتها؟ وما الذى شعر به عقبها؟ ثم ما الذى شعر به بعد ذلك بدقيقة ثم دقيقتين ثم ثلاث ثم أربع…؟ وهكذا دواليك حتى يخرّ من طوله مرهقا دائخا مزغلل العين مصدع الدماغ خافق القلب تكاد روحه تزهق، كل ذلك والمسكين لا يزال فى الورقة الأولى لم يُتِمّ ملأها بعد، ولن يُتِمّه أبدا، ناهيك بأن عليه أن يشتغل ضعف ما كان يشتغله قبل ذلك لأنهم أوجبوا عليه، كى يزيد مرتبه بالحصول على مكافاة التدريس للطلاب المنتسبين، أن يقسم طلاب كل فرقة قسمين: قسم المنتظمين، وقسم المنتسبين، ويكرر هنا ما قاله هناك، فى الوقت الذى لا يهتم معظم الطلاب بالحضور، فترى قسم المنتسبين مثلا لا يحضره من الثلاثمائة طالب أو نحو ذلك إلا عشرة مثلا وأحيانا أقل، بل ربما لا يحضر أحد منهم قط، ولا لوم ولا تثريب على الطلاب. المهم أن يحضر الأستاذ المحاضرة ويظل منتظرا طلابه ربع ساعة قبل أن يفكر فى مغاردة القاعة الخالية، وهو ما يحدث فى غير قليل من الأحيان.

على أن المهزلة لم تتم فصولا بعد، إذ إن نظام الجودة العبقرى يعطى للطالب حق تقويم الأستاذ. سيقول من لا يعرف الوضع: وماذا فى ذلك؟ وأقول أنا: بل فى ذلك كل ما لا يصح، فالطلاب لا يقرأون شيئا طوال العام لا فى المقرر ولا خارج المقرر… إلى أن ينتهى الفصل الدراسى ويقترب الامتحان، فعندئذ ترى الطلاب متكأكئين حول مكاتب التصوير القريبة من الجامعة لتصوير الملخصات التى عملها لهم طلاب مثلهم لا يزيدون عنهم فى شىء سوى أنهم جُرَءاء ويريدون أن يكسبوا شيئا من المال من خلال التعاون مع تلك المكاتب. أما منظر الشوارع المحيطة بتلك المكاتب فيقرف الكلب، إذ الأوراق والزبالة متناثرة فى كل مكان بحيث لا تقع العين على شىء متحضر يبعث على الراحة بالمرة. وليس يهم الطالب المصرى فى المرحلة الحالية البائسة الكريهة إلا حذف أكبر كم من صفحات المقرر ثم لا شىء يشغله بعد ذلك حتى إن بعض الفكهين ليقول ساخرا ولكن جادا فى ذات الوقت: إن هذا الطالب يعبد إلها من ثلاثة أقانيم: كيف “أحفظ” هذا الكتاب؟ وما الجزء المحذوف من المقرر؟ وعلى أى نحو ستأتى الأسئلة فى الامتحان؟ يقول هذا منذ اليوم الأول فى الفصل الدراسى حتى قبل أن نقول: “يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم”. أما السؤال فى العلم فكلا وحاشا لأنه رجس عنده من عمل الشيطان، والعياذ بالله!

وهذه الأسئلة تذكّرنا بما كنا نسمع من الشيخ الذى يقوم بتلقين الميت عقب دفنه، إذ يقف ويلقى خطبة عصماء يطرح عليه فيها، وهو واقف عند قبره، ونحن صامتون ساكنون كأن على رؤوسنا وأكتافنا ورموشنا الطير، وهو ماض فى تلقينه أجوبة الأسئلة الثلاثة المهمة التى لو نجح فى الجواب عليها دخل الجنة، وإلا فإلى الجحيم. وهذه الأسئلة هى: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك الذى متَّ عليه؟ أما الإجابة التى يلقنها الشيخ للميت، أو بالأحرى: يغشّشه إياها حتى ينجح فى الامتحان، فهى: الله ربى، ومحمد نبيّى، والإسلام  دينى، وأنا عشتُ ومتُّ على قول “لا إله إلا الله”، فنضج كلنا بالشهادة معه، فيطير الطير الواقف على رؤوسنا وأكتافنا ورموش عيوننا. أمثل ذلك الطالب يُعْطَى الحق فى تقويم الأستاذ، وهو الذى لا يعرف فى معظم الأحيان كيف يكتب جملة مفهومة؟ ثم إن هذا الطالب لا يبالى بأى شىء إلا بأن يحذف له الدكتور أكبر قدر من المقرر وينجّحه ويعطيه درجة عالية ويوفر له وظيفة تدر عليه دخلا شهريا شهيا دون أن يحرك ساكنا، ولا مانع عنده أن يعطيه الدكتور عروسا فوق البيعة وشقة مؤثثة، وليذهب كل شىء بعد هذا “إلى حيث ألقت رحلها أُمّ قَشْعَمِ”! فيا لها من جودة! وكل هذا كوم، ومطالبة الأستاذ بأن يرفق بكراريس الإجابة بعد تصحيحها نموذج إجابة كوم آخر. إى والله! ولك أن تتصور ما سوف ينتهى إليه حال الأستاذ الجامعى بعد قليل من غباء وعته هو أيضا ليحقّ عليه رَأْىُ الجاحظ، الذى كان يؤكد أن كثرة معاشرة أصحاب الكتاتيب للصبيان الصغار تؤثر على عقولهم وتجعلهم حمقى مثلهم. أَنْعِمْ وأَكْرِمْ!

“حُكِيَ عن الجـاحظ أنه قال: ألفتُ كتابا في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفُّل، ثم رجعتُ عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك الكتاب، فدخلتُ يوما مدينة فوجدتُ فيها معلّمًا في هيئة حسنة فسلمتُ عليه، فرد علىّ أحسن رد ورحب بي، فجلستُ عنده وباحثته في القرآن، فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته بالفقه والنحو وعلم المنقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الأدب. فقلت: هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكِتَاب. قال: فكنتُ أختلف إليه وأزوره. فجئتُ يوما لزيارته، فإذا بالكتاب مغلق ولم أجده. فسألت عنه، فقيل: مات له ميت فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء. فذهبتُ إلى بيته وطرقتُ الباب فخرجتْ إليّ جارية وقالت لي: ما تريد؟ قلت: سيدك! فدخلتْ وخرجتْ ثم قالت: باسم الله (أي تفضل). فدخلت إليه، وإذا به جالس، فقلت: عظَّم الله أجرك. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. كل نفس ذائقة الموت. فعليك بالصبر. ثم قلت له: هذا الذي تُوُفِّيَ لك، وَلَدُك؟ قال: لا. قلت: فوالدك؟ قال: لا. قلت: فأمّك؟ قال: لا. قلت: فزوجتك؟ فال: لا. فقلت: وما هو منك؟ قال: حبيبتي. فقلت في نفسي: هذه أولى المناحس. فقلت: سبحان الله. النساء كثير، وستجد غيرها. فقال: أتظن أني رأيتها؟ قلت في نفسي: هذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقتَ من لم تر؟ فقال: اعلم أني كنت جالسا في هذه المكان وأنا أنظر من الطاق، إذ رأيت رجلا عليه بُرْدٌ وهو يقول:

يا أم عمـرو، جزاكِ الله مكرمةً * رُدّي عليّ فؤادي أينما كانــا

لا تأخذين فـؤادي تلعبين بـه * فكيف يلعب بالإنسان إنسانـــا؟

فقلتُ في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيــا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر. فعشقتُها، فلما كان منذ يومين مَرَّ ذلك الرجل بعينه وهو يقول:

لقد ذهب الحمـــار بأم عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمــارُ!

فعلمتُ أنها ماتت فحزنتُ وأغلقتُ المكتب وجلستُ في الدار. فقلتُ (والكلام للجاحظ): يا هذا، إني كنتُ ألفت كتابا في نوادركم يا معشر المعلمين، وكنتُ حين صاحَبْتُك عزمتُ على تقطيعه. والآن قد قَوَّيْتَ عزمي على إبقائه، وأول ما أبدأ بك”.

ولنعد الآن بعد هذا الموشَّح الذى لن يسمن ولن يغنى من جوع لأننا نحن العرب والمسلمين فى الواقع لا نريد إصلاحا ولا نطيقه: لا الشعوب ولا الحكومات، بل كل ما نحن بارعون فيه هو الطبل والرقص وشغل الثلاث ورقات رغم تتالى الكوارث فوق رؤوسنا جميعا، نعم لنعد إلى موضوعنا فنقول: وحتى حين يكون هناك داع إلى إدارة العمل الروائى حول المحور الجنسى فهل هناك موجب قاهر لا يمكن الفكاك منه يلزمنا بــ”التفعيص” فى الأمر والدخول فى التفصيلات المقيّئة؟ إن الجنس شىء جميل وشهى دون أدنى شك، اللهم إلا لدى المنكوسى الخلقة، علاوة على أنه هو السر فى امتداد الحياة، إلا أن جماله وجاذبيته إنما يكمنان أكثر ما يكمنان فى بقائه حيث هو من وراء ستار، وإلا باخت المسألة وعَرِىَ عما فيه من فتنة واستحال شيئا مقززا. وعلى كل فالإسلام يأمر بالاستتار فى هذه المسائل، ويدين تهييج الشهوات وإضرام نيرانها لأن هذا أمر مخيف العاقبة كما هو معروف، إذ يعين على إشاعة الفاحشة ويشجع الناس على مواقعة الزنا. سيقال: كأنك إذن لا ترى أنه ينبغى الفصل بين الأدب والأخلاق؟ وسأجيب على هؤلاء وأولئك بأننى فعلا لا أفصل بين الأمرين ولا يمكن أن أفكر فى ذلك. لماذا؟ ببساطة: لأن الحياة لا تفصل بينهما، بل لا يوجد شىء فى الدنيا منفصلا عن غيره، فالاقتصاد مثلا لا ينفصل عن الأوضاع الاجتماعية ولا عن الأوضاع الصحية ولا عن الأوضاع الثقافية ولا عن الأوضاع الخلقية ولا عن الأوضاع الدينية… إلخ، والحياة كالأوانى المستطرقة كل ميدان من ميادينها يتصل بالميادين الأخرى ويأخذ منها ويعطيها ويتأثر بها ويؤثر فيها.

وليس من العقل ولا من المعقول أن تؤمن أمة من الأمم بمجموعة من القيم الخلقية وترى أنه لا بد من التمسك بها، ثم تترك فى ذات الوقت من يعمل على تجريف تلك القيم وتدميرها بحجة أن الأدب يعلو ولا يُعْلَى عليه، وكأن الأدب إله مطلق المشيئة لا يُسْأَل لا هو ولا من يبدعونه عما يفعلون. إن وضعا كهذا لهو انفصام فى الشخصية، ولا يقبل الانفصام فى الشخصية شخصٌ سوىّ. والحقيقة أن من يقولون بأنه لا ينبغى للأدب أن يخضع لقيم الخلق والدين إنما يريدونه أن يخضع لمجموعة أخرى من القيم لا تؤمن بها أمتهم وتراها خطرة على حاضرها ومستقبلها وشخصيتها، إلا أنهم لا يريدون أن يصرحوا بذلك فتراهم يلجأون إلى أسلوب اللف والدروان دون أن يكشفوا عما فى ضمائرهم. ثم إن الأدب ليس شكلا فنيا فقط حتى يقال إن هذا هو الشىء الوحيد المهم فيه، بل هناك المضمون أيضا، وهذا المضمون هو الأساس فى الواقع، والفن موجود فى خدمته بمعنًى من المعانى، إذ بالفن البارع نبرز ما نريد بثه بين القراء من آراء ومفاهيم وقيم. ولا يقول عاقل بإهمال الأصل من أجل الفرع رغم الأهمية الكبيرة لذلك الفرع وما يزود به القارئ من متعة عظيمة. وإذا شاء إنسان أن يرى أنه لا أصل ولا فرع هنا وأن الطرفين إنما هما وجهان لعملة واحدة، ومن ثم فكلاهما مكافئ للآخر، فليكن له ما يشاء، وعلينا فى هذه الحالة أن نقيم توازنا بين الأمرين بحيث لا نسمح للقيمة الأدبية أن تطغى على القيمة الخلقية وتعمل على حذفها، ومن ناحية أخرى لا نسمح للقيمة الخلقية أن تطغى على القيمة الأدبية الجمالية وتسعى إلى محوها فيتحول النص الأدبى إلى مواعظ فِجَّة تنفّر أكثر مما تجذب وتفتن.

