الساحر وخطاب السحرة عروض أوباما ومنهجيته // (3) د. أكرم حجازي

الساحر وخطاب السحرة

عروض أوباما ومنهجيته

(3)

د. أكرم حجازي

منذ النصف الثاني من القرن العشرين لم يسبق أن تقدم رئيس غربي ولا أمريكي بخطاب استراتيجي شامل إلى العالم الإسلامي كما فعل أوباما. ولم تكن مفردات ولا مصطلحات ولا أطروحات أوباما لتتماثل مع أي خطاب أمريكي أو غربي. وبكل بساطة يمكن القول أن المستوى الأول من التحليل عليه أن يقرّ بأننا إزاء لغة جديدة ومضمون جديد بكل معنى الكلمة. ولا يهم في السياق أن يكون أوباما قد أودع خطابه بيد السحرة من المثقفين أو المستشرقين والعلماء أو أية جهة كانت لتنقيحه أو تعديله كي يتلاءم وعقلية المسلمين لاسيما العرب منهم. فالمهم أن نعرف بالضبط ما هي أطروحات الخطاب؟ وفي أي سياق قيلت؟ وما مدى مصداقيتها؟

كحصيلة أولية خلف خطاب الرجل انطباعات إيجابية وهو يتحدث عن الإسلام وتاريخه وعن الحضارة الإسلامية ودورها في نهضة الغرب وعن حقيقة الإسلام وعن وجوب أن يكون شريكا في إدارة المشكلات الدولية وإيجاد الحلول لها؛ وحين تحدث عن بعض المظالم والأخطاء وعن “توتر تمتد جذوره إلى قوى تاريخية تتجاوز أي نقاش سياسي راهن؛ وحين أعلن عن مسؤوليته كرئيس في “ التصدي للصور النمطية السلبية عن الإسلام أينما ظهرت” والتي تسببت بها أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى الدرجة التي وصل بها الأمر إلى “اعتبار الإسلام معاديا لا محالة ليس فقط لأمريكا وللبلدان الغربية وإنما أيضا لحقوق الإنسان” مطالبا بتطبيق المبدأ ذاته على صورة أمريكا لدى الآخرين؛ وحين حمّل ما أسماه بدوائر “الارتياب والشقاق” لدى الجانبين المسؤولية الكاملة عن تكوُّن الصورة النمطية السلبية تجاه كل منهما.

في متن الخطاب توقف أوباما عند ما اعتبرها مجموعة من أبرز “التوترات” بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة كالتطرف (العراق وأفغانستان) والبرنامج النووي الإيراني وفلسطين والديمقراطية والحرية الدينية والاقتصاد. ولأنها (التوترات) قضايا خلافية كبرى يجب أن تناقش لإيجاد حل لها فلا بد من “الصراحة” كآلية عمل وتفكير بين الجانبين “بغض النظر عن أفكارنا حول أحداث الماضي فلا يجب أن نصبح أبدا سجناء لأحداث قد مضت إنما يجب معالجة مشاكلنا بواسطة الشراكة كما يجب أن نحقق التقدم بصفة مشتركة” وإلا فـ لن نتقدم أبدا إلى الأمام إذا اخترنا التقيد بالماضي“.

لكنه لم يتحدث عن بداية جديدة، كما يظن البعض، بل في “البحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل” مشيرا إلى:

(1) أن “أمريكا ليست ولن تكون أبدا في حالة حرب مع الإسلام“؛

(2) وأن “التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها“؛

(3) وأنه “لا يمكن لخطاب واحد أن يلغي سنوات من عدم الثقة“؛

(4) وأنه “ لا يمكنني أن أقدم الإجابة عن كل المسائل المعقدة التي أدت بنا إلى هذه النقطة“؛

(5) وأنه ” يجب علينا … أن نعبر بصراحة عما هو في قلوبنا وعما لا يقال إلا وراء الأبواب المغلقة”؛

(6) وأن يتم بذل جهود مستديمة للاستماع إلى بعضنا البعض”؛

(7) و “للتعلم من بعضنا البعض“؛

(8) وعن “الاحترام المتبادل”؛

(9) و “البحث عن أرضية مشتركة“.

