مشاعرنا المتناقضة لخطاب “حسين أوباما”\\ جلال القصّاب

مشاعرنا المتناقضة لخطاب “حسين أوباما”

جلال القصّاب

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية

jalal.alqassab@gmail.com

سُئل زوجٌ: عرِّفْ “المشاعر المتناقضة”؟ أجاب: هي كأنْ تأخذ “حماتي” سيّارتي الجديدة وتسوقها نحو جُرف جبل، فأنا أريدها تهوي.. ولا أريد.

تتوارد أنباء أنّ أمريكا “أوباما” وروسيا والاتّحاد الأوربي يتحرّكون لتسوية مشكلة الشرق الأوسط لإحلال “سلام” دائم بالمنطقة!
إذن، ماذا ستصنع شركات التجارة والسلاح والنفط والأمن.. وسوقُها قائم على الأزمات، هل ستتاجر بباقات الورود والحلوى؟!
البطالة والكساد لم تُعالَج بأوربا إلا بحرب عالمية، حين استقطبت كلّ الطاقات وضُخَّتْ بماكينة حربية صناعية..إنشائية..تمريضية..

لوجستية..وزراعية.. ضخمة..!

“الحرب” والأزمات تستوعب الطاقات وتُحرّكها أكثر من “السلام”.. طالما الفكر البشري همجيّ، كلّ التقدّم الحضاري والرفاه بالقرن الأخير يُعزى لتناقض دوليّ وتنافس عسكري بنوايا العداء والهيمنة بين الكبار.. لامتلاك أقوى وأفتك سلاح ونظام وتقنيّة، هذه الحاجة كانت أمّ الاختراعات الكبرى.. من غزوٍ لفضاء وزراعة أقمارهم الصناعية، إلى وسائل الاتصال بما فيها الإنترنيت والإيميل، إلى الليزر والنانوتكنولوجي والاستخدامات النووية، كلّها ولائد التسابق العسكريّ للتفوّق، ثمّ تنزّلت من ميدانها العسكري والجاسوسيّ لميداننا الإنساني والمدنيّ ليعمّ الرفاه.

وردَ في المواعِظ، أنّ والداً زار ابنتيْه، فقالت الأولى: زوجي للتوّ فرغ من تهيئة الفخّار ادعُ الله يا أبتاه بحبس الأمطار، وحين زار الأخرى قالت: زوجي أنهى البذار فادع الله يا أبي بنزول الأمطار، هنا محطّ “المشاعر المتناقضة”، فدعا: ربّ.. أنت لهما!

“المشاعر المتناقضة” انتابت مواطني أمّتنا لمّا استمع لخطاب “أوباما” الأخير المستهدِف لمصالحة عالمنا الإسلامي، فلو تجاوزنا دعمَه التقليديّ والراسخ للكيان الصهيوني، وفكرة السامية، والمحرقة، والدولة اليهودية.. لأدهشنا اختراقُ خطابِه النمط السائد، فلم يسبق لرئيس أمريكي أن صرّح بأفكار معتدلة ومعسولة تحترم المسلمين هكذا، خاصّة وأنّه يسبح ضدّ تيّار صهيو-صليبي يمسك بخناق السياسة الأمريكية، لدرجة كتب عن ه “فهمي هويدي” معقّباً “نثق في نيّته..
ونشكّ في قدرته”، فمن أمّهات خطابِه:

– جئتُ لكي أفتح صفحةً جديدة بين أمريكا والإسلام.

– على إسرائيل الاضطلاع بمستوى مسؤولياتها لضمان أمن الفلسطينيين.

– أمريكا لن تقبل بسياسة الاستيطان الإسرائيلية.

– القدس يجب أن تظلّ موطنا لكلّ الديانات.

– حقّ الشعب الفلسطيني بإقامة دولته.

– نريد التقدّم مع إيران دون شروط وعلى أساس الاحترام المتبادل.

– يجب أن نحلّ مشاكلنا من خلال الشراكة.

– أهمية الاعتماد على الدبلوماسية والإجماع الدولي.

– سنحترم سيادة الدول الأخرى وسيادة القانون.

– سندعم حقوق الإنسان بكلّ مكان.

– علينا وضع معايير واحدة لمن يتسنّم سدّة السلطة باحترام القانون واحترام حقوق الأقلّيات.