هل معنى هذا أن الأمور سوف تكون “عال العال” بهذه الطريقة؟ لا بالطبع، إنما هى احتياطات تُتَّخَذ لتقليل الخسائر بقدر الإمكان، أما الأمان الكامل فلا وجود له، إذ الطبيعة البشرية طبيعة ناقصة وخطاءة. لكن هذا شىء، واختيار السبيل المعوج منذ البداية شىء آخر. إن الوظيفة التى يؤدينا مفهوم الكمال فى حياتنا هى دفعنا دائما إلى بذل أقصى الجهد المتاح، أما الوصول إلى الكمال ذاته فهذا أمر خارج القدرة، بل خارج التصور أيضا. وواجبنا هو إحراز أكبر قدر من الإيجابيات، وتجنب أكبر قدر من السلبيات.

ولسوف أسوق هنا بعض الأمثلة لتوضيح المسألة: فأما أولها فهو الأديب البريطانى أوسكار وايلد، الذى كان مصابا بداء الأُبْنَة والذى تألمتُ أشد الألم وأنا أقرأ فى ثمانينات القرن البائد الكتاب الذى ألفه عنه ابنه فيفيان هولند (Vyvyan Holland) بعنوان ” Son of Oscar Wilde ” وسرد فيه ما جلبه سلوك أبيه عليه وعلى أخيه وأمه من مشاكلَ ومآسٍ، وإن لم يكن فى كلامه عن أبيه مع ذلك ما يدل على شعوره بأى حنق عليه، بل كان متعاطفا معه حزينا من أجله. المهم أننى قرأت فى إحدى رسائل وايلد لصديق من أصدقائه نَعْتَه لمن ينكرون عليه هذا الشذوذ بأنهم “philistine“، أى ذوو فكر رجعى وذوق عامى. الله أكبر! هكذا إذن؟ فمثل وايلد حين ينادى بفصل الأدب عن الأخلاق (art for art’s sake) فهو فى الواقع لا يقصد ذلك بالضبط، بل يقصد فصله عن الأخلاق التى تدين مثل ذلك الشذوذ، وإلا فليس ثم شخص يعيش دون أن تكون له أخلاق، وقد تكون تلك الأخلاق هى أخلاق الدنس والفحش والشذوذ كما هو الأمر فى حالته. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فقد كان وايلد من أهل العصر الفكتورى، وكان يسخر من قيم ذلك العصر ومواضعاته فى مسرحياته.

وأما المثال الثانى فمن فرنسا، وهو أندريه جِيد، الذى كان يدافع فى كتاباته عن الشذوذ الجنسى والذى كان له عشيق (اسمه مارك أَلِّيجْرِيه: Marc Allégret) أخذه معه فى جولة طويلة إلى كل من بريطانيا وإفريقيا مما كان من ثمرته أن أحرقت زوجة العشيق الهارب كل خطاباته. وقد كان جِيد فى فترة من فترات حياته شيوعيا أو متعاطفا أشد التعاطف مع الشيوعية والشيوعيين، إلى أن دعاه السوفييت إلى جولة فى ربوع بلادهم أثمرت انقلابه على مذهبهم، إذ اتضحت له الحقيقة المرة وظهر له أن أمر الشيوعية إنما يقوم على الاستبداد وخنق الحريات والتنكيل بكل من يبدى رأيا مخالفا لما يقرره الحزب وقادته، فضلا عن عجزها عن توفير المطالب الأساسية للبشر بالصورة المرجوة. وأذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود، حين ثارت بينه وبين الشيوعيين فى سبعينات القرن المنصرم معركة فكرية حول الشيوعية، التى كتب يهاجمها بوصفه عالما مسلما من مهمته محاربة الإلحاد وفضحه، قد استشهد، ضمن ما استشهد، بما كتبه أندريه جِيد حول الأوهام المتعلقة ذلك المذهب والتى زالت غشاوتها من على عينيه بعد زيارته للاتحاد السوفييتى، فما كان من الشيوعيين إلا أن لوحوا فى وجهه بشذوذ جِيد وكأنهم لم يكونوا يعرفون ذلك عن جِيد من قبل ويباركونه حين كان ينافح عن الشيوعية، أو كأن الشذوذ الجنسى يمثل لهم عارا وخزيا وليس قيمة من قيمهم التى يُعْلُون من شأنها، ولكنهم يخادعون مَنْ حولهم من المسلمين ويظهرون تأففهم منها، إلى أن فضحهم منذ فترة ليست بالطويلة واحد منهم فقال إنهم يمارسون فيما بينهم ذلك النوع (القذر الوسخ مثلهم) من الشذوذ، لكنهم يتصنعون التقزز منه على سبيل التقية والنفاق. وليقرأ من شاء كتاب “بيضة النعامة”!

وثم مثال ثالث يتعلق بكُوَيْتِب شيوعى مصرى (يصوره الشيوعيون من أمثاله رغم ذلك كاتبا ذا شأن) تعرَّف فى شبابه إلى بنتٍ أُمِّيّة صائعة ضائعة من أسرة متضعضعة أبوها سكير متلاف التمّ عليها فى حوارى السيدة، ويبدو أنه اضْطُرّ إلى الزواج منها لما يقع فى مثل تلك الظروف من مثليهما. ثم انضمت الصائعة الضائعة معه إلى خلايا الشيوعيين الإرهابيين (الكارهين دين الطهر والتوحيد والممالئين ضده كل ملة ومذهب ودين: بدءًا من أديان تعبد البشر، إلى أخرى تعبد البقر، إلى ثالثة تعبد الفَرْج والحجَر، إلى رابعة لا يعتنقها إلا أشباههم من الأوباش والغجَر)، وهى خلايا يزعمون كذبًا ومَيْنًا وزورًا وبهتانًا أنها لمكافحة الطبقية والظلم الاجتماعى. ثم دخل سيادته السجن وخرج منه وهو يشك فى سلوك ربة الشرف والصيانة، وانتهى الأمر بهما إلى الانفصال مع بقائهما معا فى ذات الشقة. وبعدما مات نشرت هى كتابا تصور فيه الحب العظيم الذى كان يربط بينهما وكأنهما “المأسوف على شبابهما” روميو وجولييت. وكنت أكلم صديقى ع. ن. المذيع الشهير فى ذلك الأمر ذات مرة وجَرَّنا الكلام إلى ما سمعتُ تلك القارحة تقوله فى إحدى القنوات الفضائيات على سبيل الزراية على الرجال من أنهم لا يهمهم من المرأة إلا “نصفها الأسفل” (هكذا بنص عبارتها المهذبة التى تلفظتْ بها وهى تشير بيدها إلى أسفل جسدها على سبيل الشرح والتوضيح حتى لا يخطئ أحد من المشاهدين فهم مرادها)، فتساءلتُ قائلا: ترى هل يمكن أن تكون مثل تلك القارحة من الزهد فى الرجال إلى هذا الحد؟ فما أسرع ما جاءنى الرد من صديقى المذيع بأن زوجها الكاتب المذكور كان يأتى إليه بين الحين والحين فيأخذه من ذراعه ويغادر به مبنى الإذاعة وهو يشكو مر الشكوى من تصرفات “القــ… بنت القــ…” التى لا تحترم ما كان بينهما من زوجية وذرية، إذ تأتى بعشاقها وتضاجعهم على سرير الزوجية أثناء وجوده فى الشقة دون أى شعور بالخجل. وقد كان تعليقى: ولم هذا الاستغراب من جانبه، وهى غَرْس يده وتربيته؟ ثم ما الذى يؤلم شيوعيا مثله فى هذا التصرف؟ أليست هذه هى الأخلاق التى يبشرون بها؟ فمن الطبيعى إذن أن نسمع مثل ذينك الشيوعيين الحقيرين يصرخان نادبَيْن الأدب والفن حسرةً على محاولة الرجعيين المتخلفين الربط بين الآداب والأخلاق!

وهناك ذلك الشيوعى النصف مصرى والنصف أوربى والذى لم تكن أمه التى التقطها أبوه من إحدى العواصم الأوربية مسلمة فى الأصل، ثم أعلنت إسلامها، فظل ابنها يشكك فى إخلاصها لدينها الجديد ويبدى من صنوف الكراهية لدين محمد والكذب بشأنه ما يدل على خسة متأصلة فيه، والذى يتفاخر بما صنعه معه خادمهم فى طفولته ويصوره بالصوت والصورة والتفصيل الممل ويخبرنا بالدقة المتناهية أين وضع الخادم عضوه فى جسده وماذا شعر هو أثناء ذلك، كل هذا دون أن تفوته فائتة، فهو ينصّ مثلا على لزوجة المنىّ ونزول سرواله وهو ماشٍ فى ردهة بيتهم بعدما غسل نفسه وخرج من الحمام  وظهرت استه. لعنة الله على كل مخنث دنس يسلم زمامه لامرأة مُهَلْوَسَة مُهَسْتَرَة فاقدة العقل والدين والذوق تنادى بنسبة الطفل إلى …! هل لأنها تعرف أن أطفالها…؟ ولعنة الله على من يكره صوت الأذان ويكذب فيزعم أنه صوت إرهابى، ولا أدرى كيف يكون الأذان إرهابيا. أترى المؤذنين فى بلدتهم إذا دَعَوْا الناس إلى الصلاة صاحوا فى مكبر الصوت: هيا إلى المسجد يا جِزَم، تعالوا إلى الصلاة يا أوغاد؟ أم ماذا؟ أم لعله يريد أن يكون النداء إلى الصلاة على طريقة ذلك المأبون السابق الذى نوى أن يتوب ويُنِيب فجعل يتردد على الجوامع والزوايا للصلاة مع المصلين، ثم ثَنَّى ففكر فى أن يؤذن أيضا للصلاة حتى يأخذ ثوابا أكبر. إلا أنه حين صعد المئذنة نسى كيف يؤذن المؤذنون، فما كان منه إلا أن أسرع إلى صناجاته القديمة فى جيبه وأخرجها ولبسها فى أصابعه، “وهات يا دقّ!” وهو يقول: “يا حبايبْ ربِّنا! تَعَا صلُّوا عندِنا!”؟ وليس المقصود عند هؤلاء وأشباههم الفصل بين الأدب والأخلاق كل الأخلاق، بل الفصل التام (أو الموت الزؤام) بين الأدب وبين الخلق الكريم فحسب! أما أخلاق “الصياعة والضياعة” فمرحبا بها وأهلا وسهلا! وهذه هى الحقيقة العارية دون أية تزاويق!

على كل حال فهناك غرائز أخرى غير الجنس لها ذات الأهمية أو أهمية متقاربة، ومع هذا لا أحد من هؤلاء الذين يزعجوننا بدفاعهم عن الإكثار من وصف عملية الجماع واللَّغْوَسَة فيها فكَّر يوما فى اتخاذها موضوعا لقصصه، كتناول الطعام والإخراج مثلا، واللذة فيهما ليست باللذة الصغيرة. إن كل ما أذكره فى هذا المجال لا يعدو منظرا فى بعض الأفلام يركز المصور آلته على فم بعض الطاعمين فيكون الأمر مقززا، وهو فلم “خرج ولم يعد” حين تلبثت الكاميرا بعض الوقت عند حشر إحدى الممثلات فمها بما لذ وطاب من الطعام ومضغها إياه وهى تتكلم أثناء ذلك مما أثار تقززى، أو ما قرأته لفتحى غانم فى رواية “الجبل” عن تحلق الكبار من رجال قرية القرنة بالأقصر فى دائرة بالخلاء عند قضاء حاجتهم وتبادلهم الرأى فى قضاياهم ومشاكلهم أثناء ذلك، ولكن دون أن يَفْرُط من الكاتب ما يستفز الذوق السليم، أو ما كتبه جيمس جويس عن صديقة لزميل له كانت تتبول فى قصرية بالغرفة التى كانا يسكنانها، فخرج منها ريح له صوت، فما كان منه إلا أن أطلق على ذلك: “موسيقى الغرفة”، أو ما كتبه يحيى حقى عن المعاناة التى كان يقاسيها أحد الكلاب وهو يخرج برازه الجاف بتوتر شديد وصعوبة بالغة وكأن أحدهم يشد البراز الجاف من استه بكماشة، أو كما قال.

ومن النقاط التى أريد أن أتناولها كذلك فى الرواية لما له من صلة بما نحن فيه تلك الطريقة التى لجأ إليها المؤلف لسرد أحداث روايته. وهى طريقة لست أذكر أننى قابلتها لدى أحد من الروائيين من قبل، وإن كنت لا أستطيع الزعم بأنه ابن بَجْدَتها، بل كل ما هنالك أننى شخصيا لا أعرف أحدا صنع صنيعه هذا قبلا. وتتلخص هذه الطريقة فى أنه أسند سرد الرواية لعدة أشخاص بالتناوب: فمحمود يسرد أحداث الفصل الأول، وتتلوه كاثرين فتسرد أحداث الفصل الثانى، ليأتى الشيخ يحيى حاكيا أحداث الفصل الثالث، ثم يعود السرد إلى محمود فى الفصل الرابع…، وإن لم تكن هناك خطة واضحة لهذا التناوب، مع التنبيه إلى أن لمحمود وكاثرين نصيب الأسد بين الساردين. بل لقد أسند المؤلف السرد ذات مرة إلى الإسكندر الأكبر على مدى فصل كامل رغم أنه، بطبيعة الحال، ليس من الشخصيات الفاعلة، بل ليس من الشخصيات الحية فى الرواية، إذ الرواية تدور كما نعرف فى أواخر القرن التاسع عشر، والإسكندر قد مات وشبع موتا منذ دهور. أما كيف تم هذا فهو ما سوف نعرف الجواب عليه بعد قليل.

