لصالح رونالدو //جلال القصّاب

لصالح رونالدو
جلال القصّاب

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
jalal.alqassab@gmail.com

حين سمع الأبُ “الجاهل بالكرة” عبارة المعلِّق الرياضي: ضربة جزاء “لصالح رونالدو”، عقّب: لأوّل مرّة أعرف أنّ “رونالدو” اسمه الأوّل “صالح”!!

أطفالاً وكبارًا.. نهوى الكرة، وإيجابياتُها كثيرة؛ تقرّب الشعوب وتُرفّهها، وتستقطب طاقات شبابية ربّما كانت ستصرف في سكك الرذائل أو العنف، لكنها كذلك قد تُفسد الأخلاق وتبثّ الكراهيّة والشغَب (كأحداث فريقي البحرين وتوبلي لكرة اليد مؤخّرا، ومثلها تعرّض مشجّعين بروما للطعن، وإصابة 153 مشجّعاً ببرشلونة…الخ)، وأسوأه أن يتسطّح “المُشجِّع” لدرجة حلاقته شعر رأسه بهيئة كرة “الفيفا”، مُبرهناً أنّ دماغه كرةٌ وحسب، أي مملوءٌ هواءً فقط.

يُفاخر أبناؤُنا بلبس “فانيلة” مكتوبًا وراءها “رونالدو”، و”ميسي”، و”كاكا”..الخ، ويُشجّعون ناديًا أوروبيا: “يوفينتوس”، “مانشستر”، “بايرن”، “برشلونة”…..، فيحفظون تاريخه وسيرة لاعبيه.. ويُتابعون دقائق أخبارهم، سهّل هذا وسائلُ الاتّصال والإعلام، بل يأخذهم الشغف حتّى “لتنزيلهم” (بحواسيبِهم) لقطات الأهداف التي أحرزها ناديهم.

تراهم مخطوفي الأبصار والألباب، محترقي الأعصاب، حين يُشاهدون مباريات “ناديهم”، يقفزون لتهديفه، ويهبّون واضعين أيديهم حسرةً على رؤوسهم لتضييعه، وقد يصرخون ويسبّون الحَكَمَ، ربما يبكون “لفاجعة” الخسارة.. وينتشون بـ”كوكائين” الفوز، بل وتقوم الخصومات بين أبنائنا كمشجّعين مِن بُعد، وقد يُؤذي أحدُهم الآخر بالتعيير، وقد تصل أحيانًا للعراك.

شخصيةُ ناديهم المعشوق.. ومدرّبِه.. ولاعبيه، صارت جزءًا من شخصيّتهم وعالَمهم، يُدافعون عنها، يفكّرون فيها (حتى حين صلاتهم ودراستهم)، حديثُهم وأحلامُهم عنها، تسرق لبّهم وتستنزف مشاعرهم، يتقمّص أحدُهم لاعبَه النموذجيّ فيحلق حلاقته، ويلبس لبسه، ويمشي مشيته، وربّما وضع وشمًا وقرطاً مثله، يتقمّصه حتى في العصبيّة والاحتجاج والتحايل بالإصابة التي أصبحت فنّا/دجلاً بالملاعب!
والدعاياتُ تُبرمجهم عبرَ هذا “النموذج”، فإذ ا صوّرتْ “رونالدو” و”ميسي” يشربان البيبسي شربها ملاييننا، وإذا ألبستهما أحذية “نيكي” لبسها ملايينُنا، وإذا سوّقا عطرًا، ساعة، موبايلاً، صابونا.. فستتبعهم ملايين شبّاننا “معكم معكم” مقلِّدين.

تبدأ كبذرة، وتنتهي كشجرة، يُسرق فيها “الولهان”، فلا يستطيع إلا متابعة كل المباريات كعبدٍ مُسترَقّ، مسلوب الإرادة، وأخطر شيء أن تُسلب مشاعره وتُزيّف، فيصبح الطفلُ/الشابّ فاسدةً أخلاقُه ومعاملاته وتركيزُه..، وربّما يفشل بدراسته لخسارة فريقه المعشوق بعد أنّ ضُخّمت له مبارياتُه كحروب: “موقعة الكلاسيكو”، “معركة الأنفيلد”، “يدكّه بالأهداف”، “يكتسحه”، “يسحقه” ..الخ، فإذا خصوماتُه تثور لخلافٍ على تحليل مباراة أو أفضليّة لاعبيْن، فتتحوّل التسليةُ إلى جِدّ الحياة، بل نخاع الحياة.. لدرجة تهميشِه قضايا أمّته، ووطنه، وأسرته، ومستقبله، أو يستحكم جنونُه لينتحر أو يَنحر مشجّعي الفريق المنافس!

بـ”نيجيريا” قتل مشجّعٌ “لمانشستر” أربعةً من مشجعي “برشلونة”، وقبل شهر انتحر مشجِّعٌ “كيني” لخسارة “آرسنال”، فهل انسحقنا للسيّد الغربي لدرجة التنازل عن هويّاتنا وقضايانا ومستقبلنا؟!
ماذا سيُقدّم ف ريق آرسنال (وبرشلونة) لعائلة ذاك “الغبيّ” الذي نحَر حياته (وللأربعة النيجيريّين “البرشلونيّين” الذين دُهسوا وقُتلوا)، ماذا سينوب أبناءهم وآباءهم وأهليهم المفجوعين؟!
هل سيتبرّع أحدُ لاعبي الآرسنال “فابريغاس” و”آديبايور”، أو برشلونة “إيتو” و”تشافي” بخمس راتبٍ واحد لإعالة عائلة المنتحرين والمقتولين؟!

