تنفيد مزاعم الصهيونية الدينية ـ 1- التهويد // بقلم : أحمد عزت سليم

تنفيد مزاعم الصهيونية الدينية ـ 1- التهويد
بقلم : أحمد عزت سليم

يقول الأب سهيل قاشا ” إن القصص التى كتبها اليهود استناداً إلى الرواية المتناقلة ليست بتاريخ إنما فيها نفحة تاريخية وطيلة عشرين قرناً الماضية تمكن اليهود من تكريس الكثير من المفاهيم المخطوءة القائمة على التحريف


والانتساب المزور للحوادث والشخصيات التاريخية ، من أجل أن يجعلوا لهم امتداداً تاريخياً مرتبطاً بحضارات العالم القديم وعلى الأخص الحضارتين العراقية والمصرية العريقتين وتحس بكل تأكيد أن أحبار اليهود قد اقتبسوا من تورايخ الأقطار المجاورة لهم فهودوا كل المعلومات والحكايات التى رأوا فيها فائدة بعد أن زوروها ، وهذا التاريخ المقدس يتبع نسقاً دينياً محدداً ، يختار من الحدث ما يخدم الهدف ، ويلجأ إلى الصور المجازية والرموز والمبالغة ليوصل الحكمة المستهدفة إلى الملتقى … وكثيراً من القصص التى وردت فى العهد القديم والتى تدعى لنفسها صفة التاريخية لا يمكن إثباتها بالعودة إلى التاريخ الدنيوى. كما أن بعض المدونات الآشورية والبابلية والمصرية تعطينا صورة مختلفة تماماً فضلاً عن نهب محتوياتها التاريخية والسطو على منجزاتها الإبداعية والثقافية والدينية وبشكل انتقائى لتدعى انتمائها إلى رسالة اختصها الإله بها فى موقع مقدس على الرغم من أن هذه الشخصية لم ترتبط فى وجودها بإطار جغرافى محدد ، ومن هنا فإن الجغرافيا لم تكن جزءاً من هويتها ولم تكن سمة من سمات تراثها الذى تميز بتعدد مراكزه الجغرافية ومن الثابت تاريخياً أن الجماعات اليهودية المنتشرة فى العالم كانت تتسم بعدم التجانس وعدم الترابط وبأن أعضاءها كان يوجدون فى مجتمعات مختلفة تسودها أنماط إنتاجية وأبنية حضارية اختلفت باختلاف الزمان والمكان وكتب دانيال روس فى كتابه ” من إبراهيم وحتى المسيح ” أن تاريخ إسرائيل فى تلك الحقبة- يقصد فترة ما بعد يشوع بن نون- ينقسم إلى مجموعة تواريخ يساوى عددها عدد قبائل إسرائيل ” كما يتضح تفتت الهوية اليهودية فى ظهور المفهوم الدينى القائل بأن شريعة الدولة هى الشريعة التى يجب أن يتبعها اليهودى فى حياته العامة ، أى أن نطاق الشريعة اليهودية تم تقليصه بحيث أصبح مقصوراً على حياة اليهود الدينية الخاصة وتعاملاتهم فيما بينهم ولا يضم حياة اليهود العامة والقومية ، وأصبحت اليهودية (على مستوى الممارسة) ديناً تحول الجانب القومى فيها إلى مجرد تطلعات دينية وانتماء إثنى يضمن للجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية العزلة اللازمة لها ، وهذا هو المبدأ الذى لا يزال سائداً بين أعضاء الجماعات اليهودية رغم كل الإدعاءات ، ومن كل هذا التفتت والتشتت هود الكهنة تاريخ وأساليب حياتها ، ونسبوا كل ذلك إليهم ، حتى ثيابهم – ثياب الكهنة- يظهر التأثير المصرى بوضوح فى الوصف التوراتى لثياب الكهنة التى تعتبر صورة طبق الأصل تقريباً من ثياب كهنة هليوبوليس والفرق الوحيد بين الصورتين يكمن فى أن الكهنة الإسرائيليين كانوا ملتحين بينما كهنة مصر حليقى الذقون والرؤوس وهذا هو الشئ الوحيد الذى لم يتجرأ موسى