وقد سمى بعضهم هذه الطريقة بالسرد من خلال وجهة نظر الــ”third person limited“، ولا أدرى السبب فى تسميته إياها بهذا الاسم إلا أن تكون هى الحذلقة، التى كثيرا ما قادت أصحابها إلى المعاطب. ذلك أن الطريقة المتبعة فى السرد هنا ليست هى ما زعمه ذلك المتحذلق. وكى يعرف القارئ خطأ تلك التسمية أسوق له تعريف هذا المصطلح كما وجدته فى مادة “third person limited point of view” بموقع “aout.com“، ومادة “Narrative mode” بموسوعة الـ”ويكيبيديا: Wikipedia“، ومادة “third person limited point of view” بموقع “aout.com“، ومادة “third person limited narration or limited omniscient ” بموقع www.ask.com، ومؤداه أنه طريقة لسرد أحداث رواية من الروايات يطَّلع فيها الراوى على أفكار شخصية واحدة فقط من شخصيات العمل القصصى ومشاعرها، بخلاف باقى الشخصيات، التى يرصدها من الظاهر فحسب. فهذه الطريقة إذن أوسع حرية من طريقة الراوى الذى يستخدم ضمير المتكلم، إلا أنها أضيق نطاقا من طريقة الرواى العليم بكل شىء.

وهذه ثلاثة من التعريفات المشار إليها فى نصها الإنجليزى:

“Third person limited point of view is a method of storytelling in which the narrator knows only the thoughts and feelings of a single character, while other characters are presented externally. Third person grants a writer more freedom than first person, but less than third person omniscient”, “An omniscient narrator has omniscient knowledge of time, people, places and events; a limited narrator, in contrast, may know absolutely everything about a single character and every piece of knowledge in that character’s mind, but it is “limited” to that character–that is, it cannot describe things unknown to the focal character”, “Even when an author chooses to tell a narrative through omniscient narration, s/he will sometimes (or even for the entire tale) limit the perspective of the narrative to that of a single character, choosing for example only to narrate the inner thoughts of that one character. The narrative is still told in third-person (unlike first-person narration); however, it is clear that it is, nonetheless, being told through the eyes of a single character. A famous example of this form of narration is James Joyce’s “The Dead” (in Dubliners). A narrative can also shift among various third-person-limited narrations”.

وكانت الرواية العربية، ومن قبلها الرواية الغربية، قد عرفت سرد الأحداث من خلال عدة شخصيات كل منها تحكيها كاملة من وجهة نظرها، فنسمع من س مثلا كيف وقعت الأحداث هنا وههنا، وتصرفت فى الموقف الفلانى أو العلانى هذه الشخصية أو تلك. حتى إذا فرغت الشخصية الساردة من حكاية الرواية استأنفت شخصية أخرى سرد كل شىء ووصف كل مكان وكل شخص من جديد. ثم تتلوها شخصية ثالثة، ثم شخصية رابعة، وخامسة إن أراد الكاتب ذلك، لنحصل بهذه الطريقة على عدة روايات للقصة الواحدة، باعتبار أن كل شخصية تعطينا رأيها هى وحدها، الذى يتفق مع رأى غيرها من الشخصيات فى بعض الأشياء ويختلف معها فى بعض الأشياء الأخرى. وبهذا يكون عندنا تصورات متعددة لأحداث الرواية وشخصياتها، وهو ما يضمن أن يجىء فهممنا لها أفضل، ورؤيتنا لها أوضح وأكثر غنى وعمقا. ذلك أن السارد العليم بكل شىء إنما يقدم لنا أحداث الرواية وأبطالها من خلال عيون لا يغيب عنها شىء، إلا أنها إنما تقدم ذلك على نحو قاطع ونهائى لا يقبل نقضا ولا إبراما، أما السارد المتحيز، وهو السارد الذى يستعمل ضمير المتكلم، فهو يعطينا ما يعطيناه من خلال عيون محدودة وعلم ضيق، إذ هو لا يعرف من الرواية إلا ما كان موجودا أثناء وقوعه. ولهذا فكلما تعدد الرواة الذين من هذا النوع كان ذلك أقمن أن يجلِّىَ الأمور أحسن.

ومن هذا الضرب من الروايات فى الأدب العربى الحديث “ميرامار” لنجيب محفوظ”، و”الرجل الذى فقد ظله” لفتحى غانم، و”الظلال على الجانب الآخر” لمحمود دياب. ومعروف أن السارد العليم بكل شىء هو سارد بارد لا يبالى بما يقع، بل يؤديه كما هو دون أن يكون له موقف أو عاطفة أو رأى. إنه مجرد واصف لا يُسْمَح له بالتدخل فيما يرويه. إنه يروى وكفى، بخلاف السارد المتحيز، الذى يكون منغمسا فى الرواية يتأثر بما يشاهد من وقائع وبما يسمع ويرى من شخصيات، كما يؤثر فى هذا كله بدوره، ويكون سعيدا أو متألما، راضيا أو غاضبا… إلخ. وما صنعه الأستاذ المؤلف يجمع بين الـحُسْنَيَات الثلاث على ما بدا لى للوهلة الأولى، إذ هو يرينا أحداث الرواية وشخصياتها من عدة زوايا، فكأننا قد رأيناها من كل أوضاعها، أىْ رؤيةً تقارب رؤية الراوى العليم بكل شىء وكل شخص، إلا أنه لا يعيد رواية القصة كلها من جديد فى كل مرة، بل يخصص كل شخص من الرواة لسرد بعض الفصول بحيث يأخذ الواحد منهم الدور من سابقه فيكمل ما قال، بادئا من حيث انتهى، بدلا من أن يعيد كل ما قيل كَرّةً أخرى.

إلا أن معاودة النظر فى هذا الأسلوب الفنى يرينا عنصرا لا نتنبه له فى البداية، ولا بد من أخذه فى الحسبان، وعندئذ يتغير الرأى فى أسلوب السرد. ذلك أن سرد الرواية على ذلك النحو يقتضى أن يكون هناك تنسيق بين الرواة، وإلا فلم يحكى شخص من الأشخاص فصلا من الفصول ثم يسكت ليتقدم شخص آخر فيلتقط خيط السرد من حيث تركه؟ لا يمكن القول إنهم اتفقوا على ذلك من أنفسهم، إذ كان كل منهم حريصا، فى بعض الأحيان وفى بعض الشؤون فى أقل تقدير، على ألا يعرف كل طرف من الأطراف الأخرى ما يفكر فيه لمناقضته مصلحة تلك الأطراف أو لتعارضه مع ما تريد، بخلاف ما كان عليه الحال مثلا بين رواة “حكايات كانتربرى” (The Canterbury Tales) لجيفرى تشوسر (Geoffrey Chaucer)، إذ كانوا مجموعة من المسافرين زهاء ثلاثين ميممين وجوههم شطر كاتدرائية كانتربرى لزيارة قبر توماس بيكيت، وكانت العلاقة بينهم ودودة دافئة لا يتربص أحد منهم بالآخر، فاتفقوا على أن يحكى كل منهم أربع حكايات قطعا للوقت على أن يحصل صاحب أحسن حكاية على مكافأة.

ترى هل يمكن الزعم بأنه كان من الممكن قيام اتفاق بين محمود وكاثرين، وهما أقرب شخصيتين رَوَتا الأحداث، على أن يقول كل منهما ما قاله فى حق الآخر من أنه أصبح يمله ويضيق به ذرعا أو أنه قد شعر بكذا وكذا لدن مجامعته مثلا، مما هو كفيل بجرح كرامته وإغضابه، وربما دفعه أيضا إلى الانفصال عنه؟ هل يصح القول بأن الكاتب هو الذى رتب هذا بينهم؟ إن هذا أسوأ وأضل سبيلا، لأنه بدلا من اطّلاعهم هم فقط على تلك الأسرار التى ألمعنا إليها سوف يشاركهم الكاتب فى ذلك. وفوق هذا فمن المعروف أن الكاتب عليه أن يخفى نفسه تماما فى مثل هذه الحالة فلا نحس بوجوده، فكيف يتدخل إذن فى أمر الشخصيات ويدبر لهم أمورهم؟

ثم عندنا الإسكندر، الذى تحدّث بدوره وروى هو أيضا بعض الأشياء كسائر الشخصيات. من نفسه، ولم لا؟ ولكن! نعم ولكن هناك أشياء لا بد من تسجيلها على كلام الإسكندر: أولا كيف تكلم الإسكندر، وقد مات وشبع موتا منذ دهور كما قلنا؟ أقرب شىء إلى العقل أنه لم يتكلم على سبيل الحقيقة، بل ظهر لكاثرين فى المنام. هذا ما فهمته فى البداية، إذ لا يمكن أن يكون المؤلف قد فكر فى إعادته إلى الدنيا على أى وضع من الأوضاع لأن الموتى لا يعودون إلى الحياة قبل يوم النشور. وأما أن الشخصية التى ظهر لها فى المنام هى كاثرين فذلك ظاهر من حديثه إلَى مَنْ أقلقه فى مضجعه البرزخى (حسب وصفه له تقريبا) بحثا عن حقيقة أمره وموضع قبره. ومن يكون ذلك الشخص سوى كاثرين، التى إنما جاءت إلى سيوة برفقة زوجها، وفى نيتها البحث عن قبر القائد الإغريقى هنالك؟ ثم اتضح من كلام كاثرين بعد هذا أنه فعلا حلم من الأحلام.

ولكن، وهذه هى الملاحظة الثانية، كيف يمكن أن تكون الأحلام بهذا التنظيم وتتالى الأفكار وتماسكها بحيث لا يتخللها أية ثغرات، فضلا عن ترتيبها هذا الترتيب الشديد الإحكام؟ إن المنامات فى مثل تلك الظروف تكون أقرب إلى الهلوسات منها إلى الترابط والوثاقة. وثالثا هناك تناقضات غير مفهومة فى كلام الإسكندر: منها مثلا قوله فى البداية إنه لا يستطيع حيث هو أن يرى أحدا من أهل الدنيا أو يحس شيئا من أمورها، ومع هذا نراه يشعر بكاثرين ويقول لها إنها قد أتت تبحث عن بعض الأمور المتعلقة به. صحيح أنه فى البداية يقول إنه لا يعرف نوع الشخص الذى أتى يقلقه فى رقدته، إلا أنه سرعان ما يضيف أنه يحس بأنها امرأة لا رجل لأنها ملحاح كالنساء. إذن فهو يشعر ويفهم ويفكر ويستنتج، إلى جانب مقدرته على استرجاع أحداث دنياه بجميع تفصيلاتها المهمة واستطاعته تحليل شخصيته الدنيوية ومعرفة دوافعها التى كانت تحركها، وهذا يناقض ما سبق أن قاله من أنه لا صلة بينه فى البرزخ وبين الدنيا التى تركها خلف ظهره منذ أحقاب. فكيف يستوى هذا وذاك؟ أما الملاحظة الرابعة فمؤداها أنه، فى الوقت الذى يتشكك فى كل ما عرفه واعتقده فى الدنيا، يردد ما كانت أمه تقوله له من أنه نصف إله ونصف بشر، وأن الإله الثعبان قد لدغها (حلوة “لدغها” هذه أيضا!) فحملت به بعد أن تكور فوق بطنها الأبيض ثم تخللها، فضلا عن أن حاكما وقائدا عالميا كالإسكندر لا يمكن أن يكون هذا الكلام المضحك هو سبيله نحو تعريف نفسه إلى كاثرين، وبخاصة بعدما انجابت عن عينيه غشاوات الدنيا التى كانت توهمه أنه فعلا ابن سلالة الآلهة، إن كان حقا قد آمن من قلبه بذلك يوما. لقد شك مثلا فى ألوهية آمون وفى صحة الوحى الذى سمعه الكاهن فى معبد سيوة والذى على أساسه تُوِّج إلها، فكيف ظل يردد هذاالسخف عن نسبه الإلهى، وبخاصة أنه يعرّى سوأة أمه فى تلك الأثناء؟ وقبل كل هذا لقد كان المفروض أن ينشغل الإسكندر عن كل هذا بالعماء البرزخى الذى هو فيه، هذا العماء الذى شبه نفسه خلاله بالسمكة العمياء التى تسبح فى محيطٍ لانهائىٍّ ماؤه قاتم السواد، والذى يغلب على خاطره أنه مملكة هاديس حيث تعيش الأرواح الشريرة. وخامسا كيف استطاعت كاثرين بعدما استيقظت أن تتذكر كل هذا على كثرته وتشابكه وبنفس ترتيبه وإحكامه؟ بل كيف أخذت الأمر مأخذ الجد، وكأن ما يقوله الإسكندر فى المنام شىء يعوَّل عليه، فسجلته لنا بكل تفاصيله؟ وهل هناك حلم يستغرق كل هذا الوقت بحيث يحتاج تسجيله إلى عشرين صفحة (ص105- 124)؟ وإلا فمن الذى حكى لنا هذا المنام؟ وإذا كانت هى التى سجلته، وليس هناك إلا هذا الافتراض، فكيف فات المؤلف أن يوضح ذلك وترك الأمر غفلا من ذكرها، وكأنها لا علاقة لها به؟ كما يرى القارئ فالأمر قلق مزعج.