مع تقديرنا “للرئيس أوباما” ونواياه الطيّبة ومفاهيمه الجميلة وإخلاصه لبلاده، لكن يُؤسفنا أنّه ليس الفاعل الوحيد برسم سياسة أمريكا، أمريكا آلة وحشيّة ضخمة غلب نظامُها إنسانَها، لدرجةٍ وصف الفنزويلي “شافيز” إدارة “أوباما” أنها “إدارة جديدة برّاقة لإمبراطورية إمبريالية”، فشركاتُها العابرة لابدّ أن تعمل للربحية.. ه ذه عقيدة الرأسمالية، بنوكها غرضُها الاسترباح، أساطيلها واستخباراتها مهمّتها فرض الهيمنة، مصانع سلاحها والاستشارات وشركات النفط والدواء والغذاء والأمن كلّها تقوم على مفاهيم الغزو والغلبة والاختراق وصناعة الأزمات وزرع الحاجات وفرض الاستهلاك للربحيّة، فالسياسة التطبيقيّة على الأرض ستأتي حتمًا ضدّ نواياه الحسنة التي ستنزوي لعالم المُثُل، وبأحسن الأحوال ستتنفّس ضمن خطابات نظريّة وترويجات معسولة، كشأن أيّ سلعة تسويقية.. تُجعجع بلا طحن.

“فالمشاعر المتناقضة” بين التمنّي والإحباط.. انتابت أمّتنا لهذا الخطاب الذي بحسب كثيرين جاء ليُلمّع صورة أمريكا ضدّ قبائح الاشمئزاز التي خلَّفها سلَفُه، بلهجةٍ جميلة مدغدغة لمشاعر المقهورين، تنفي عن إسلامنا الإرهاب، وتعترف بحقوق “ما” للفلسطينيين وأطيافهم، وتدين الزحف الصهيوني بالمستوطنات، وتنادي بالسلام وبالحوار مع دولٍ كانت تسمّيها بالمارقة ومحورًا للشرّ.

يُخبرنا التاريخ أنّ الدولة الأموية سطتْ على كلّ شيء؛ على السياسة والدين والعلم والمنافع والعقول، واجتثّت بأحاديّتها كلّ معارض.. فاستوجبت قانون المقت، كما يُخبرنا أنّ عمر بن عبدالعزيز كان نُقطة ضوء بحلَكة ذاك السواد، ولكنّه مرّ كحلُم الوسنان سرعان ما استيقظت الأمّة منه على واقعها المخيف، فالعربدة السياسية والظلم المعشعش بالأدمغة والقلوب.. ومنظومة الطغيان والزيف التي قام عليها آل أمّية بفلسفتها القيميّة وآلتها الدينية والإعلامية والانتهازية السياسية.. أعادتْ الوضع إلى سابقِ سبُله المعوجّة.

هذه الإشكالية محكّ الرئيس أوباما: هل يستطيع التغيير بالأماني وبالخطابات.. وهو يرأس النظام الشمشونيّ الذي جلب للعالم أزمته الأخلاقيّة.. وويلاته.. وخراب بيئته.. واستنزاف موارده.. وكوارثه.. وحروب الإبادة والغزو والاحتلال.. وعسكرة الفضاء والبحار.. وأخيراً الأزمة المالية.. لكن أسوأها دعم الكيان الغاصب.. وتغطية جرائمه لستّة عقود…؟!

الواقع يكشف أنّ إدارة “أوباما” تُواصل اضطهاد المسلمين وتُلاحق مؤسّساتهم الخيرية بأمريكا، وأنّ معتقل “غوانتانامو” للآن يعجّ “بمسلمين فقط” حُشروا بأقفاص كالحيوانات، بل اعتبرت منظمة العفو الدولية أنّ إدارته أخفقت بتنفيذ وعودها بشأن حقوق الإنسان والتعذيب! وما زالت أمريكا “أوباما” تحتلّ الأوطان، وتقصف مئات الأبرياء والأطفال بأفغانستان وال عراق، وقد قاطعت مؤتمر مناهضة العنصرية بجنيف الأخير، وتدعم دكتاتوريّات بلداننا، بل ما زالوا يتصرفون وكأنّهم لم يفعلوا جنايات وإبادات، لذلك هم لا يعتذرون، بل يُعطوننا الخِطب والدروس وكأنّنا المعوجّون، مع أنّ عالَمنا الإسلامي لم يكره أمريكا كوطن وكشعب وكتقدّم وكعلمٍ ومدنيّة، بل كره “الطغيان” و”الجشع” الذي يدوسه ويدوس حقوقه وكرامته، وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة رأسه وسنامَه.

أحياناً يشعر المرء بالشفقة للرئيس “أوباما”، فالهندام الذي ورّثه أسلافُه إيّاه مملوءٌ نجاسات لا يُطهّرها إلاّ استبداله برمّته وليس ترميمه وترقيعه وتلميعه.

لكن مع مشاعر إحباطنا نتمنّى “النقيض” للسيّد “أوباما”، نتمنّى نجاحَه بمساعيه الخيّرة، هي فرصة لنا لاقتناصها وتفعيل جديدها وجادِّها، لأنّ خيالاً -ولو حالماً- لعمر بن عبدالعزيز خيرٌ ألف مرّة مِن كابوس ليزيد بن معاوية!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s