على طلبه من الإسرائيليين فتركه وأقلع عنه لأن اللحية كانت صفة سامية قديمة جداً ، وتابوت الشهادة مسروق أيضاً عن المصريين فقد كان الكهنة المصريون فى هليوبوليس وطيبة يحملون خلال ممارستهم طقوسهم أسفاطاً صغيرة فيها أدوات ممارسة طقوسهم ، والممتع هنا ـ على رأى زينون كوسيدوفسكى ـ أن تلك الأسفاط كانتا تظلل بجناحيها تمثالين منحوتين لعبقريين أو لاثنين من حماتهم ، وهكذا نجد أنه حتى الكروبينات الإسرائيلية لها منشأ مصرى … ويمكن أن تجد فى التوراة أمثلة أخرى من التأثير المصرى ، لنتذكر المشهد الذى غطى فيه موسى وجهه بحجاب وظهر على رأسه قرن ، علامة على قدسيته. لقد كان الكهنة المصريون يغطون وجوههم بخمار فى لحظة معينة من ممارسة طقوسهم الدينية فى المعبد أو عند قيامهم بالتنبؤ ، أما القرن فهو بقايا طقس العجل أبيس المصرى الذى ترك فى نفوس الإسرائيليين آثاراً عميقة كما يدل مشهد العجل الذهبى التوراتى- فالقرن بالنسبة لهم بقى للقدسية وقد أخذت المزامير كثيراً من أفكارها التى نسبتها إلى إله إسرائيل من القصائد المصرية فى مدح الإله آمون رع والموازنة بينهما لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة البحتة فمن ذلك أن القصيدة المصرية تخاطب آمون رع وكأنه ” وحيد السماء الأعظم وأقدم من فى الأرض وسيد كل المخلوقات ” كما يقال له أن الوحيد بين الآلهة وأكبر من كل الآلهة ” و ” إله الحق ” و ” أب الآلهة ” و ” صانع الرجال وخالق الحيوانات ” وهو يوصف كثيراً بأنه ” خالق كل شئ ” و ” الذى يصعد مبتهجاً عبر السموات ” كما يدعى كذلك بأنه ” الواحد العادل” وكان العالم الأمريكى جيمس هنرى برستيد أول من أشار إلى المطابقة بين نشيد إخناتون والمزمور (1.4) ثم قام بعمل مقارنة بين النصيين فخرج من بحثه ـ أو أبحاثه ـ بأن ذلك لا يمكن أن يكون بسبب توارد الخواطر بحال من الأحوال ، وإنما المرجح أن العبرانيين كانوا على علم بأنشودة اخناتون العظيمة التى وضعها الإله … وآنه بفحص بعض الفقرات المشابهة لها من المزمور(1.4) يظهر لنا مدى الشبه بين الصورتين ، لا من حيث مضمون أنشودة أخناتون فحسب بل إننا كذلك نجده فى تتابع الأفكار وترتيبها الظاهرى ، فإن ذلك يقى فى الرواية الأسيوية العبرية كما فى أنشودة أخناتون ولا يمكن بحال أن تكون تلك المشابهات من قبيل المصادفة بل إنها بالعكس دليل على وجود جزء عظيم من الأنشودة المصرية الدينية القديمة منشوراً بشكل معدل فى المزامير العبرانية وعدا ذلك فإنه من المبرهن عليه أن أقدم القوانين الإسرائيلية المذكورة فى كتاب العهد ، مسروقة من تشريعات شعوب قديمة أخرى ومصاغة على النمط الإسرائيلى ، وقد كشف العالم الألمانى آ.آلت فى كتابه (مصادر القانون الإسرائيلى) النقاب عن علاقة القوانين الإسرائيلية بتشريع حمورابى وكذلك بقوانين وتشريعات الحيثيين والآشوريين والمصريين والكنعانيين وحتى الوصايا العشر لا تعتبر نتاجاً إسرائيلياً نقياً ، فقد قارن المؤرخ الإيطالى جوزيبى ريتشيونى مؤلف كتاب ” تاريخ إسرائيل ” بدقة متناهية مجموعة من النصوص القديمة ، فاكتشف أن للوصايا العشر شبيهات بل قرائن فى كتاب الأموات المصرى وفى النص البابلى شوربو .