ومع ذلك لا ينبغى أن نمر دون أن نقول كلمة عن النفحات الشاعرية التى تسطع من بعض المواضع فى هذا الفصل والتى تكتسب قيمتها من استقلالها عن الرواية لا من التحامها بها. إنها ممتعة فى ذاتها لا بوصفها جزءا من العمل. ومثل هذا الأمر يقع كثيرا فى الأعمال القصصية والمسرحية، كما هو الحال فى بعض الأشعار التى تتضمنها مسرحية “مجنون ليلى” لأحمد شوقى، وكما هو الحال أيضا فى بعض الصفحات المبكية التى أبدعتها ريشة طه حسين فى قصة “المعتزلة” (من مجموعة “المعذبون فى الأرض”)، وتزلزلنى فى كل مرة أقرأ بعض فقراتها على طلابى الذين يدرسون معى المجموعة القصصية المذكورة، مع الفارق لصالح الدكتور طه بطبيعة الحال. إنها من الصفحات التى حلق فيها قلم الدكتور طه عاليا عاليا عاليا رغم ما أرى من ضعفه الشديد فى الفن القصصى. إلا أن قيمة تلك الصفحات تكمن فيها هى ذاتها باعتبارها صورة قلمية لا فى كونها جزءا من قصة تلك المرأة.

وهذه هى الأبيات التى اقتُطِعَتْ من مسرحية أمير الشعراء ولحنها وغناها، بإبداع ليس بعده مندوحة لسموقٍ آخرَ، المطربُ محمد عبد الوهاب بعنوان “جبل التوباد”، أنقلها هنا للقارئ وأنا أصغى الآن إلى تسجيل لها نزّلتُه لتوى من المشباك كى أكتب عنها كتابة نابعة من أعماق قلبى فأشعر بها روعةً تتدفق من الكوثر العلوى وتطير بى إلى فوق بعيدا بعيدا عن هذا الإزعاج الذى يجثم بكَلْكَلِه السمج على كل جوانب حياتنا فى مصر:

جبلَ التَّوْبَاد، حيّاك الـحَيَا *  وسقى الله صبانا ورَعَى!

فيك داعبْنا الهوى في مهده *  ورَضَعْناه فكنتَ المرضِعا

وعلى سفحكَ عشنا زمنا * ورعينا غنم الأهل معا

وحَدَوْنا الشمس فى مغربها * وبَكَرْنا فسبقْنا المطلعا

هذه الربوة كانت ملعبا * لشبابَيْنا وكانت مرتعا

كم بنينا من حصاها أَرْبُعًا * وانثنينا فمحونا الأَرْبُعا!

وخططنا فى نَقَا الرمل فلم * تحفظ الريحُ ولا الرمل وَعَى

لم تزل ليلى بعينِى طفلةً * لم تزدْ عن أمسِ إلا إصبعا

ما لأحجارك صُمًّا كلما * هاج بِى الشوقُ أَبَتْ أن تسمعا؟

كلما جئتُك راجَعْتُ الصِّبا* فأَبَتْ أيامه أن ترجعا

قد يهون العمر إلا ساعةً  *  وتهون الأرض إلا موضعا!

أما الصفحات التى خصصها الدكتور طه لأم تمام فى قصة “المعتزلة” فتحكى قصة أسرة قروية بائسة تتكون من أم عجوز قبيحة شديدة القِصَر متلاشية الصوت، قد فقدت بعض أسنانها وانحنى أعلاها على أسفلها على نحو بشع جعلها أقرب ما تكون إلى العجماوات، وإذا مشت خُيِّل للناظر أنها كرة تتدحرج على الأرض، تجمع روث البهائم من الطرقات وتصنع منها أقراصا تجففها وتبيعها وقودا تستعين بثمنه على ضروريات الحياة، وولدين يشتغلان فى بناء الأكواخ يوما وينقطعان أياما، وبنتٍ فى نحو الثالثة عشرة يتصارع فى وجهها وملامحها القبح والجمال ولا تشتغل بشىء. وكانت هذه الأسرة رغم فقرها المدقع ورثاثة حالها تعتصم بكرامتها فلا تمد يدها إلى أحد ولا تقبل معونة من أحد مما أكسبها احترام الناس وكراهيتهم معا. ولنترك المؤلف نفسه يحكى لنا قصتها: “كانت أم تمام قصيرة مسرفة فى القِصَر، منحنية مسرفة فى الانحناء، همّت قامتها أن ترتفع فى الجو فلم تستطع أن تستقيم، وإنما انعطف أعلاها على أسفلها كأنها خُلِقَتْ لتلتصق بالأرض التصاقا. وكانت من أجل ذلك أشبه بذوات الأربع منها بالإنسان ذى القامة المعتدلة والقَدّ المستقيم، وكانت من أجل هذا إذا مشت خَيَّلَتْ إليك أنها تتدحرج كما تتدحرج الكرة. وكان مشيها بطيئا رفيقا، فكان يشبه حركة الكرة عندما تخفّ عنها قوة الدفع فتضطرب مبطئةً تسعى إلى السكون. وكان صوت أم تمام نحيلا ضئيلا، وكانت قد فقدت بعض أسنانها، فكان صوتها النحيل الضئيل يستحيل إذا تكلمت إلى هواء خافت لا يكاد السامع يتميّز حروفَه إلا بمشقة وجهد

ولم تحاول أم تمام قَطّ ولم يحاول أحد من بنيها قَطّ الاتصال بالناس إلا حين كانت الضرورة المُلِحّة تضطرهم إلى ذلك اضطرارا، فقد كانوا يحتاجون أحيانا إلى أن يشتروا الطعام ليقيموا أَوَدهم. وكانت أم تمام تحتاج أحيانا إلى أن تبيع، فقد كان يعرض لها فى بعض الوقت أن تخرج إلى الطريق الزراعية العامة، وأن تلتقط من هذه الطريق رَوْث البقر والجاموس تقطعه قِطَعًا متقاربة وتجففه على سقف بيتها وتتخذ منه وقودا لتطبخ إن أُتيح لها الطبخ، وتبيع فَضْله بين حين وحين لبعض نساء القرية بالقروش أو بعض القروش توسِّع بذلك على نفسها وبنيها. ولم يخطر، فيما أعلم، لأحد من المُوسِرين ولأهل الدارين اللتين كانتا تكتنفان بيتها أن يَبَرّوا هذه الأسرة بقليل أو كثير من الخير، لا لأن الموسرين كانوا يبخلون بالمعونة على الذين يحتاجون إلى المعونة، بل لأنهم فى أكثر الظن قد همّوا أن يَبَرّوا هؤلاء الناس فردّوا أيديهم فى شىء من التعفف الذى لا يُحَبّ من الفقراء، فكفَّ الموسرون عن محاولة الرفق بهم والتوسيع عليهم فى الرزق… وكذلك نظر أهل القرية إلى هذه الأسرة على أنها أسرة ثقيلة سمجة ليست منهم وليسوا منها فى كل شىء. وكان أهل القرية مع ذلك يتحدثون فيما بينهم عن هؤلاء الناس فى إشفاق كثير لا يخلو من سخرية، وربما يقسو، إن أمكن أن يكون الإشفاق قاسيا، فيشتمل على شىء من شماتة. كانوا يَرَوْنَ هذين الغلامين يحتملان أشد العناء وأشق المشقة ليكسبا القروش القليلة فى بعض الأيام، ويتساءلون كيف تعيش هذه الأسرة من هذا الكسب القليل. وكانوا يَرَوْنَ هذين الغلامين وقد بَلِيَتْ ثيابهما فكشفت عن مواضع من الجسم من حقها أن تُسْتَر، ورُقِّعَتْ حتى ملَّت الترقيع. وكانوا يَرَوْنَ سعدى فى أسمالها البالية فيرحمون هذا الصِّبا النَّضْر فى هذا الغشاء المبُْتَذَل ويقول بعضهم لبعض: لولا الكبرياء لأصاب هؤلاء الناسُ عيشا أرقَّ رِقّةً وأرفه لينا…

ويُلِمّ الوباء بالقرية فيما يلم به من المدن والقرى، ويفجع الناس فى أنفسهم وأبنائهم وذوى قرابتهم ومحبتهم، وتكون أم تمام فى طليعة الذين يفجعهم الوباء، فهو يختطف ابنيها فى أقل من خمسة أيام، وهى مع ذلك هادئة ساكنة مطرقة بجسمها كله إلى الأرض، لا يرتفع لها صوت بالإعوال، ولا ينخفض لها صوت بالنحيب، وإنما هى مقيمة فى بيتها، وقد آوت إليها ابنتها كأنما تنتظران أن يُلِمّ الوباء بهما ويختطفهما كما اختطف الغلامين. ولكن الوباء قد أرضى حاجته من هذا البيت فهو لا يعود إليه، فإذا طال انتظار أم تمام له فى غير طائل نظر الناس فإذا أطوارها قد تغيرت من جميع جوانبها، وإذا حياتها قد بُدِّلَت تبديلا، فهى لا تألف بيتها ولا تحب الاستقرار فيه، وإنما تمسك فيه الصبيّة وتحرّج عليها أن تخرج منه، وتنطلق هى مع الشمس المشرقة لتعود إلى بيتها وابنتها حين ينشر الليل ظلمته على الأرض، ويسعى الموت والمرض مستخفيين إلى البيوت. كانت أم تمام تخرج من بيتها حين تشرق الشمس ملففة فى شقتها السوداء مطرقة بجسمها كله إلى الأرض فتقف أمام بيتها وقفة قصيرة تستقبل الغرب وترفع رأسها فى تكلف شديد إلى السماء، وتمد بصرها أمامها ثم تلتفت إلى يمين وإلى شِمَال تجذب الهواء بأنفها جذبا كأنما تحاول أن تتنسم رائحة الموت تندفع إلى يمين أو إلى شِمَال، ثم لا يراها الناس أثناء النهار كله إلا فى دار من هذه الدور التى ألم بها الموت وقام فيها المأتم يندين ويبكين. وكانت أم تمام تصل إلى هذه الدار أو تلك فلا تقول لأحد شيئا ولا تلقى إلى أحد سمعا، وإنما تقصد المأتم الباكيات وتجلس حيث ينتهى بها المجلس، لا ترفع صوتا بإعوال ولا تخفض صوتا بنحيب. لا تلطم وجهها ولا تخمش صدرها ولا تصنع صنيع أحد من النساء، وإنما تجلس ساكنة منعطفة على نفسها كأنها قطعة من صخرٍ سُوِّيَتْ على عجل ونُحِتَتْ فى غير نظام، وفاض من عينيها دمعٌ غزير غير منقطع كأنه بعض تلك الينابيع الضئيلة التى يتفجر عنها الصخر فى الجبال. حتى إذا بلغت حاجتها من البكاء فى هذه الدار تركتها إلى دار أخرى ثم إلى دار ثالثة. وما تزال كذلك حتى ينقضى النهار، لا تكلم أحدا ولا يكاد يكلمها أحد، ولا ترد على الذين يكلمونها رجع الحديث.

أكانت تبكى ابنيها أم كانت تبكى أبناء تلك الأسرة التى كانت تلم بها أم كانت تبكى صرعى الوباء جميعا أم كانت تبكى نفسها وابنتها بين الذين لم يصرعهم الوباء؟ وكيف كانت تعيش؟ وكيف كانت تتيح لابنتها الصبية أن تعيش؟ لم يستطع أحد أن يعرف من ذلك قليلا ولا كثيرا. لم يحاول أحد أن يعينها، ولم تحاول هى أن تستعين بأحد، وإنما أنفقت أيام الوباء تتنسم ريح الموت حين يُسْفِر الصبح، وتسفح دموعها فى منازل الموت أثناء النهار، وتعود إلى بيتها وبنتها حين يُقْبِل الليل. وتنجلى غمرة الوباء، وتخرج أم تمام من بيتها مع الصبح أياما وأياما فتستقبل بوجهها الغرب تتنسم ريح الموت فلا يحملها إليها النسيم، فترجع أدراجها وتدخل بيتها وتغلق من دونها الباب، ولا يراها النهار إلا حين تخرج مع الصبح لتتنسم ريح الموت!

