نظام القوة السلبية العالمي // سوسن البرغوتي

نظام القوة السلبية العالمي

سوسن البرغوتي

اعتمدت الدول الامبريالية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية، المتحالفة استراتيجيًا مع الصهيونية بأسفار يهودية خالصة، مبدأ المقامرة باستثمار الخسائر، لصالح هذا النظام.
لا شك أن من وسائل القوة الرأسمالية الاحتكارية، كانت وما تزال، شن الحروب على جميع الصعد، تتمكن من خلالها إحكام قبضتها على الشعوب المستهدفة، وتستولي على الثروات والمواد الخام التي تشكل عصب التطور والتقدم في العالم، وفرض ثقافاتها ومناهجها، محققة خللاً قيميًا، وذلك هو أحد المحاور اللازمة لوضع ما يدعى بالعولمة، قيد التنفيذ.
تبلورت ملامح النظام العالمي الجديد، بعد سقوط القطب الثاني، وانتهاء ما عُرف بالحرب الباردة. وقد استمد هذا النظام قوته بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 للاستمرار. وكان على شعبي أفغانستان والعراق، أن يكونا الضحية المباشرة للسياسة الأمريكية التي أعقبت إعصار سبتمبر، وأن يسقطا في قبضة الاحتلال، ويجري تدمير شامل للعباد والبلاد.
وكان من نتائج ذلك إعادة الحياة لماكينة الحرب، وتشغيل مصانع السلاح، ومضاعفة صفقات تجارة الأسلحة، وزرع قواعد عسكرية، في عدد كبير من البلدان، تركزت بشكل خاص، في بلادنا العربية.
وفي سياق تفعيل مشروع الهيمنة على العالم، خلقت أزمات شملت محاور عدة، لإشغال الناس، والتحضير إلى خطوة إجرائية، تصب في البرنامج ذاته، كظهور أمراض الحيوانات بين الفينة والأخرى، وتوظيف الوسائل المخبرية لإشاعة الرعب والهلع من هكذا أوبئة، وأخيرًا وليس آخرًا، الأزمة الاقتصادية، التي لا توجد حتى اللحظة إحصاءات دقيقة تفضح كيفية التلاعب بالقيمة الحقيقية للسلعة، وكيف يجري تراجع القيمة النقدية، وتسود الأسواق حالة كساد قاسية، وغير معهودة، منذ الكساد الكبير في نهاية العشرينيات من القرن المنصرم.
وفي حمّى الفوضى، وانهيارات الأسواق العالمية، تفرض الأسئلة قوة حضورها: أين اختفت رؤوس الأموال، ولماذا انهارت البورصة؟، وغيرها من الأسئلة، التي شغلت الفقير والغني على حد سواء.

بيد أن النظام العالمي تعود جذوره إلى الحرب العالمية الأولى، واعتماد خارطة سايكس- بيكو 1916، للتقسيم، وفرض خطوط جديدة لا تتسق مع حقائق الجغرافيا والتاريخ، لتسهيل مهمة الاحتلال وتوزيع الغنائم بين الحلفاء، ثم التحضير العملي والمباشر لاحتلال فلسطين عام 1948 من قبل العصابات الصهيونية، لتكون “أرض الالتقاء” مركز وعاصمة تسويق المشروع الاستعماري برمته.
اعتمد هذا النظام، وسائل ونظريات وشعارات كثيرة، منها:

ـ الفتن الطائفية والدينية والحزبية، فالطوائف تواجدت قبل تأسيس الدول، لكن توظيف الطائفية، بهدف التحريض السياسي، أحد أدواته الرخيصة، كما أصبحت الأيدلوجية الطاغية، وليس المصلحة الوطنية العليا، بأهداف معلنة، وغايات الوصول للسلطة، وهنا يصبح التحرير وسيلة وليس هدفًا بحد ذاته.

ـ تقاطع المصالح مع عدو عدوي، مرحليًا، لنجد في نهاية المطاف، أن النظرية تصب بالمسار نفسه، فصديق اليوم، عدو الغد، إذا عادت عقارب الساعة للوراء. ومن هو ليس معي، فهو ضدي، بمعنى اختلاف الرؤيا الوطنية، إما أنها خائنة وعميلة، وإما أنها تصب بحسابات وأجندات شخصية.

ـ شعارات الديمقراطية والعدالة، بما فيها “الدولة” الفلسطينية، التي لا تعدو أكثر من أداة إعلامية استهلاكية، فإذا كانت أغلب الدول العربية، لا تملك مفهوم الدولة، فكيف لجزء من بلد محتل، أن تنشأ فيه دولة؟!. فالقول أمر، والفعل أمر آخر، يختلف تمامًا عن الترويج لـ”استقلال” الفلسطينيين في جزء ضئيل ومحدود على أرضهم، وبمقايضة أرض فلسطينية بأخرى فلسطينية، وهنا يبرز دور الماكينة الإعلامية الاستعمارية، بقولبة الفكر وتقبله لمصطلحات وتسميات، ليست إلا تسويقًا له، كالدولة العبرية و”إسرائيل” بدل فلسطين المحتلة في الداخل، والشرعية الدولية، والسلام وغيرها من الشعارات الموظفة كـ” دمقرطة” بلد محتل.

ـ تقييد اقتصاد العالم، بالعملة الدولية وهي الدولار، الذي لا يستند إلى الذهب كقيمة، لكن الهيمنة الأمريكية على العالم، فرضت عملتها.