ويلاحظ أن التلمود الذى وضع فى بابل تناول الكثير من القضايا المتعلقة بالأراضى وإنشاء الجداول وصيانة السدود ومعالجة القضايا المتعلقة بشئون الزراعة المرتكزة على الرى وأكثرها مقتبس من أنظمة الحياة البابلية بعد أن أخذ اليهود يمارسون الزراعة على الرى فى بابل بعد السبى .

وقد بددت الأبحاث التحليلية اللغوية اللاحقة كل الشكوك حول أكبر المنجزات التى فعلها يشوع بن نون حينما صرخ فى حالة من هيجان السعادة :” ياشمس دومى على جبعون ويا قمرعلى وادى أيلون.فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه “(سفر يشوع أصحاح 1. : 12- 13) فقد بددت هذه الأبحاث كل الشكوك حول هذا الموضوع ذلك لأنه ثبت قطعياً أن المقطع المذكور ليس إلا نقلاً حرفياً لمقطع من (كتاب العادل) أدخل لاحقاً فى قصة يشوع بن نون من قبل مؤلفى التوراة ، أما كتاب العادل فهو مجمع لأناشيد وملاحم شعرية قديمة مشهورة جداً عند العبرانيين كما أننا نجد مقطعاً توراتياً آخر منقولاً من هذا الكتاب فى سفر الملوك الثانى (إصحاح 1 : 18) ولقد توصل العديد من العلماء الأركيولوجيين (الآثاريين) مؤخراً إلى أن سفر الخروج نفسه ، الذى يعتبره الكتبة اليهود واحداً من الأسفار الخمسة التى نزلت على النبى موسى قد تضمن قصصاً تشبه تماماً تلك التى جاءت فى الحوليات البابلية ، ومنها على سبيل المثال ” قصة موسى الذى قاد اليهود إلى فلسطين تبقى على حالها ، وقضوها فى مصر فى القهر والعبودية تتشابه وتتطابق لما دونه أحد الكهنة البابليين عن ولادة سرجون الآكدى وهو يتحدث عن نفسه فكما جاء فى النصوص المسمارية أنه كان للملك سرجون العظيم الذى حكم عام 235. ق.م وأسس الدولة الأكادية فى بلاد ما بين النهرين مصير موسى نفسه فأمه الكاهنة ولدته سراً ووضعته فى سلة مطلية بالقار وألقته فى النهر فرآه أكا الساقى والبستانى وأخرجه من النهر. تحمل هذه القصة بين طياتها معالم واضحة للأسطورة لكن سرجون كان شخصية تاريخية حقيقية والأدلة على ذلك موجودة فى الوثائق التى اكتشفت بين أنقاض مدن ما بين النهرين وهى صحيحة ولاشك فيها ومن أكبر الأدلة على تهويد التراث الفكرى والحضارى للشعوب الأخرى السطو على قصة الخلق عند البابليين ووجد الباحث الأمريكى جيم بريتشارد الكثير من التطابق بين قصة الخلق البابلية (إينو إيليش) والقصة التى وردت فى سفر التكوين غير أكثر ما يدهش فى الأمر هو التسلسل المشترك للحوادث بين النصين: نشوء السماء والأجسام السماوية وعزل الماء عن اليابسة ثم خلق الإنسان فى اليوم السادس ومن ثم استراحة الإله فى العهد القديم والوليمة الكبيرة المشتركة لآلهة البابليين فى نص إينو إيليش فى اليوم السابع ويعتبر العلماء منصفين فى اعتقادهم: أن الآية الخامسة من الإصحاح الثالث لسفر التكوين التى تقول ” … وتكونان كالإله عارفين الخير والشر .. ” وآيات أخرى تحمل بعض معانى الإشراك ، وإنما يدل هذا على أن العبرانيين القدماء لم ينتبهوا لهذا الأمر ، مما أدى إلى الحفاظ على آثار المعتقدات