الساحر وخطاب السحرة بيروسترويكا أوباما// (2) د. أكرم حجازي

الساحر وخطاب السحرة

بيروسترويكا أوباما

(2)

د. أكرم حجازي

17/6/2009

من حق الجميع أن يرفض أو يؤيد خطاب أوباما. لكن ليس من حق أحد أن يتجاهل قيمة الخطاب لكونه لا يستجيب لطموحاته ومطالبه أو لأنه لم يتوقف عندها بما فيه الكفاية أو لأنه لم يكن منصفا أو لأنه لم يكن واضحا. كما أن حصر الخطاب بالاحتياجات الأمريكية واعتباره مجرد حملة علاقات عامة لتحسين الصورة المتداعية لأمريكا خارجيا ليس كافيا للإعراض عن الخطاب أو مانعا من التعمق به والبحث عن خفاياه. إذ أن استشراف مستقبل المنطقة في ضوء انتخاب أوباما والسياسات الأمريكية الجديدة توجب على كل مراقب التوقف عند الخطاب طويلا جدا ليس بوصفه خطابا سياسيا تقليديا بقدر ما هو مشروع تاريخي يجد صداه بالدرجة الأساس في المجتمع الأمريكي وفي فلسفة أوباما ذاتها التي تبنت التغيير في الولايات المتحدة أولا بحيث يبدو الخطاب في حقيقته مجرد انعكاس لجزء من الصورة وليس استثناء.

أزمة نظام

تشبه خطوات أوباما وآليات عمله في بعض جوانبها ما فعله ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفياتي في بلاده. ففي عام 1986 عين غورباتشوف رئيسا لدائرة أوربا في الخارجية السوفياتية، وعلى الفور تلقى دعوة لزيارة بريطانيا استقبل خلالها من قبل مارغريت تاتشر استقبال الأبطال. وكان لتاتشر، المنبهرة بغورباتشوف إلى حد الثمالة، تصريحا لافتا في حينه وهي تقول: “هذا هو الرجل الذي يستطيع الغرب أن يتعامل معه“. بعد سنتين من الزيارة، وبصورة مفاجئة، تولى غورباتشوف رئاسة الاتحاد السوفييتي (56 سنة) في دولة اعتادت ألا يقل سن زعيمها عن سبعين عاما. وكان أبرز ما أعلن عنه تبنيه لسياسة البريسترويكا (إعادة البناء) والجلاسنوست (الشفافية والانفتاح) التي كانت كقطرة أودت بالاتحاد السوفياتي إلى غير رجعة في بضع سنين لم تزد عن أربعة.

فالحقيقة الصارخة أن كتابات أوباما “أحلام أبي .. قصة عرق وإرث – 1995” و “جرأة الأمل – 2006 وخطاباته التي ساقها في حملاته الانتخابية لم تكن إلا انعكاسا لوضع داخلي مأزوم يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخليا وخارجيا على السواء. فأزمة الرهن العقاري كشفت، في الواقع، عن نظام اقتصادي واجتماعي وأخلاقي وسياسي وديني وإنساني وصل إلى طريق مسدود. أزمة نظام توارت خلفه لعقود طويلة من الزمن إن لم يكن لقرون أقسى قيم الغطرسة والاستعلاء والوحشية ضد البشر وضد الطبيعة وضد العلاقات الإنسانية. أزمة لم تكن، في الحقيقة، سوى القطرة التي أفاضت الكأس وفضحت النظام الرأسمالي.

إذن ثمة شبه كبير في الظروف وفي السياسات وفي الأفكار بين ما يعرضه أوباما وبين ما عرضه غورباتشوف قبل وبعد وصولهما إلى السلطة. فكلاهما عبر، في أطروحاته، عن مآزق اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولا ريب أن الظروف الراهنة التي تمر بها الولايات المتحدة والعالم تبرر إلى حد ما طرح السؤال: هل سيكون انتخاب أوباما كذات القطرة التي هدمت الاتحاد السوفياتي أو تلك التي فضحت النظام الرأسمالي بحيث تهوي سياسات وأطروحاته بالمارد الأمريكي؟ أم سينجح العطار في إصلاح ما أفسده الدهر؟

منذ خمسينات القرن العشرين والجمهوريون يجهدون بجنون للوصول إلى السلطة في الولايات المتحدة لتنفيذ مشروعهم العنصري والمدمر للبشرية وفي القلب منه المسلمون، وكانت فرحتهم عظيمة بوصول رونالد ريغان إلى السلطة سنة 1981، والذي استقبلته أمريكا وأوروبا والحركة الصهيونية استقبال الفاتحين، فلم يتخلوا عن السلطة إلا باحتلال بيروت وتدمير العراق وضرب ليبيا واحتلال جزيرة غرينادا واعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا وتفكيك الاتحاد السوفييتي وحصار العالم الإسلامي ونهب ثرواته وتدمير اقتصاداته وإحكام الطوق عليه. ولم تكن السنوات الثماني من حكم الديمقراطيين برئاسة بيل كلينتون إلا استراحة محارب لما بات يعرف بالمحافظين الجدد حتى إذا ما جاءت انتخابات العام 2000 عاد هؤلاء مجددا في صيغة أشبه بانقلاب عسكري أوصلهم إلى رأس السلطة بزعامة جورج بوش الابن بفارق بضع مئات من أصوات غالبية أصحابها من المسلمين في ولاية فلوريدا!