ويراها أهل القرية ذات يوم قد خرجت قبل أن يرتفع الضُّحَى، وأخذت بيد ابنتها وجعلتا تسعيان فى بطء نحو الغرب، فيقول بعضهم لبعض: “هذه أم تمام قد ملَّت البطالة وسئمت السكون وشَقَّ عليها وعلى ابنتها الجوع، فخرجتا تلتمسان الرزق وتبتغيان من فضل الله”. ولكن النهار لا يكاد ينتصف حتى يأتى نفر من الفلاحين يحملون جثة قد شاع فيها الموت، وجثة أخرى تمتع على الموت امتناعا، قد رأَوْا أم تمام تغرق نفسها وابنتها فى القناة الإبراهيمية، فأسرعوا إلى استنقاذهما، ولكن الموت سبقهم إلى الشيخة وسبقوه هم إلى الصبية. وتصاب الفتاة من جَرّاء ذلك بالجنون ويراها الناس دائما مشردة تسعى فى الطرقات كأنها السلحفاة، أو تعدو كأنها الأرنب ، أو جالسة إلى شط القناة تنظر إلى الماء أو تتطلع إلى المساء. وتظلّ فى حالها هذا يعطف عليها الناس مرة، ويسخرون منها مرات… إلى أن فوجئوا ببطنها ذات يوم منتفخا، فعلموا أن أحد الذئاب البشرية قد استغل بلاهتها واعتدى على عِرْضها. ثم تفرّق الأيام بين الراوى وسعدى فلا يدرى ماذا حدث لها، إلى أن يعود الوباء كرة أخرى فيتذكر أم تمام وابنتها البلهاء، وإن ظل لا يعرف من أمر الفتاة شيئا”.

أرأيتَ إلى فن الكاتب العجيب فى وصف الأم وابنتها وسرد ما وقع لهما؟ ترى كيف استطاع طه حسين، وهو الكفيف، أن يصور أم تمام فى انحنائها ومشيها وتقريصها روث البهائم وتنسُّمها ريح الموت، وهو الذى لم أجد له فى هذا الكتاب من ألفاظ الألوان تقريبًا إلا الأبيض والأحمر: الأبيض والأحمر بإطلاق؟ وكيف استطاع أن يوحى لنا بفظاعة الفقد وجوّ الموت الذى لا يرحم، وأن يتدسَّس إلى قلب أم تمام الملتاع على ولديها ويصوّرها وقد كَظَمَتْ آلامها فلم تُعْوِل بالصياح ولم تلطم خَدًّا، بل اكتفت بالبكاء الصامت وانتظار شبح الموت الشنيع، حتى إذا استبطأته بعد طول انتظار أخذت زمام المبادرة فألقت بنفسها وابنتها فى الترعة التماسًا للراحة من العناء الذى يَؤُود الظهر والفؤاد، لتموت هى وتعيش الابنة، لكنها عيشةٌ الموتُ أفضل منها آلاف المرات! كيف يا إلهى استطاع طه حسين أن يفجر الدمع على هذا النحو فى جوامد العيون؟ إنه حديث الذكريات الذى يبرع كاتبنا فى تناوله بل فى استحيائه براعةً عجيبةً قَلَّ أن يباريه فيها نظير، وهو نفسه ما صنعه فى كتابه “الأيام”، وبخاصة فى وصفه موت أخته الصغيرة ذات الأعوام الأربعة التى كانت ريحانة الأسرة، وأخيه الذى كان قد قُبِل فى صيف تلك الأيام فى بداية القرن العشرين طالبًا بمدرسة الطب، وكان يساعد الأطباء فى معالجة المصابين من أهل قريته أثناء انتشار الكوليرا فى مصر آنئذ، فالتقط العدوى من بعض المرضى، وسرعان ما اغتاله الموت بعد أن برّحت به الآلام تبريحا فظيعا، مخلِّفا حسرةً فى قلب أمه إلى آخر حياتها، وهو وصف أبكانى عندما أعدت قراءة ذلك الكتاب فى الصيف قبل الماضى، وكأن الصبيّة والفتى ابناى أنا، وكأن موتهما لم يمرّ عليه سوى أيام معدودات! وقد بلغ من قوة الأثر الذى خلّفه وصف الدكتور طه لموت أخويه أن زكى مبارك كتب فى أوائل الأربعينات يقول إنه فكر أن يرسل له برقية عزاء رغم مرور ما يقرب من أربعين عاما على وفاتهما.

وتنبع الشاعرية التى تتخلل بعض فقرات الفصل الخاص بالإسكندر الأكبر فى رواية “واحة الغروب” من طبيعة الموضوع التى تتعرض له، ألا وهو موضوع الحيرة التى تصيب العقل غير المؤمن لدن تفكيره فيما بعد الموت: على أى نحو يكون؟ وهل هناك حياة؟ وإن كان فعلى أية كيفية؟ وإنى لأرى المؤلف قد اتخذ من الإسكندر مشجبا يعلق عليه حيرة ذلك الصنف من الناس، فضلا عن إحسانه تصوير مشاعر الإسكندر حين قسا فى بعض تصرفاته وهو حاكم فقتل هذا الشخص أو أقدم على ذلك السلوك الوحشى دون مسوغ، وكذلك حين استيقظ ضميره فندم على ما فرط منه، بغض النظر عما إذا كان القائد الإغريقى قد ندم فعلا أو لا على ما اجترحه من جرائم، فهذا موضوع آخر. ومن الممكن القول بأن بهاء طاهر قد أتى بشىء جيد وسط هذا الركام الفنى، شىء له بعض العبق الزكى. صحيح أنه عبق هادئ ليس له قوة العبق الذى يسطع من قصة “المعتزلة” ولا نفاسته ولا تميزه، لكنه عبق على كل حال.

وإلى القارئ هذه السطور التى أقتطفها من الفصل المذكور، وفيه يخاطب الإسكندرُ ذلك الشخصَ الذى يعمل على إزعاجه فى مرقده البرزخى والذى يتصور أنه امرأة لا رجل كما سلف القول. وأرجو من القارئ أن يغض الطرف عن التناقضات والسذاجات المضحكة التى فى الفصل كقول القائد الإغريقى إن روحه هى التى اختارت هذه الأرض الموحشة لتهيم فيها، وكأن الإسكندر هو الذى اختار عالم البرزخ الذى يتحدث إلى كاثرين منه، وكقوله إنه لا يدرى كنه الشخص الذى يتحدث إليه: “هل هو رجل أو امرأة؟” رغم معرفته ما هو أهم من ذلك، وهى أن كاثرين تريد أن تكتشف هل قبره موجود فى معبده بالواحة أو لا… إلخ، وليركز القارئ العزيز الآن على ما فى النص من بعض نفحات الشاعرية.

يقول القائد اليونانى: “لماذا تُقْلِقين روحى التى اختارت هذه الأرض الموحشة لتهيم فيها، تلحين بالنداء علىّ من دنياكم وتطلبين شيئا لا أعرف ما هو؟ تحسبين أنى أعلم أكثر مما تعلمين؟ لا. أرواحنا بعد الموت تجوس فى الظلمة، وأنا الآن مثل سمكة عمياء لا تدرك من المحيط الواسع سوى أنها تسبح وسط ماء أسود يليه ماء مثله. هكذا أتخبط فى ظلمة من بعدها ظلمة. فهل هذا جحيم هاديس، الذى جعله اليونان مستقرا للأشرار، بينما تسبح الأرواح الطيبة فى النور مع الأرباب؟ أم هو فناء العدم للخاطئين كما وصفه كهنة المصريين؟ لا أعلم. لا أدرى. منذ غادرتُ الحياة كنت أستطيع أن أراكم أربعين يوما لا غير، ثم أطبقت الظلمة من بعدها زمنا لا أستطيع حسابه: أهو يوم أم دهر؟… لا أعلم كينونة آمون الذى ألوذ به: هل كان رَبًّا أو وهما؟ وهل كان الكاهن الذى نقل لى الوحى مرشدا يخترق حجب الغيب أو دجالا يلفق الكاذيب؟ غير أن روحى تابعت جثمانى لأسابيع وسارعت لكى أصل هنا قبل الأربعين وأرى معبد آمون لآخر مرة. أريد أن يكون هو أول ما أرى حين يشرق النور من جديد، إن كان سيشرق، لكى أعرف الحقيقة…

علمتْنى معنى العبارة التجربةُ ذاتها وأنا أقول الشعر أو أسمع الموسيقى. أخذتنى نشوة الشعر إلى عوالم تتجاوز كل ما هو محسوسٌ ومرئىٌّ حتى شعرت بأن الحـُُجُب بينى وبين المجهول توشك أن تسقط، وأن روحى ستحلق خارج جسدى لتخترق سدود العالم البارد والأصم إلى دنيا الأسرار الأزلية المتلألئة بأنوار الحقائق الخالدة. كم مرة كنت أصحو فى الليل، حتى فى وسط معارك الحروب التى لا تنقطع، لكى أقرأ فى “الإلياذة” وأستنطق شاعرها أن يفجر فى نفسى ذلك النبع الذى ارتوى منه هو! فى مرات كثيرة كان النداء يستمر أياما وليالٍ (الصواب: “ليالىَ”) بأكملها لا ينقطع فيها إنشاد الشعر وألحان الموسيقى فى البلاط حتى يظن جنودى أن قائدهم قد جُنَّ. لعلى كنت أشتاق بالفعل أن يحلّ بى الجنون، فوسط هذه النشوة كنت أنسى أرسطو وأذكر أمى، التى علمتنى أن أحدا لا يدخل مملكة الأسرار القدسية إلا فى غمار نشوة تهتك المألوف لتَلِجَ إلى المجهول. قلت لنفسى: ولكن حتى لو لم أبلغ ذلك فما أقل الأفراح فى الدنيا! حاولت أن أطيل الفرح، أنتزعه من الدنيا لكى يدوم، ولكن كان هناك دائما إسكندر آخر هو الذى ينتزعنى من الفرح، إسكندر الدم الذى يطرد إسكندر النغم. ظل هناك طول عمرى إسكندر ضد إسكندر…

وصلت واحة آمون فى صباح مبكر بعد أسبوع، وكانت شمس ذهبية كبيرة تغمر معبد وحى الإله. رأيت موكب الحجاج السائرين على أقدامهم يصعد التل، لكنى وجهت حصانى فى وثبات سريعة إلى أعلى الهضبة فوصلت قبل الجميع. خفق قلبى وأنا أنظر حولى. كل شىء جديد وغير مألوف لعينى. رأيت تحتى وسط الصحراء بحرا أخضر من النخيل وشمسا كبيرة أخرى كشمس السماء بالضبط تبزغ من نبعٍ أسفل المعبد وشموسا أخرى كثيرة تترجرج وسط البحيرات الزرقاء التى تتخلل الرمال. وأمام مدخل المعبد المزين برسوم زاهية الألوان رأيت كاهنات آمون يحرك الهواء ثيابهن الشفافة فتتموج أجنحة بيضاء حول أجسادهن الممشوقة الراقصة كأنهن على وشك أن يحلقن بعيدا وعاليا نحو تلك الشمس التى يلوحن لها بأذرع ضارعة. كن يغنين غناء خافتا لم أفهم كلماته، ولكن أصواتهن المتهدجة فى ذلك الإنشاد لم ترنّ فى أذنى كضراعة صلاة بل كمناجاة عشق. عشق لمن؟ للآلهة؟ لآمون وحده؟ لى أنا؟…

كان عدلا بعد ذلك أن أدمر تلك العاصمة (يقصد برسبوليس عاصمة دارا ملك الفرس) وأن أحرقها. ألم يحرق الفرس أثينا الجميلة دُرّة اليونان قبل قرنين من الزمان؟ لم أُصْغِ لنصائح قواد جندى ورجال بلاطى الذين اعترضوا على تدمير برسبوليس. سألونى: لماذا صفحت عن المدن الفارسية الأخرى التى استوليت عليها ورممت معابدها وكسبت قلوب سكانها؟ لماذا أدمر العاصمة وقد أصبحتْ بكل قصورها وثرواتها ملكى؟ تركتهم يتكلمون ثم رفعت شعلة قذفت بها قصر ملك الملوك وأشرت للجنود أن يفعلوا مثلى، فتأججت النيران فى القصر حتى صار كرة من الدخان واللهب أضخم من أى نار أشعلها الفرس لمعبودهم. ثم ماذا عن قربان أكبر؟ ماذا عن العاصمة بأكملها قربانا مشتعلا؟ لم يكن ذلك عدل إله (يشير إلى تنصيبه إلها فى معبد سيوه)، وإنما انتقام إنسان تسكنه الكراهية. كان أزيز الحرائق وفحيحها يغمرنى بنشوة كنشوة الخمر، فارتعت من نفسى، وتساءلت من جديد: من أكون حقا؟ من أنا؟…