الإشراكية القديمة فى نصوص التوراة ، ويذكر فى الآية الرابعة من الإصحاح السادس (التكوين) “… إذا دخل بنو الإله على بنات الناس… ” فمثل هذا التعريف تماماً مُعطى فى الأسطورة البابلية للآلهة المتمردين وذلك لأنهم كانوا فى الحقيقة أبناء للإلهين إبسو وتيامات والتشابه نلاحظه فى قصة الخلق التى ترويها التوراة عن أصل الخليقة. وكانت فكرة البعث والنشوء فى ملحمة (جلجماش) الخالدة تأثيراتها الواضحة فى التوراة بالرغم من أن التوراة دونت بعدها بألفى سنة كما أن القصص الفارسية وقصص التلمود الخاصة بالخلق تقول أن الإله خلق فى بادئ الأمر إنساناً مكوناً من ذكر وأنثى متصلين من الخلف كالتوأمين الساميين ، ثم رأى فيما بعد أن يفصل إحداهما عن الآخر التلمود (سنهدرين ص 2ر 38): أخذ الإله تراباً من جميع بقاع الأرض وكونه كتلة وخلقها جسماً ذا وجهين ثم شطره نصفين فصار أحدهما آدم والثانى حواء ” وهو الأمر الذى أشارت إليه التوراة ، بل وأضافت أن الإله خلق الإنسان على صورة الإله نفسه ، ورغم أن كاتب التوراة قد أغفل لون هذا التراب أو الطين فإنه استخدم الوصف الذى ذكرته جميع الحكايات التى هودها وسطا عليها حيث كان الطين أحمر اللون ، فكانت الكلمات العبرية التى تدل على الرجل فى العموم هى ” آدم ” وعلى الأرض ” أدمه ” من الكلمة التى تطلق على اللون الأحمر وهى ” أدوم ” وبذلك نصل عن طريق التسلسل الطبيعى ، بل الضرورى ، للعلل ، إلى أن الأبوين الأولين قد خلقا من التراب الأحمر ، فإذا ساورنا شك فى هذا فربما كانت ملاحظة أن تربة فلسطين تميل حتى اليوم إلى الحمرة الداكنة تبدد هذا الشك ، ومن بين قصائد الغناء التى عُثر عليها منقوشة على لوح من الطين ، قصيدة سومرية تصف (أرض الخلود) التى لا يوجد فيها مرض أو موت أو حزن … هذه القصيدة فيها تطابق مذهل مع وصف التوراة ” لجنة عدن ” إلى حد أن الجنة هى نتاج الخيال السومرى: فى الأسطورة عن الإله إينكا، توصف الجنة أيضاً فى شكل بستان ملئ بالأشجار المثمرة يعيش فيه الناس والحيوانات بسلام وتفاهم ولا وجود فيه للشقاء والمرض ، كما أن نظرية خطيئة الإنسان الأولى ، خطيئة آدم وحواء موجودة فى الأسطورتين ففى الأسطورة التوراتية أغرت الحية آدم وحواء ليأكلا من ثمرة شجرة معرفة الخير والشر وفى أسطورة ما بين النهرين يأخذ الإله إيا مهمة التغرير على عاتقه فالروايتان تحملان معنى مضمونه أن معرفة الخير والشر ، أى الحكمة ، تضع الإنسان على مستوى واحد مع الإله لتساويه وتمنحه الخلود لنتذكر هنا أنه بالإضافة لشجرة معرفة الخير والشر كانت هناك فى الجنة شجرة الحياة أيضاً فلإله طرد آدم وحواء من الجنة ليس فقط لعدم انصياعه لأوامره بل لخوفه من أن يأكلا من شجرة الحياة فيخلدان ففى الإصحاح الثالث من التكوين حرفياً: وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً للخير والشر والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد ” كذلك يتضح لدرجة ما من الوضوح منشأ صفة الكتاب المقدس الوسواسة ، فالبطل