يُضيّع الإنسان عمره لعبثيّةٍ.. لم يُوجَد لأجلها، نفخوها في عينِه وظنّها “الحمارُ” دنياه وأُخراه.. فينبغي إفناء النفس لأجلها.
أعاقلٌ -وطنُه يضجّ من العري والجوع والجهل، من تواتر أقدام المستعمر البريطاني والفرنسي والإيطالي- ينتحر للعبةٍ تُقام بأرض أسياد الأمس، لا ناقة له فيها ولا حمار، وتنتهي بتصافح اللاعبين وتضاحكهم وتبادلهم الأقمصة، وباستلام راتبهم المليونيّ وباحتفالاتهم في المراقص والعربدة بـ”مناهلها”!

كم مخيف حين تُسرق مشاعرنا، ويُشوّه وعينا.. فإذا نحن لسنا نحن؛ نفرح ونغضب.. وربّما نفشل بالدراسة والحياة ونتعوّق عن الإنجاز.. لأنّا نشعر بالخُسران حين خسرَ فريقُنا المعبود المُصوَّر لنا فوق كلّ شيء (“عمري” المحرّق، “حياتي” الأهلي، “أموت” في البارشا)!
إنّ علام ة وعينا وإرادتنا.. يكمنان ببقاء التسلية “تسليةً” وحسب، وبقدرتنا على تفويت متابعة مبارياتها بين الفينة والأخرى، فقط لنتأكّد أننا لسنا بمستعبدين….، وإلا فهوى القلب إن لم يتروّض فإنّه سيستذلّنا، وسيمنعنا التركيز الإرادي في أمورٍ مهمّةٍ نعلم أنّ مباراة معشوقنا تحتدمُ إبّانَها.

إنّ هذه المباريات هواية وتسلية، فإن تضخّمت لتنغيص جِدِّنا وشلِّنا عن القيام بشيء لأنّ “فريقنا” في (جواتيمالا أو موزمبيق) انهزم بالأمس، وبحيث أنستنا ربّنا وأخلاقنا ومهامّنا، فهذا صنمٌ عكفنا عليه دونه تعالى.. نحبّ ونبغض ونقاتل ونقتل عليه، إنّه إسفافٌ بمهمّة العقل الجبّار، وحرفٌ لمشاعر الحبّ والبغض التي متّعنا الله بها.. لتحفّزنا تجاه قضايا الخير والنجدة والتفاعل مع المحتاجين والأقربين والمحرومين..

تصوّر هنديّين يستظلاّن “بكرتون” بشوارع “مومباي”، لا يملكان مسكنًا ولا لباسًا وغذاء، لكنّهما يتعاركان بالسكاكين لأنّ هذا يعشق “برشلونة” وذاك “الريال”، فهل هناك فيلم كرتوني أقذر من هذا.. أقذر حتى من “الكرتون” الذي يُظلّهما؟!..

أعرف أشخاصاً لا يستطيعون مشاهدة مباريات فريقهم المفضّل، أعصابُهم لا تحتمل، تولّعوا إلى درجة المَرَض، قلّةُ عقل.. وضعفُ إرادة التحكّم بالنفس، بل تضييعٌ للأهداف.. و”سلَسٌ” بالمشاعر، بل وصمةٌ طفوليّة.. تجعل الطفل يفزع من قمّة رأسه لأنّ دميته المُولَع بها الْتوى رجلُها وكأنّما الملتوية رجلُه! … تقمّصُ أطفال، لأنّ عالمهم ميكروسكوبي وصغير جدّاً، فهل عُدنا أطفالاً؟ أم أننا –كباراً- نعيش طفولةً حُرِمناها؟ أم أنّ الإعلام العالمي يستهدفُ تقزيمنا لنبقى أطفالاً وأقزاماً؛ نقوم ونقعد.. ونترح ونفرح، بعقول صغيرة، وأحلام صغيرة، ذات كوابيس كبيرة؟..
فمتى ننتبه لكوننا قد أصبحنا مجرّد ترْس في آلة إعلامية ضخمة، تشكّل مشاعرنا وأفكارنا وأذواقنا.. وتتلاعب بطبائعنا.. وتُصوّرنا كما تشاء.
مرّة قرأتُ فتوى مضحكة بحرمة التشبّه بالكفّار، ووجوب مخالفة قواعد لعب كرة القدم، بتغيير شكل الكرة لئلاّ تكون “كرويّة”، وبأن نركلها ونمسكها باليد أيضا، ونلبس السروال بدل “الهاف”، وبإزالة العارضة العلويّة للمرمى، ونسي المفتي أنّ هذه بالضبط قواعد “كرة القدم الأمريكية”!

ليس بمنكَر أن نشجّع، وأن نلعب كرة القدم (حتى الأمريكية)، فكلّها رياضاتٌ جميلة، ليس بمنكر أن نركل الكر ة ونفرح، خلافًا للفتاوى السخيفة، المنكر أنْ نجعل الكرةَ تركلنا خارج ميدان الحياة.. إمّا منتحرين لأجلها، وإمّا ناحرين كلّ شيء لخاطرها.
إنّ يقظةً -ولو قليلة- يُباركها الله وقد يُوقدها فينا أكثر، فمتى يستيقظ شبابنا ليهتمّوا بتفوّقهم الدراسي ويُحقّقوا اتّزانهم، “لصالحهم وصالح أهلهم وأوطانهم”، بدل تضييع أعمارهم وكفاءاتهم العظيمة الدفينة “لصالح رونالدو”!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s