وأىٌّ من آثامى يفوق ما فعلتُه فى إحدى تلك الولائم بالجندى الشجاع الذى أنقذ حياتى، كليتوس الذى ألقى بنفسه فوقى عندما سقطتُ من فوق حصانى جريحا فى بدء معاركى مع الفرس وتلقَّى فى جسده السهام بدلا منى؟ لكن الإسكندر فى تلك الوليمة كان يصفى حسابا مع فيليب أبيه الأرضى. كنت أفخر أمام جنودى بأن كل حروب فيليب وانتصاراته فى أرض اليونان لا تساوى شيئا بجانب ما حققتُه أنا فى آسيا. بل إن فيليب ما كان له أن يحرز انتصاراته اليونانية لو لم أكن أنا القائد الحقيقى لجيوشه فى الحروب التى خاضها. لماذا تدخل كليتوس بينى وبين فيليب؟ جرؤ على القول إنه لولا انتصارات أبى فى أرض اليونان لما فعلت أنا أى شىء، وإن فيليب كان يحارب هناك رجالا بحق، بينما حاربت أنا نساء فى آسيا. أُنْسِيتُ ساعتها كل شىء. لم أر أمامى كليتوس الذى أدين له بحياتى، بل عدوا ينتصر لفيليب كى يهزم الإسكندر. ثم إنه ارتكب الخطيئة العظمى. أنكر بنوّتى للإله الأعظم! قال متهكما إن مصارحته هذه لى أصدق من نبوءات أبى. فى جنونٍ اختطفت رمحا من أحد حراسى ثم طعنته فى جنبه وأنا أصرخ فى وجهه: فليرحل عنى إذن ليلقى فيليب الذى يحبه! غير أن نافورة الدم التى انبثقت من جرحه أمام عينى ولطختنى أرجعت الإسكندر الذى بعثرته الخمر كثيرا من الناس والآلهة ليصبح إسكندر (الصواب: “إسكندرًا”) واحدا. إسكندر (الصواب: “إسكندرًا”) ضائعا ومرعوبا. ظللتُ لحظة أحدق فى جثة كليتوس تنزف دمها، والرمح مرشوق فيها، أفكر: هذا صديقى، نديم لهوى، وفى القتال أشجع رجالى. لولاه لما كنت الآن حيا. هو الذى يرقد الآن قتيلا. صرعته بيدى، وبصرخة باكية انتزعت الرمح من جسده ووجهته نحو صدرى. لو أن يدى المخمورة بلغت قلبى لحظتها بالطعنة التى أردتُها لوَفَّرْتُ على نفسى أياما وسنين لم تضف سوى المزيد من الحيرة. غير أن الحراس كانوا أسرع منى فانتزعوا من يدى الرمح، وسقطتُ على الأرض برغمى. قضيت الليل كله ممددا إلى جوار الجثة أبكى كاليتوس، وأبكى مرتاعا من الوحش الذى يسكن تحت جلدى الإلهى. لم يَهَبْنى آمونُ الحقَّ فى قرابين من البشر، وإنما كان ذلك من وحى أمى أوليمبياس، التى لم تتورع عن القتل ولم تعرف الندم. أما أنا فعندما جاء الحراس ليأخذوا الجثمان من خيمتى فقد أمرت ألا يدخل علىّ بعد ذلك أحد. تمددت مكان الجثمان ثلاثة أيام لم أذق فيها الطعام ولم أبرح مكانى. ظللت مثبتا نظرى فى السماء أضرع إلى آمون والآلهة أن يجمعوا أشلائى مرة واحدة، ولو فى جثة. أدرك حراسى وحاشيتى أنى أسلمت نفسى للموت فاقتحموا خيمتى وراحوا يتوسلون إلىّ أن أنهض وأعيش، وطاوعتهم لأنى كنت أريد أن أطاوعهم، لأن لحظة الاشتهاء الحقيقى للموت لم تكن قد حانت بعد.

وكان من بينهم فى ذلك اليوم كاليستنيس زميل دراستى على يد أرسطو وابن أخت معلمى الفيلسوف. كان مؤرخ حملاتى الذى خلّد أمجادى الحربية. تضرع إلىّ أن أعيش لا لنفسى، وإنما لمجد مقدونيا كيلا يضيع. لم يَدْرِ ساعتها أنه يطلب النجاة لجلاده. توسل إلىّ أن أعيش، فعشت، وإنما لكى أقتله بعد شهور. قبضوا عليه متهما فى مؤامرة لاغتيالى، ودافع عن نفسه دفاعا بليغا كعادته وكما تعلَّم من خاله لكى ينفى عن نفسه التهمة. لكن بلاغته هى التى أكدت شكوكى، فالحقيقة بسيطة لا تحتاج إلى زخرفة الكلام. وعليه فلقد أمرتُ بقتله مع بقية المتهمين بعد تعذيبهم. ثم إنى ندمتُ من جديد بعد موته وسجنت نفسى مرة أخرى أبكيه وأبكى نفسى. وخطر لى فى وحدتى أنى حين قتلته كنت أقتل أيضا إلى الأبد أرسطو فى داخلى وصدى دروسه عن السعادة. فى العزلة التى رافقتنى فيها صورة الغلام القتيل اختفت صور الإسكندر الكثيرة ولم يبق غير إسكندرٍ واحدٍ يدرك أنه بلغ نهاية طريق. جَرّبْتُ كل شىء: النصر والمجد اللذين لم يواتيا أحدا قبلى، ولذة الحكم والسلطان: أعفو كإله، وأقتل كإله، وجربتُ نشوة الشعر والموسيقى، ومتعة النساء والخمر. فلماذا لم أصبح سعيدا؟” (ص105- 119).

بقيت فى طريقة السرد كلمة لا أحب أن تفوتنى لأهميتها، ألا وهى أن محمودا راوى الفصل الأخير قد مات فى انفجار المعبد فى نهاية الرواية. فمن يا ترى نقل لنا كلامه هذا؟ هذه نقطة ضعف شديدة فى الرواية. ولقد أذكر أننى قد أخذت ذات المأخذ على رواية محمد كمال محمد: “الحب فى أرض الشوك” فى مقال لى كنت نشرته فى منتصف الثمانينات من القرن البائد فى صحيفة “الوفد”، إذ المنطق يقول إن الموتى تندفن أسرارهم معهم. لكنّ لبعض المؤلفين منطقا آخر، منطقا أعوج، فهم لا يتنبهون إلى تلك البديهية. والطريف أن مأمور سيوة يظل يروى ما حدث حتى وهو يفجّر المعبد، بل حتى وهو يموت. أمعقول هذا؟ لكن غير المعقول قد بات معقولا على يد كاتبنا. كيف؟ هذا ما لا أدريه! إن أحدا من الناس لم يكن يعلم شيئا عما انتواه البطل من تفجير المعبد، وكذلك لم يكن أحد معه وهو فى الطريق إلى هناك، ولا كان هناك أحد حاضرا عملية التفجير… إلخ.

ولعله يكون من المفيد أن نلفت النظر أيضا إلى أن سرد كل راوٍ إنما يتعلق بما وقع له أو وقع منه أو شاهده أوسمعه قبيل سرده، فهو إنما يسرد ما يسرده أولا بأول. أى أنه لم ينتظر حتى تنتهى الرواية ثم يبدأ السرد، بل يسرد سردا طازجا فى كل مرة، أو على أقل تقدير: فى معظم الأحيان. وهذا يقودنا إلى السؤال التالى: على من كان السُّرّاد يَسْرُدون حكاياتهم؟ ومن الذى نظم الأمر بحيث يتتابعون على النحو الذى تتابعوا به فى سردهم؟ وما فلسفة هذا كله؟ لكن للأسف لا جواب على شىء من هذه الأسئلة!

أما بالنسبة إلى لغة الكاتب فرغم ما سمعته منه فى حلقتى التفاز المذكورتين عن تفوقه المبكر فى مادة “اللغة العربية” وثناء أساتذته فى المدرسة على كتاباته، ورغم ما فى لغته من سلاسة وانسيابية وما هو واضح لديه من رغبة فى التجويد والتجميل، ثَمّ أخطاء فى الرواية لا أعرف السبب فى وقوعه فيها، أو على الأقل: فى عدم تنبهه لها بعد وقوعها منه، وإن لم تكن بالكثرة ولا بالشناعة التى نجدها عند آخرين. وهذه مجرد أمثلة على ما أقول. وكنت قد كتبت قائمة بعدد من تلك الأخطاء فى صفحة من صفحات الــ”ورد”، إلا أنها ضاعت وضاع أيضا معها كل ما كنت سجلته من ملاحظات فنية على الرواية. وعبثا حاولت على مدى ليلتين استرداد ما ضاع، ولا أدرى أين ذهب هذا كله. وكان علىّ أن أعتمد على الذاكره ومراجعة الرواية من جديد فى كل شىء أكتبه هنا. ومن ثم أكتفى الآن ببعض ما سقط فيه المؤلف من غلطات لغوية واضحة تمام الوضوح، مثل “لا بد وأنى مبسوط” (ص10. والصواب حذف حرف الواو بعد “لا بد”)، “مُحْنِيًا رأسه” (ص18. والصواب: “حانيًا”)، “مُوَلِّيًا وراء ظهرى الخيمة والواحة المهجورة” (ص42. والصواب: “مُوَلِّيًا ظهرى الخيمة والواحة المهجورة”)، “أليس غريبا أن كل حديث عن ضريح الإسكندر فى الإسكندرية والذى كان أشهر معالمها ومقصد زوارها قد انقطع فجأة بعد القرن الرابع؟” (بزيادة واو قبل “الذى”، بين النعت ومنعوته، وهو ما لا يصح. وأنا أسمى هذه الواو بــ”الواو اللعينة”/ ص102)، “كان النداء يستمر أيامًا وليالٍ بأكملها” (ص108. والصواب: “ليالىَ” عطفا على ظرف الزمان: “أيامًا”)، “غير أن نافورة الدم التى انبثقت من جرحه أمام عينى ولطختنى أرجعت الإسكندر الذى بعثرته الخمر كثيرا من الناس والآلهة ليصبح إسكندر واحدا” (ص118. والصواب: “ليصبح إسكندرًا واحدا” بتنوين “إسكندر” تنوينَ التنكير، وهو التنوين الذى يدخل على أسماء الأعلام فى مثل هذاالسياق ليدل على أن الإسكندر المذكور هو إسكندر مجهول غير محدد)، “أهى طلقة المدفع… أو هو سجن الشيخين؟” (باستخدام “أو” مع همزة الاستفهام، والصواب استخدام “أم” بدلا منها، أما “أو” فتختص بمصاحبة “هل”/ ص186)، “همستْ فى أذنى…: إن من الأفضل أن أصحب وصفى على العشاء حتى ترتاح فيونا” (والصواب: “أصطحب”، إذ المقصود أن يُحْضِر المأمور مرؤوسه وصفى ليتعشى فى بيته/ ص191)…

أما قوله: “قتلوا المأمورين نفسيهما” (ص21) فلا أريد أن أخطئه استنادا إلى أن النحويين يقولون إن الضمير المؤكِّد فى حالة التثنية هنا لا يُثَنَّى بل يُجْمَع، فنقول: “قتلوا المأمورين أنفسهما”، لأن المؤلف، وإن خرج على القاعدة هنا، فقد خرج على قاعدة شبه مجهولة، ومن ثم كان له عذره، كما أنه بخروجه هذا قد رجع إلى الأصل. وهذا يذكّرنى بردى على من خَطَّأَ أمامى قولنا مثلا: “الكتاب الواحد والعشرون” متحججا بأن الصواب هو “الحادى والعشرون”، إذ كان جوابى أن “الواحد” هى الأصل، أما “الحادى” فمنقلبة عن ذلك الأصل. وظللت أنقب فى بطون الكتب المبسوطات حتى عرفت أيضا أن من العرب من كان يقول: “الرجل الواحدَ عَشَرَ”، بل كان هناك من يقول فى العدد أيضا: “واحدَ عَشَرَ رجلا”.

ولست أقصد بهذا الإحصاء إلى التقليل من شأن أسلوب المؤلف، فليس هذا من غايتى، بل كل ما أريده أن تظل لغتنا محترمة يُعْمَل لها ألفُ حساب وحساب، وهذا لا يكون إلا بمثل تلك المراجعات التى أحتاجها أنا أيضا كما يحتاجها أى صاحب قلم. وكُلُّنا فى هذه الحالة يكمّل كُلَّنا، إن صح هذا التعبير الذى افترعته الآن، والذى قد ينتشر، وهو ما أريده وأتمناه، وربما لا يجد طريقه إلى الشيوع. ولكى يتأكد القارئ من حسن نيتى أصرح له بأننى حين قرأت قول الكاتب على لسان كاثرين: “فأسرعتُ خطوتى” خطر لى للتو ما يغلب على الذهن من أن الفعل: “أسرع” فعل لازم، لا متعدٍّ كما استعمله الكاتب هنا. لكنى كعادتى قلت لنفسى: فلنفتح المعاجم لنتأكد من هذا. وفى “تاج العروس” وجدت الزبيدى يتعرض لهذه النقطة بعينها وكأنه كان معى على ميعاد، إذ كتب أن ابن جنى كان يرى أنها تأتى متعدية مثلما تأتى لازمة. ثم ساق الزبيدى حديثا منسوبا للرسول عليه السلام استُعْمِل فيه هذا الفعل متعديا فى سياق يكاد يكون هو السياق الذى نحن فيه. يقول الزبيدى: “واستعمَلَ ابنُ جِنِّي “أَسْرَعَ” مُتَعَدِّيًا، فقال (يعني العرب): فمنهم من يَخِفُّ ويُسْرِعُ قَبُولَ ما يَسْمَعُه. فهذا إمّا أن يكون يَتَعَدَّى بحرفٍ وبغيرِ حرفٍ، وإمّا أن يكونَ أرادَ إلى قَبُولِه، فَحَذَفَ وأَوْصَلَ. ومنه الحديثُ: إذا مَرَّ أحَدُكم بطِرْبالٍ مائلٍ، فليُسْرِعِ الـمَشْيَ”. وإنى لأشكر الكاتب أن أتاح لى باستعماله ذاك مراجعة هذه المعلومة وتحريرها. وبالمناسبة فــ”الطربال” هو الجدار العالى المائل أو القطعة المشرفة من الجبل وما أشبه.