من عجائب القدر أن فوجئ هؤلاء ممن ظنوا أن الطريق خالية لتنفيذ مشاريعهم بتيارات السلفية الجهادية وهي تتحدى وتدك بفعالياتها الهجومية المدمرة رموز القوة الأمريكية في واشنطن ونيويورك واليمن وكينيا. وبدأت المواجهات والحرب الصليبية بين العالم الإسلامي والغرب ، كما أعلنها بوش وقادة الغرب وقساوسته، تدور رحاها في أكثر من جبهة ابتداء من أفغانستان وباكستان مرورا في العراق والصومال وساحات العواصم الأوروبية. وكلما اشتدت المواجهات كلما تعالت أصوات الخوف والرعب الأمريكية من الاستنزاف الاقتصادي والبشري خاصة في الساحة العراقية. وتكبدت الولايات المتحدة خسائر جنونية بعشرات تريليونات الدولارات.

ورغم جسامة الخسائر فلم يرتدع المحافظون عن سياساتهم ورعونتهم خاصة وأنهم ذوو قوى رأسمالية جبارة واحتكارات اقتصادية هائلة فقرروا تعويض خسائرهم بتجويع خلق الله من البشر. وبين ليلة وضحاها ارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة ولا مبررة على الإطلاق، وكأنهم يرومون المزيد من الأرباح بعد أن أمعنوا في سفك الدماء وأشاعوا الحروب ونهبوا الدول وسرقوا القطاع العام ولم يتبق لهم إلا الشعوب لإفراغ جيوبهم وتحويلهم إلى أعجاز نخل خاوية. لكن حكمة الله في خلقه هيأت من الأسباب ما يكفي لبضرب النظام الرأسمالي برمته في الصميم وفي عقر دياره الأكثر توحشا.

في كل تاريخ أمريكا لم تكن عهود الحكم الجمهوري إلا حقبا مستمرة من سفك الدماء والإبادة والعنصرية والغطرسة والتخويف داخل أمريكا وخارجها. ولم تكن حقبتهم الأخيرة بزعامة بوش الابن إلا ذروة التجسس على الداخل قبل الخارج وذروة المضايقات وذروة التشريع لقوانين لإرهاب وذروة التخويف التي سلطوها حتى على مواطنيهم وأحزابهم وبني جلدتهم بحجة الأمن وحماية أمريكا والشعب الأمريكي. لكن ماذا عساهم يبرروا سطوتهم فيما يتعلق بالفساد والنصب والاحتيال وانهيار النظام الرأسمالي؟ وكيف سيجيبوا مواطنيهم على حملات التهديد المستمرة لهم بالمشاركة في حروبهم الظالمة وممارسة الابتزاز وتجنيد المرتزقة واستغلال المهاجرين غير الشرعيين لقاء جواز سفر أو الطرد من البلاد؟ ماذا عساهم أن يجيبوا على تراجع الدين في البلاد وبدء الحديث عن مخاطر ارتفاع نسبة من يسمونهم اللامنتمون دينيا وهم من يتحدثون عن حروب صليبية ويتلقون الوحي من السماء بدلا من الكنيسة التي من المفترض أنها راعية الدين؟ ماذا عساهم أن يجيبوا على خسائرهم الفادحة في أفغانستان وخاصة في العراق التي كادت تودي بهم إلى غير رجعة لولا أن وجدوا من تطوع لإنقاذهم من هزيمة العصر؟