السومرى جلجماش يتجه إلى جزيرة الجنة حيث يعيش محبوب الآلهة أوتنابشتيم كى يأخذ من عنده نبتة الحياة ، لكن أحد الآلهة أبى أن يصبح الإنسان خالداً ويتساوى مع الآلهة فتحول إلى هيئة حية ولاقى جلجماش ، حين كان هذا يعبر النهر عائداً ، وغطس فى الماء ، وانتزع من جلجماش النبتة السحرية ، ويرى جوردون ” أن أول عهد بأسطورة التنين كان على ختم أسطوانى من بلاد النهرين ، يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد ، وهو الختم الذى يصور أبطالاً يقضون على وحش ذى سبعة رؤوس . ويضيف جوردون أن المعركة بين الرب والتنين ، و هى ما أطلق عليه ( معركة الازدواج ) كانت معروفة بل وراسخة الدعائم فى كنعان منذ عصور ما قبل العبرانيين ، حيث هضمها العبرانيون- على حد قوله- مع اللغة والمؤثرات الكنعانية منذ تاريخ العبرانيين المبكر فى أرض كنعان … وقد وردت أسطورة التنين فى العهد القديم مبعثرة فى مستواها الأول ، أى فى العالم الإلهى ، حيث دار الصراع بين يهوه (الرب) والتنين وهو الصراع الذى ارتبط بالخليقة بشكل مباشر فى أغلب الأحيان ويذكر كاستر أن اللفظ العبرى لوثان تعادل اللفظ الكنعانى والذى يعنى الذى يرى وقدم سفر إشعيا- فى إحدى مواضعه- صورة للرب تكاد تشبه صورة التنين ذاته وفيها الكثير من التشخيص المنبثق عن خيال أسطورى حيث يصف الرب يهوه على النحو التالى: ” هو ذا اسم الرب يأتى من بعيد غضبه مشتعل والحريق عظيم شفتاه ممتلئان سخطاً ولسانه كنار آكله .. ، ونفخته كنهر غامر يبلغ إلى الرقبة (إشعيا 3. : 27- 28) وفى المزامير نجد النصين التاليين يصوران الرب بهيئة التنين ” فارتجت الأرض وارتعشت أسس الجبال ارتعدت وارتجت لأنه غضب صعد دخان من أنفه ونار من فمه أكلت . جمر اشتعل منه ” مزمور 18 : 8- 9) ، و ” تجعلهم مثل تنور نار فى زمان حضورك. الرب سخطه يبتلعهم وتأكلهم النار … ” (مزمور 21 : 1.) ، ويقدم لنا الدكتور كارم محمود عزيز الدلائل على أن أسطورة التنين العبرية كموتيفة اسطورية مقتبسة من ميثيولوجيا الشرق الأدنى القديم بوجه خاص … ويدلل على ذلك بما يلى :

ـ أن الوصف الأسطورى الرهيب للتنين والذى تضمنته النصوص العبرية ، موجود فى ملحمة الخليقة البابلية المسماة ” إينوما إيليش = عندنا فى الأعالى ” والتى تسبق النصوص العبرى بأحد عشر قرناً على الأقل ، كما أن هذا الوصف موجوداً أيضاً فى ملحمة ” بعل الكنعانية ” التى تسبق النصوص العبرية هى الأخرى بنحو ستة قرون على أقل تقدير .

ـ و أن وصف التنين العبرى على أنه ” حية/ ثعبان ” ورد فى أسطورة ” رع الثعبان أبو فيس ” المصرية ، وهى تسبق النصوص العبرية بنحو خمسة عشر قرناً تقريباً.

ـ كما أن” تعبيرات الحية الملتوية ” و” رؤوس لوياثان ” والتى تضمنتها النصوص العبرية ، وردت بالنص فى ملحمة بعل الكنعانية ، وأن وصف الإله نفسه بهيئة التنين ورد فى ملحمة الخليقة البابلية:

ـ أن فكرة الصراع الأزلى بين الخالق والتنين هى فكرة بابلية الأصل ، تضمنتها أيضاً ملحمة الخليقة البابلية.