وبالمناسبة أيضا أود ان أوضح للقارئ العزيز أنه قد غبر علىّ وقت كنت أظن أن اللغة العربية تتميز، فيما تتميز به عن الإنجليزية، بأن الأفعال التى تستعمل لازمة ومتعدية معا أفعال نادرة جدا عندنا على عكسها عند الإنجليز، مثل: “to meet, to change, to move, to pass, to sell, to drop…“، التى تعنى على التوالى: “يقابل- يتقابل، يغيّر- يتغير، يحرك- يتحرك، يمر- يمرّر، يبيع- يباع، يَسْقُط- يُسْقِط…”، وكنت أتصور أنها لدينا لا تعدو فعلَىْ “زاد” و”نقص” تقريبا، لكن لما اتسعت معارفى اللغوية وازداد تنقيرى عن أسرار اللغة تبين لى أن هذا الضرب من الأفعال أكثر مما تصورت فى البداية، ومنه: “سكب” (أراق وانسكب) و”عصم” (حمى واحتمى) و”هلك” (هلك وأهلك) و”رجع” (عاد وأعاد) و”أعدم” (افتقر وأفقر) و”دان” (أصبح مدينا لغيره وأدان غيره)…

وهناك من كتبوا عن الرواية فذكروا دورها فى محاولة إقامة جسر من التفاهم بين الشرق والغرب على اعتبار أن كاثرين تمثل ذلك الغرب، فيما يمثل محمود الشرق. فأما محمود فهو زان عربيد يشرب الخمر، وإن مر عليه وقت كان يصلى فيه ويشارك فى حلقات الذكر فى شبابه، ولكنْ دون تدين قوى، بل مجاراة لما حوله فقط، مع نوبة صحو حادة بين الحين والحين الآن لدقائق قليلة يغتسل فيها وينخرط فى الصلاة باكيا ثم ينجاب كل شىء. وهو على النقيض من كاثرين، التى لا تشرب الكحوليات ولا تطيق زوجها حين يسكر، وتتعلق بالزواج وترى فيه واحتها التى تمدها بالظل والأمان. فأين الشرق فى تجاليد شخصية كهذه؟ وأما كاثرين فأيرلندية، ومن ثم لا تتكبر ولا تفكر فى استغلال الشرق ولا تكرهه، أو المفترض أنها كذلك. وقد ذكرت الرواية هذا فى البداية حين ظن محمود أنها إنجليزية فعاملها بجفاء، لكنها أفهمته أنها، وإن كانت بريطانية، ليست فى الواقع إنجليزية بل أيرلندية مظلومة، لأن أيرلندا بلد تحتله جيوش الإنجليز مثل مصر. نعم ونعام عين، لكنها مع ذلك غربيّة فى نهاية المطاف، وأيرلنديتها لا تَجُبّ غربيتها، بل تظل هذه الغربية كامنة تحت الرماد إلى أن توافيها اللحظة المناسبة فتتوهج وتتلظى وتحرق. وانظر إلى ما ذكرته هى نفسها عن أبيها، الذى علَّمها حب الشرق، فهى تقول إن الشرق الذى كان يحبه إنما هو شرق الماضى، شرق التاريخ، أما الشرق الحى فينبغى تجنبه. ومن هنا ما كان له أن يرضى عن زواجها من محمود كما أكدتْ: “لو كان (أبى) حيا الآن لرأى فى كل ما يحدث لى مع محمود (تقصد بدواته ونزواته وصراحته معها فيما يتعلق بمن كان وما زال يعرفهن من نساءٍ غيرها بحجة أنه لا يستطيع الكذب وأن المشكلة هى جسده الظامئ دوما للنساء، وتألمها منه بسبب ذلك) عقابا أستحقه. ما كان ليوافق أبدا على هذا الزواج من الأصل، وهو الكاثوليكى الغيور، مع أنه أول من علمنى أن أحب الشرق وأعشق آثاره. نعم أثار فضولى بالذات إلى ما تركه اليونان والرومان من آثارٍ ما زالت مجهولة، ولكن بالطبع بشرط أن أبقى بعيدة عن ناس الشرق الأحياء. هم فقط مستودع التاريخ. يجب أن أتذكر دائما أننى أيرلندية وكاثوليكية”. ليس ذلك فقط، بل إن أمها أيضا لتنفر من هذه الزيجة كنفور أبيها (ص22).

وعلى أية حال فإن الرواية لا تعطينا الأمل فى قيام تفاهم بين الشرق والغرب، إذ قد خبا الحب المشتعل الذى كان يربط كاثرين بزوجها وتحوَّل كل شىء إلى ملل وضيق وتباعد فى المشاعر وأحاسيس الجسد، ولم يعد للجنس، وهو الرمز الذى يعشقه الروائيون العرب فى الكلام عن الغرب والشرق والصلة التى ينبغى أن تسود بينهما، ذلك السحر الذى كان له فى البداية. وتقلص التفاهم بينهما حتى لم تعد كاثرين تطيع زوجها فى أى أمر مهما بدت فائدته المحققة، أو تنتهى عما ينهاها عنه ولو بدا خطره المحدق. وهذا يدل على أن الحب قد ولى، وولت معه نشوة الجسد فى الفراش، وولى كذلك التفاهم المزعوم بين الشرق والغرب، وهذا هو الدليل. ومن الغريب أن يتلخص اهتمام كاثرين بمحمود فى الممارسة الجنسية وكأنها كل شىء فى حياتها مع أن فى حياتها وفى الدنيا بوجه عام أشياء أخرى كثيرة لذيذة ومُبْهِجَة.

وشىء آخر، ألا وهو أن السبب الذى أوقع كاثرين فى شراك الحب مع محمود ليس بالسبب الوجيه. ترى هل يكفى أن تسأل كاثرين محمود فوق سطح الباخرة التى كانت تستقلها متجهة إلى أسوان عن الوقت المتبقى من الرحلة حتى وصولهم إلى غايتهم فيجيبها بأنه لا يعرف وأنه واحد من حرس الذهبية المرافقين لإحدى الشخصيات المهمة بالدولة، كى تسقط فى تلك شراك حبه وتتوله به؟ تقول إن كل الرجال المصريين الآخرين كانوا ينظرون إليها بعيون ذليلة تسيل بلعاب الشهوة كأنهم شحاذون، لتصورهم أنها إنجليزية، أى من السادة، على عكسه هو، إذ لم يتقدم نحوها لتحيتها حين سألته كما يصنع الضباط والرجال الآخرون جميعا: “ومن وقتها بقيتُ معه فى الذهبية وعلى النيل وفى شوارع أسوان ومعابد الأقصر، ثم فى القاهرة عندما عقدنا زواجنا. ظل وقتا طويلا مترددا فى الاقتراب منى وأنا التى أتكلم معظم الوقت. أظن أن الانقلاب أتى عندما عرف أنى ايرلندية وأنى أكره الإنجليز لأنهم يحتلون بلدى كما يحتلون بلده وأشعر بجنسيتهم التى أحملها عارا سأتخلص منه يوم تستقل أيرلندا. بعدها انهار سد بينى وبينه. انتهت مقاومته التى كنت أراها مثلما أرى الحب فى عينيه…” (ص17- 18). أمن السهل أن تقع أوربية، حتى لو كانت أيرلندية ككاثرين، فى غرام مثل ذلك المتردد الخجول الذى لا يعرف كيف يتكلم معها، بَلْهَ أن يكون وقوعها فى حبه بهذا الشكل المتضرّم؟

إن مثل ذلك الغرام لأشبه بامرأة مصرية لم تَخْبُر الرجال وتفتنها ملابس الضباط والشريط المقصب الذى يعلقونه على أكتافهم كما حدث لعائشة بنت السيد أحمد عبد الجواد فى فِلْم “بين القصرين” لنجيب محفوظ، تلك التى كانت أختها خديحة القبيحة ذات اللسان السليط والغيرة العنيفة تتهكم بها فتغنى بصوتها الأجشّ الأخنّ نكاية بها: “يا ابو الشريط الاحمر يا اللى…”. أما هنا فإنى أستبعده. زد على هذا أننا، مع كاثرين، إزاء امرأةٍ أوربية مخضرمة جربت عالم الرجال فتزوجت قبل ذلك، امرأةٍ واسعة الخبرة راقية الثقافة، بل خبيرة فى الآثار تتقن عددا من اللغات القديمة والحديثة وطافت ببلاد العالم، وليست فتاة أمية جاهلة ضيقة الأفق قعيدة البيت حبيسته كعائشة. كما أنى لا أتصور للحظة أنها كانت تتمسك أو تهتم بقيمة العفة وصيانة العِرْض والشرف. من ثم فإنى لا أستطيع أن أقتنع بوقوعها هذا السريع فى الغرام بمحمود المحدود الثقافة الذى لا يبدى أى اهتمام بشؤون الفكر، فضلا عن الآثار بالذات، علاوة على أن إنجليزيته عند معرفتها به كانت جِدَّ ركيكةٍ كما قالت هى نفسها.

ومما أبدأ المؤلف وأعاد القول فيه الكلامُ عن أزمة محمود عبد الظاهر، تلك الأزمة التى ذكرت الرواية أنها انتهت بإقدامه على تفجير المعبد والانتحار تحت أنقاضه المنهارة. ذلك أن محمود لم يكن بالشخص الذى يمكن أن يشعر بأزمة. إنه يعيش حياته كيفما اتفق: فهو متدين كأتباع الطرق الصوفية حين يجد نفسه بين هذا الصنف من الناس، وهو عربيد سِكّير متى أتيح له الجو، وهو يشترك فى هوجة عرابى حين يجد نفسه فى أتون المعركة التى كان الجيش المصرى يخوضها ضد الجيش البريطانى، وإن لم يخل فى الواحة من الشك فى جدية تلك المشاركة، وهو يُظْهِر التنكر لمبادئ الثورة العرابية عندما يؤول أمرها إلى الإخفاق، مع إحساسه بأن هذا التنكر هو خيانة مخزية، وهو ما لا أجاريه عليه لأن ما صنعه وقتئذ هو أمر مشروع لا غبار عليه فى ظل الملابسات التى كانت سائدة أوانذاك، فالمهم ما يجنه الضمير، وإلا عرض نفسه للهلاك دون أدنى طائل لا لنفسه ولا للحركة العرابية ومبادئها، إذ هو مجرد فرد لا يسمن ولا يغنى من جوع، ومن الخير أن يكتم موقفه إلى أن تَتِيح فرصةٌ أفضلُ لخدمة مبادئ الثورة.

وقد وقع من بعض الصحابة أن ساير الكفارَ حين عذبوه تعذيبا مروِّعا يهدفون إلى إجباره على الكفر بالله وبالرسول، وهو ما لم يستطع الاستمرار فى تحمله فقال لهم بلسانه ما أرادوه، ولما ذهب إلى الرسول فزعا مرتاعا ظنا منه أنه قد كفر فعلا طمأنه الرسول بأن إيمانه باقٍ لم يُمَسّ، وأذن له أن يعود إلى صنع ما صنع إن عاد الكفار إلى تعذيبه. ذلك أن الوقوف فى وجههم فى مثل تلك الظروف ليس سوى انتحار مؤكد، وهو ما لا يقبله الإسلام ولا العقل، ولا يتناسب والمعركة الطويلة الأنفاس. ولا أستطيع إذن أن أجد مسوغا لانتحار محمود، وبخاصة أن أمثاله ليسوا بالذين يمكن أن يقدموا هكذا على الانتحار. كما أن فتور العلاقة بينه وبين زوجته الأيرلندية لا يمكن أن يكون سببا من أسباب تلك الأزمة المزعومة، إذ كثيرا ما تفتر العلاقة بين الزوجين مثلما حدث لمحمود وكاثرين وأكثر دون أن تحدث لأى منهما أزمة. وكثيرا ما صارح محمود زوجته بأنه على علاقة بغيرها من النساء، مما يدل على أنه لم يكن ليعبأ بذلك الفتور، أو على الأقل: كان بمكنته أن يطلق كاثرين ويتزوج غيرها.