القوى الاجتماعية

لم يكن خطاب أوباما للعالم الإسلامي إلا جزء من مشروع تغيير شامل يستهدف إيجاد حلول للمسائل الاجتماعية الكبرى التي عصفت بأمريكا على امتداد قرون وغدت تتراكم ككرة الثلج منذرة بانفجارات اجتماعية في يوم ما قد لا يكون بعيدا إذا استمرت دون معالجة. فلم يعد للمواطنة ولا للدين ولا للإبداع ولا للأخلاق أية معايير يمكن الركون إليها سوى العنصرية وأحط القيم الإنسانية التي تفرزها المادة كسلعة قابلة للمتاجرة والخضوع لقيم السوق. ولم يعد أحد قادر على مواجهة ما يمكن تسميته بامتياز “طغمة المحافظين” المسعورة التي قدمت مصالحها على كل قيمة في الولايات المتحدة وخارجها وأرعبت كل من يواجهها وتسببت بتفعيل حاد لمعايير الانقسام على أسس الدين والثروة والثقافة واللون والجنس …. طغمة مارست شتى أنواع النفاق والاستغلال والكسب غير المشروع والكذب والمراهنات المالية على الانهيارات الاقتصادية والبنكية حتى في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت هي نفسها بوقوعها وجندت معها حتى قوى المال العالمية ليخرج علينا مدير البنك الدولي بكل صفاقة واستخفاف قائلا بأن علينا أن نتعايش مع غلاء الأسعار حتى العام 2015! وكأن القدر أمريكي الهوية!

كل العالم فردا فردا ما زال يدفع ثمن جنون المحافظين وحلفائهم من مجرمي الرأسمالية العالمية التي لا يضيرها حتى ما يحيق بمواطنيها. في هذه السياقات يأتي مشروع أوباما صدى بصريح القول لأزمة نظام وصل إلى طريق مسدود يهدد حتى الولايات المتحدة من الداخل بأوخم العواقب. وكان من الطبيعي أن تلاقي أطروحات أوباما الاجتماعية دعما وتأييدا من القوى الاجتماعية أكثر مما لاقته من القوى السياسية والاقتصادية المدانة اجتماعيا مهما بلغت من التنظيم في صورة مؤسسات وجماعات ضغط.

فخلال حملاته الانتخابية برزت حركة شعبية أمريكية محمومة لطرد الجمهوريين من الحكم لدرجة أن المرشح المنافس لأوباما جون ماكين طلب من جورج بوش عدم الظهور معه في حملاته الانتخابية خشية أن يسبب له مزيدا من الحرج ويؤثر على فرصه في الفوز، لكن الحملات الانتخابية كانت من الضراوة بحيث يمكن توصيفها بأنها انتقام بشع من حقبة المحافظين ليس في عهد بوش فقط بل في كل العهود السابقة التي تولوا بها حكم أمريكا منذ تأسيسها، فكانت الخسارة جسيمة حتى في الكونغرس الأمريكي بحيث لم يتبق للجمهوريين موطئ قدم إلا في أروقة حزب شبه منهار لم تستطع عضلات أرنو لد شوارزنيغر المفتولة أن تسنده ولا أقدامه القوية أن توقفه على قدميه.

وفي العادة فإن المؤسسات هي من يتحكم إلى حد بعيد بانتخاب الرئيس إلا في حملة أوباما فقد كان لعشرات الآلاف من فرق الشباب، حتى المسلمين منهم، دورا تطوعيا فعالا في الترويج لأوباما عبر السيطرة المبكرة على المراكز الثقافية والصالات العامة والتجمعات وخاصة في مقاهي النت وبث ملايين الرسائل للأصدقاء والمجموعات البريدية والمنتديات الحوارية لدرجة فاجأت أوباما ودفعته إلى توجيه عدة رسائل فيديو عبر الشبكة الإلكترونية. وإلى حد كبير يمكن القول أن الطبقة المسحوقة هي التي انتخبت أوباما وكذا الطبقة المتوسطة الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية كونها فقدت الكثير من وظائفها وامتيازاتها وخسرت استثماراتها من الورش الصناعية الصغيرة التي لم تعد تجد من يمولها، فلماذا ينتخب أمثال هؤلاء بوش أو المحافظين؟

ولأن الفقراء في أمريكا لهم أمثالهم في العالم وكذا الأغنياء وتشكيلات الطبقات الوسطى؛ فقد امتد التعاطف والمساندة لأوباما إلى خارج الحدود. فكشفت نتائج الانتخابات عن قاعدة شعبية واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة وذات محتوى عالمي بخلاف حملات الرئاسة السابقة. قاعدة ناقمة على الجمهوريين وما خلفوه من كوارث عالمية، ولا شك أن الجمهوريين تمنوا لو أن الانتخابات لم تقع وليست جزء من النظام السياسي على قدر فداحة الخسارة التي أصيبوا بها. هنا بالضبط وعلى هذا النحو ينبغي قراءة أوباما وأطروحاته والتوقف عندها باعتبارها ردا على الداخل الأمريكي لا بد وأن ينعكس على الخارج. وكل ما علينا هو التوقف عن التسرع في تحديد المواقف ومراقبة أثر السياسات الأمريكية على قضايانا سواء عبر الخطاب أو غيره من التصريحات والتحليلات الغربية على وجه الخصوص حتى نكون على صلة مباشرة فيما يدور من حولنا ولا نفاجأ بما لا تحمد عقباه.

يتبع قريبا …

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s