ـ أن فكرة الصراع الأخروى بين الرب والتنين هى فكرة فارسية الأصل تضمنتها نصوص فارسية وردت فى كتابى الأفستا والبونداهشن ” وهى نصوص تسبق النصوص العبرية على أرجح الآراء ” ، وعلى الرغم من أن الحية حاربها الإله وأبادها مرة فى سفر أيوب (26 : 2-3.) بنفسه ويداه ، ومعاقبتها بسيفه القاسى العظيم (اشعياء 27 : 1.) فإن الإله كان قد سلط فى أيام موسى الحيات على شعب إسرائيل لتمردهم على الخروج من مصر ولم يرفع عنهم البلاء إلا بتضرع موسى ، وإلا بعد أن صنع موسى حية من نحاس رفعها على ساريه ليبرأ بها كل من لدغته الحية ، وقد بينت الاكتشافات الأثرية أن طقس عبادة الحية حافظ على وجوده فى فلسطين عدة قرون بعد موسى وكان الكثير من الأتباع الإسرائيليين ، وعلى الرغم من المكانة العظيمة والهالة القدسية اللتين تمتع بهما موسى ، فإنه لم ينج من ملامة أنصار يهوه ، الذين اتهموه بتلويث الديانة العبرية لسماحه بممارسة طقوس عبادة الإله الحية ، إن هذا واضح فى سفر الملوك الثانى (اصحاح 18 : 4) هناك تقرأ أن الملك اليهودى حزقيا (721- 693 ق م) : ” سحق الحية النحاس التى عملها موسى لأن بنى إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها ودعوها “نحشتان” وكان موسى ـ على رأى زينون كوسيدوفكسى ـ يتأثر فى ذلك بزواجه من إبنة كاهن مديان ، ولهذا سعى موسى للتوفيق بين طقس الحية واليهوية ، فإلهه ليس كائناً غير مرئى ، إنه يتمتع بكل خواص إله الحرب الميديانى ومذهبه بسيط وساذج تماماً كإدراك الإسرائيليين ، لقد وردت ” قصة الطوفان ” فى أكثر من موقع فى المدونات السومرية والبابلية ولاسيما ملحمة جلجماش ، حين غطى المعمورة ، ولم ينج من أهلها إلا زعيم دينى وأفراد أسرته والحيوانات التى حملها معه فى الفلك التى أوحى إليه ببنائها من قبل ، ولقد أورد سفر التكوين هذه القصة ، بعد ألفين فقد أدهشت العالم الاكتشافات المتعلقة بالطوفان فقد وجد جورج سميث على بعض الألواح المسمارية المرسلة من نينوى مقاطع من أسطورة الطوفان مشابهة تماماً لتلك التى فى العهد القديم وما كاد سميث ينشر مكتشفاته حتى انصبت عليه الاتهامات والاعتراضات من مرائى ومنافقى بريطانيا الفيكتورية الذين يعتبرون العهد القديم كتاباً مقدساً مرسلاً من عند الإله. لكن جورج سميث لم يستسلم فغادر بريطانيا إلى ما بين النهرين ، ويا للعجب لقد وجد بين أنقاض مدينة نينوى الضخمة المقاطع الناقصة التى أثبتت تماماً نظريته عن الطوفان ، وقد أثبتت أدق التفاصيل صحة ِنظريته ، وذلك كإطلاق الغراب والحمامة وكوصف الجبل الذى رسا عنده الفلك وكطول الطوفان وكالعبرة من الأسطورة فى عقاب البشرية على أخطائها وأفعالها الدنيئة وإنقاذ الإنسان المؤمن الشريف وفى كلتا الحكايتين قررت القوى الإلهية أن تقضى على الجنس البشرى بأن ترسل إلى الأرض طوفاناً عظيماً . وفى كلتيهما أفشى الإله هذا السر إلى رجل قبل إغراق الأرض بالطوفان . وقد أرشد الإله هذا الرجل إلى بناء فلك كبير لكى يأوى إليه فينقذ نفسه وينقذ معه صنوف الكائنات الحية جميعاً . ومن المحتمل أنه ليس من قبيل الصدفة أن يكون البطل الذى أنقذ من الطوفان فى الحكاية البابلية وفقاً