ـ تقييد العالم بالثقافة العولمية، بتخريب متعمد لأدب وثقافة الشعوب، ناهيك عن إفساد النشء الجديد وتغيير المناهج التعليمية، بهدف القضاء على الوعي والذاكرة الوطنية.
صحيح أن الحضارات تتفاعل مع غيرها، لكن الاستعمار، يقتلع ثقافة الآخرين من الجذور، والخطر الحقيقي يبرز بتقبل المحتل بأي بلد كان، لما لذلك من أثر سيء ومدمر على البنية المجتمعية والثقافة القومية.

ـ اختراق الحركات الثورية، بتفريغ وانحراف البوصلة عن الأسس والأهداف الرئيسة، بتهجينها بما يُسمى بالجناح المعتدل، وصولاً لتآكلها ذاتيًا.

ـ مركزية السلطة المحلية، ورفض التعددية بالمطلق، وحماية العرش مدى حياة الرئيس، مما أدى إلى تدجين الجيش التابع للنظام عن عمد. وبالتالي يعزز الانقسامات الداخلية، وتفكيك الدولة الهشة.

ـ تطعيم المعارضة الوطنية، بجرعات لأجندات غربية، وبذلك يتم القضاء على الأصل والهدف معًا.

ـ “شرعية دولية” تقاضي وتحاكم من يرفض الإذعان لهذا النظام، وكل من يتمرد عليه، يصبح في عداد المحكوم عليه بالإعدام. تسن قوانين وقرارات، منها ما يُشطب، ومنها ما يتم التلاعب والمناورة به. اعتقالات واغتيالات حدثت وتحدث، تُقيّد بفعل مجهول، إلى أن تجد هذه الشرعية، جهات مستهدفة، لتلبسها جريمة لم تقترفها. تعذيب وحشي في السجون الأمريكية و”الإسرائيلية”، وصور وتقارير تُنشر، ولا تغير من واقع الأمر شيئا.

ـ تدمير كل ما يمت بصلة للمقدسات والقيم الأخلاقية، ونشر الإباحية والشذوذ الأخلاقي والبطالة لازدياد منسوب الجريمة، وإشاعة ما يُسمى بالتربية الحديثة، ليخرج الأبناء عن طاعة الآباء، الذين بدورهم انغمسوا بمشاكلهم الخاصة، وتناقض بين التنظير والممارسة. فللأبوين الحق بالكذب والنفاق، والمثالية، مطلوبة من الأبناء!.

هذه القوة الشيطانية السلبية، وبروتوكولات ومحافل سرية وعلنية، تتحكم بعالم اليوم، وتسارع بانهياره، إلا أن الخلاص، يكمن بضرورة وجود قوة إيجابية، تحفظ  التوازن العالمي، وهذا لا يتأتى إلا بظهور تكتلات وتحالفات سياسية واقتصادية مستقلة عن التبعية بالكامل، مما يعني تعددية الأقطاب وليس القطب الأوحد.
كما أن استقلالية البلاد لا تكون إلا بتحريرها، والمقاومة ليست قوة شريرة أو إرهابية، كما يصنفوها، إنما هي للدفاع عن حق الإنسان في وطنه وتقرير مصيره، ولا يجوز أن تكون وسيلة لضمان استمرارية هذا النظام.
التنمية ومشاريع تطوير المجتمع لتشغيل الطاقات الإنتاجية، وتمكين الجبهة الداخلية على أساس المصلحة الوطنية العليا، واحترام حقوق وواجبات المواطنة.
أما على صعيد مارثون التسلح بالعالم، بما فيه النووي، فهذا يعني إفناء العنصر البشري، ومواجهة القوة السلبية بأدواتها نفسها، هذه ليست وقاية، بقدر ما هي مجاراة للبرنامج الاستعماري، لكن المطالبة والإلحاح ورفض كل أشكال التسلح، وتحويل مصانع الأسلحة القاتلة، إلى مصانع تبني ولا تهدم المجتمعات الإنسانية.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل يمكن إنقاذ العالم من القوة السلبية، بشحنات ايجابية، تجنبًا للوصول إلى قاع الغرائزية البحتة، المدمرة للعنصر البشري؟!.

هذا الموضوع ليس فلسفيًا ولا نظرية تخيلية، بقدر ما هو سعي لتحقيق التوازن بين المادية والقيم الأخلاقية والمعنوية المطلقة. ربما يسميه البعض بالضمير الجماعي، وآخر يسميه الأخلاقيات والمبادئ، وفي العالم كله، الكثير من يسميه توخي خشية الله في أعمالنا وتفاصيل حياتنا اليومية، فالطبيعة البشرية خليط من الخير والشر، لكن الشر طغى وتجبر، ولم يعد للخير أي مكان، بسبب هذا النظام المادي البحت، والكثير من الحضارات السابقة سادت ثم بادت نتيجة الحروب والغزو والجشع والطمع بثروات الشعوب، وذروة انتشائها، تبدأ بخط بياني وصولاً للانهيار.

الإنسانية أمام خيارين، إما الخلاص من براثن الوحش المستشرس، وإما الانسياق إلى حرب عالمية ثالثة شاملة، تقضي على معظم البشر.
أغلب الظن أن العالم يتجه إلى الخيار الثاني، مسلوب الإرادة وبشكل ممنهج، لكن يبقى الأمل معقود باستفاقة كونية قبل فوات الأوان، لإعمار الأرض وليس لتدميرها، ومن أجل الحياة لا بهدف الموت والفناء.
http://www.arabiancreativity.com/sb216.htm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s