كذلك قد ركزت الرواية على تردده فى الإقدام على إنقاذ الصبى الحمّار حين سقطت من سقف المعبد حجر كبير كادت أن يسحقه وهو راقد فى ظل نخلة قريبة فى الوقت الذى سارع الأومباشى إبراهيم إلى هذا الإنقاذ الذى كلفه هو تهشيم ساقه بدلا من الصبى ولام نفسه بسببه. ذلك أن الوقت كان من الضيق بحيث لم يكن بمقدور كثير من الناس أن يبادروا إلى اتخاذ تلك الخطوة الشجاعة التى ليس هناك دين ولا خلق يوجب مع ذلك اتخاذها على الإنسان، بل إن الإنسان لا يكون مستعدا للقيام بها اللهم إلا فى حالات دفاعه عن دينه أو وطنه مثلا أو لدى تعرض فلذة كبده لخطر ماحق، وإن لم يمنع هذا أن نمجد الشخص الذى يقدم عليها بوصفه شخصا مثاليا بل مفرطا فى المثالية لا نظير له كثير بين الناس. ومع هذا فقد اتخذ محمود هذه الخطوة، ولكن بعد أن كان إبراهيم قد سبقه إليها.

وشىء آخر هو أن الصبى كان نائما فى ظل نخلة كانت هناك، والنخلة لا يمكن أن تكون موجودة فى حرم المعبد بل فى خارجه، وعلى وجه التحديد مواجِهةً له بنص كلام الرواية، ومن ثم لا أدرى كيف يمكن أن يسقط فوقه الحجر، اللهم إلا أن يكون السقف قد رماه فى اتجاهه عمدا، حارفا بذلك مساره الذى لا يمكن أن يكون إلا عموديًّا فجعله بزاوية منفرجة، وهو ما لا يمكن بطبيعة الحال إلا إذا قلنا ذلك على سبيل التهكم ليس إلا! ليس ذلك فحسب، بل إن حادثة سقوط الحجر كلها لا دور لها فى الرواية، إذ إن مسار الرواية بعدها لم يختلف عما كان قبلها، إلا إذا قلنا إن المؤلف قد ضمنها روايته كى يرينا أن الطب الشعبى قد ينجح أحيانا حيث يفشل الطب العصرى. ولكن هل هذا مسوّغٌ كافٍ لتضمين الرواية مثل تلك الحادثة؟ الحق أن حادثة الانتحار تمثل نقطة ضعف رهيبة فى الرواية لأنها غير مسوَّغة على الإطلاق. كما أن المعبد لا ذنب له فيما وقع فى الواحة من محمود أو من زوجته أو من أختها أو من اليوزباشى وصفى أو من الشيخ صابر أو من الشيخ يحيى حتى يفكر محمود فى هدمه خروجا من الأزمة، إن صح تسمية الانتحار: خروجا من الأزمة، وليس إيغالا فيها.

ومن الواضح تماما أن المؤلف قد التوت عليه الرواية ولم يستطع أن يفك خيوطها المتشابكة فلم يجد حلا لتلك المشكلة إلا أن ينهى الرواية بأى سبيل، وهو ما خطر له معه أن إنهاءها بتفجير المعبد وانتحار البطل سبيل مقنع، لكن هيهات ثم هيهات! ذلك أن هذا الانتحار يترك كل شىء دون حل: فلا فيونا قد شُفِيَتْ من ربوها الذى بوغتنا بإصابتها به بما يدل على أن المؤلف قد اخترعه فى آخر لحظة كى يأتى بفيونا إلى سيوة فلم يمهد له تمهيدا كافيا، ولا وصفى اليوزباشى الشركسى قد مُنِع عن تنفيذ ما جاء إلى الواحة لتنفيذه، ولا كاثرين قد وصلت إلى شىء فى قضية قبر الإسكندر، ولا الشيخ صابر قد برئت نفسه من الدَّخَل الذى فيها واستقام على الطريقة، ولا الشيخ يحيى أطيب رجال الواحة وأصفاهم قلبا قد وجد السلام المنشود، ولا الأومباشى إبراهيم قد نال حقه من اليوزباشى وصفى، الذى صفعه دون أدنى داع على وجهه سوى أن يَفُشّ فيه غليله، فلجأ إلى محمود كى يعطيه حقه، فوعده بأن يأخذ له هذا الحق عاجلا ثم تركه وانتحر دون أن ينتصف له، ولا نحن قد عرفنا على وجه القطع واليقين هل قَضَتْ مليكة قتلا أو انتحارا.

ثم فوق هذا كله لقد بدا انتحار محمود وكأنه هروب من تبعة ما تفوَّه به فى حق الخديو وكبراء البلد الذين شتمهم جميعا فى حديثه مع وصفى الشركسى المتعاطف مع الخديو والإنجليز، ناعتا إياهم بالخيانة والحقارة، إذ خاف أن يبلِّغ وصفى ما سمعه إلى السلطات فى القاهرة فتنكّل به. أو كأنه كان قد انتوى الانتحار قبل ذلك فقال فى نفسه: ولم لا آخذ راحتى الآن وأسجل لنفسى بطولة لا يترتب عليها أية تبعة؟ ثم شتم الخديو ورجاله وهو ضامن أنه لن يناله أذى، إذ من المعروف أن الموتى لا يُؤْذَوْن. إن انتحار المأمور هو فى الواقع “الهروب الكبير”، لكنه هروب لا يليق: لا بالمنتحر ولا بالظروف التى انتحر فيها ولا بالأشخاص الذين كان يتحرك بين أظهرهم ولا بالرواية التى قيل فى شأنها الكثير من المزاعم!

كذلك قد اتهم بعض من كتبوا عن الرواية الزوجة كاثرين بأنها أنانية. لماذا؟ لأنها كانت تصر دائما على زيارة المعابد كى تصل إلى شىء بخصوص نظريتها فى أن قبر الإسكندر الأكبر إنما يوجد فى سيوة، وهو إصرار كان من نتيجته أنْ أُرْهِق الصبى السيوى الذى كان يسحب رَكُوبتها فنام تحت النخلة قريبا من المعبد حيث سقطت من السقف بضعة أحجار بفعل زلزال خافت كاد أحدها أن يقتله لولا الأومباشى إبراهيم، الذى سارع إلى إنقاذه فوقع الحجر على ساقه هو فهاضها وتقيحت حتى فكروا فى بترها خوفا من تسمم الجسم كله لولا أن بعض أهل سيوة عالجوه بالطب الشعبى. ترى أين أنانية كاثرين هنا؟ إنها عالمة، ولها نظريتها التى تريد أن تثبتها، فهل ثم أنانية فى شىء من هذا؟ وهل هى التى أمرت الصبى أن ينام فى الموضع الذى نام فيه؟ وهذا إن كان ممكنا أن يخالف الحجر عن قانون السقوط فينحرف عن مساره وهو فى طريقه إلى الأرض ويصيب الصبى الذى لم يكن نائما تحت السقف بل خارج المعبد، وهو ما بيَّنّا مناقضته لمنطق الأشياء. وعلى كلٍّ لقد عرضتْ قبلا على الصبى أن يعود أدراجه فى ذلك الجو الحار المرهق، لكنه أصر على مصاحبتها هى وزوجها فى تلك الرحلة والمشى بجوار الحمار. ثم هل هى ليست مسؤولة عن الأقدار وتدابيرها؟ وغنى عن الإيضاح أن كلامى هنا شىء، وحكمى على كاثرين بأنها، وإن كانت من إيرلندا، التى تخضع كمصر للاحتلال البريطانى، هى امرأة غربية فى المقام الأول وأنها تحت جلدها لا يمكن أن تتعاطف تعاطفا حقيقيا مع مصر والمصريين كما ألمعتُ إلى هذا فى تضاعيف الدراسة، شىء آخر.

وبعد، فهل معنى هذا أن الرواية ليست لها أية ميزة؟ لقد سلف منى القول بأن فى الفصل الخاص بالإسكندر شيئا من القوة والشاعرية. كذلك هناك تعريف الرواية لنا بواحة سيوة وبعض عاداتها وتقاليدها وتاريخها وناسها وطبيعة العلاقات التى كانت تربط بعضهم ببعض حتى إننى لأشعر شعورا قويا لا يخاله أدنى ريب فى أن المؤلف قد اصطنع شخصياته اصطناعا ورتب لها الأحداث ترتيبا من أجل تعريفنا بالواحة وناسها وما يسودها من علاقات اجتماعية، ولم تفرض تلك الشخصيات وتصرفاتها نفسها فرضا علينا وعليها. أى أنها لم تأت إتيانا طبيعيا ولا نمت النمو المتوقع من أشباهها فى مثل تلك الأحوال. والواقع أن روايات “قطر الندى” للعريان، و”الثائر الأحمر” لباكثير، و”غادة رشيد” لعلى الجارم على سبيل التمثيل ليس إلا تبدو لى أفضل من روايتنا فى ذلك الجانب وأكثر حيوية وإقناعا وإثارة لشوق القارئ رغم ما هو متوقع من أن يكون الخالف أقوى فنا وأكثر استيلاء على قلب القارئ من السالفين. وإنى لأدين للمؤلف بجميل لا أنساه، وهو تشويقه إياى لزيارة سيوة إلى الحد الذى وضعتُ معه هذه الزيارة موضع التنفيذ فى التو واللحظة كما سلف القول فى الدراسة الحاضرة. ثم إن لغته لأفضل إلى حد بعيد من لغة كتاب كثيرين هذه الأيام، وأخطاءه أقل كثيرا جدا من أخطائهم. وهذه فرصة لأشكر الكاتب أن أتاحت لى مراجعة روايته الفرصة لتحرير بعض  مسائل اللغة والأسلوب تحريرا أرسانى على بر الأمان فيما يخص تلك القضايا كما لاحظ القراء الكرام بكل تأكيد.

***

وكانت لجنة تحكيم الجائزة قد قالت عن بهاء طاهر وروايته: “إن بهاء طاهر قد أعطى في روايته “واحة الغروب” عملا روائيا نوعيا بالمعنى الجمالى والقيمى فى آن، فاعتمادا على مجاز الرحلة التي ترصد الأزمة الروحية لإنسان مهزوم طرح جملة من القضايا الإنسانية الواسعة”. وكان الصحفى العراقى صموئيل شمعون قد رأس لجنة التحكيم، الذى ضمت كذلك الكاتب المغربى محمد برادة، والشاعر المغربى محمد بنيس، والناقد الفلسطينى فيصل دراج، والمستعرب البريطانى بول ستاركى، والصحفية السورية غالية خوجة. كما قال أحد أصحاب المواقع المشباكية: “إن فوز بهاء طاهر بجائزة البوكر العربية في دورتها الأولى يمثل مكافأة مهمة للرواية العربية الحديثة التي تصوّر الوجع الإنساني من زاوية جمالية شفافة تنحو باتجاه ابتكار أدوات سردية تلائم بين ما هو محقق في اللغة المعاشة (الصواب: “المعيشة”) وبين ما هو طرق لفضاءات وتقنيات أخرى”. ولست أظن من الصعب على القارئ الآن، بعدما بينت له نقاط الضعف فى الرواية، التنبه إلى ما فى ذلك الكلام من إنشائية وعمومية لا يصلحان فى مثل هذا الموقف. إنه كلام، والسلام!

كذلك قرأتُ فى موقع “منتديات البحرين” لعبد اللطيف الوروارى عن ملابسات التصويت على الرواية التى فازت بالجائزة فى دورتها الأولى ما يلى: “بعد كثير من الجدل الذي بلغ حدّ السِّباب والاتهامات والخلافات داخل اللجنة وخارجها لم يهدأ حتى الساعة خطفت رواية الكاتب والروائي المصري (بهاء طاهر): “واحة الغروب” جائزة بوكر للرّواية العربيّة من بين خمس روايات وصلت إلى التصفيات النّهائية هي: “مديح الكراهية” للسوري خالد خليفة، و”مطر حزيران” للبناني جبور الدويهي، و”تغريدة البجعة” للمصري مكاوي سعيد، و”أرض اليمبوس” للأردني إلياس فركوح، و “أنتعل الغبار وأمشي” للّبنانية مي منسي، التي اختيرت بدورها من أصل 131 رواية كتبها روائيون من جنسيات مختلفة”.

***

ويبقى فى النهاية أن أصارح قارئى العزيز بأننى كلما قرأت شيئا لأى روائى بعد نجيب محفوظ أجد أننى كنت على حق تام حين قلت فى حوار صحفى أُجْرِىَ معى منذ عدة شهور إن جميع التالين له هم أقزام بالقياس إلى قامته السامقة رغم أنى لم أكن أوافق على كل ما كتب. لكن عندما يصل الأمر إلى المقارنة بينه وبين من جاؤوا بعده لا يسعنا إلا التحسر على خسراننا مثل ذلك الروائى العملاق رغم كل شىء!

Ibrahim_awad9@yahoo.com

http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s