لرواية ” بيروسوس ” ـ هو ملك بابل العاشر ، وأن يكون نوح فى الحكاية العبرية هو الرجل العاشر من نسل آدم . وفى كلتا الحكايتين ابتنى الرجل المختار ، بعد تحذير الإله إياه ، سفينة ضخمة مكونة من عدة طوابق ، وطلاهما بالقار والقطران حتى لا تتسرب إليها الماء ، وأدخل فيها أسرته وحيوانات من كل صنف . وفى كلتيهما هطلت الأمطار الغزيرة ، فتجمع الطوفان بمقدار كبير ودام أياماً يختلف عددها قلة أو كثرة ، وفى كلتيهما غرق الجنس البشرى جمعيه فيما عدا البطل وأسرته . وفى كلتيهما أرسل الرجل الذى أنقذ ، طائرين غراباً وحمامة ليرى عن طريقهما ما إذا كانت مياه الطوفان قد انحسرت عن الأرض . وفى كلتيهما عادت الحمامة إلى السفينة لأنها لم تجد مكاناً تستقر فيه ، أما الغراب فلم يعد فى كلتا الحكايتين ، وفى كلتيهما رست السفينة على جبل ، وفى كلتيهما اشتمت الآلهة رائحة الشواء الطيبة فسكن غضبها وفى القصتين يقدم البطل بعد خروجه من السفينة تقدمة تتقبلها الآلهة وتؤكد له الأمان فى المستقبل ، وفى القصتين ندم الآلهة على إهلاك البشر بالطوفان ، ففى القصة البابلية يندم أنليل لأنه أحدث الطوفان دون روية وقد ناس إلى التهلكة ، بل أن الآلهة نفسها قد لامته على ذلك ، و تمنت أرسال أسداً أو ذئباً أو مجاعة فأهلك بنى البشر الآثمين: ” وعلى الإثم وزر إثمه وعلى المعتدى وزر اعتدائه ، وأما فى القصة التوراتية ، فإن الرب يندم كذلك على إرسال الطوفان ، ويعزم على ألا يلعن الأرض من أجل الإنسان وإلا يميت كل حى ، بل ويقطع الرب على نفسه ميثاقاً ” لا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض ” ويضع للميثاق علامة هى “القوس فى السماء ” فيذكر وعده ولا يأتى بطوفان يغرق الأرض أبداً ولتنتهى قصة الطوفان بكل ما فيها إلى أهم النتائج وهى بناء نوح للهيكل وتقديمه الضحية للرب شكراً على إنقاذه من الطوفان فبعد الطوفان يصبح الهيكل هدفاً لكل محاولة فى التاريخ الإسرائيلي لتحقيق إقامته ويصير التحقيق والتحقق إلهياً ، كما يذكر الرب بالطوفان بقوسه الذى فى السماء كعلاقة ميثاق مع الرب ، ومن كل جسد حى على الأرض يكون القوس تذكره لإقامة الهيكل وتقديم الشكر للرب ، فقد تخلص الإله من الآثمين من البشر وغير الطاهرين من الحيوانات هكذا تكون إقامة الهيكل هى التخلص مرة أخرى من الآثمين من البشر وحيواناتهم الآثمة غير الطاهرة تحقيقاً للميثاق الأبدى بين الإله والأجداد الأول ، ويصير قوس الإله ، الذى يظهر فى السماء تذكرة لهذا الميثاق وتذكره أبدية بالإقامة ، وإعادة الهيكل إلى الوجود فالهيكل أبدى فى ديمومتة على الأرض المقدسة التى تغمرها مياه الطوفان وبل يؤكد مناحم كلاين المستشرق فى جامعة بارإيلات ” بأن بقايا الهيكل موجودة فى السماء وأن الرب حين يشاء بناء الهيكل الثالث سينزلها إلى الأرض ” وكما جاء فى الكتابات الحاخامية ، فإن أرض فلسطين متسامقة عن غيرها ، لم تغمرها مياه الطوفان مع التركيز فى نصوص أخرى على أن مدينة أورشليم هى التى سوى فيها آدم، وجبل صهيون هو الذى بدأ منه خلق العالم واللذان أفلتا من الغمر العظيم .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s