لا ريب أن ما يعرضه أوباما على العالم الإسلامي منسق بدقة فائقة. وحتى لو كان بثوب جديد إلا أنه مختلف جذريا عن أسلوب المحافظين، ومختلف حتى في قواعد العلاقات المقترحة للحوار، ومختلف في مضامين الأطروحات المقدمة. وفضلا عن أن ما يقدمه أوباما هو مشروع ضخم فإن أبرز ما فيه أنه مخالف مبدئيا (وليس مختلف) للسياسة الأمريكية التي ألفناها وغيرنا من الأمم طوال عقود ماضية، ومخالف حتى للثقافة الأمريكية ذات النزعة الاستعلائية والعدوانية، ومخالف لمحتوى البرامج الانتخابية التقليدية. إنه باختصار يتحدث عن جزء من معتقداته وتجربته الشخصية، وبلسانه يقول: “ يعود جزء من اعتقادي هذا إلى تجربتي الشخصية”.

ففي مقابلة له مع محطة الـ BBC البريطانية (1/6/2009) اعترف أوباما بأن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تفرض قيمها على الدول الأخرى. وهذا جديد كل الجدة بالمقارنة مع الأطروحات السابقة التي لم تكن لتتحدث إلا عن النمط الأمريكي والغربي بوصفه نمطا كونيا أزليا، وما على الآخرين إلا أن يكيفوا عقائدهم وثقافاتهم لتلائم نموذج “الإنسان الأخير“. لكن الحديث في هذه النقطة بالذات ينبغي أن يوزن بدقة فائقة. فالنمط الأمريكي، “بشروط أوبامية جديدة“، هو خيار داخلي مقبول. ومع ذلك فلا يجوز فرضه على الآخرين. لذا فإن أوباما يتحدث بالضبط عن تعديلات في أطروحات النمط الأمريكي التقليدي من جهة وعن تجاوز “للصورة النمطية السلبية” وليس عن النمط بحد ذاته حتى المعدل منه.

إذن مشكلة النمط تكمن فيما علق به من صور سلبية تراكمت عبر عقود، وربما قرون، وعملت حقبة الجمهوريين الأخيرة في الحكم على إيصالها إلى الذروة بفعل سياساتها ومعتقداتها الخاصة بها والبعيدة عن حقيقة أمريكا ، فهي من تسبب بالأزمة وفاقمها إلى الدرجة التي فقدت معها الولايات المتحدة الكثير من مكانتها حتى أنها لم تعد أكثر من دولة عظمى وإنْ ظلت الأقوى مقارنة بغيرها. وبالتالي فإن خطاب أوباما، كما هي كتاباته وخطاباته السابقة، يأتي كما لو أنه إدانة بقدر معين للحقبة وليس تبنيا لها، وإدانة صريحة لتجار الأطروحات الدموية والحروب وليس ثناء عليهم، خاصة لأبرز رموز الثقافة الأمريكية وتطبيقاتها الاجتماعية والإنسانية، وإدانة إجمالية حتى لبعض جوانب التاريخ الأمريكي.

ففي عهد أوباما من المفترض ألا يكون لفرانسيس فوكوياما صاحب “الإنسان الأخير ونهاية التاريخ” الذي تحدث فيه عن انتصار الرأسمالية وسيادتها كنمط عالمي مثالي وجود في الفكر الأمريكي علما أنه تراجع عن أفكاره. ولم يعد صموئيل هانتنغتون صاحب “صدام الحضارات” موجودا حتى على قيد الحياة، ولن يجد القس جيري فالويل وجيري فاينز وبات روبرتسون وفرانكلين جراهام مساحة كبيرة لأطروحاتهم العنصرية الفجة. ولم يتبق للأسود دانيال بايبس صاحب أشد الأطروحات عنصرية وحقدا خاصة على الإسلام والمسلمين حضور يذكر إلا في الصالات الملائمة له. والأمثلة في السياق لا شك كثيرة. لكن من المهم أن نختم بالقول بأن النموذج الأمريكي في الاجتماع الإنساني، بحسب أوباما، لم يعد مقبولا حتى على الصعيد الأمريكي. وبحسب خطاب أوباما فإن: “أي نظام عالمي يعلي شعبا أو مجموعة من البشر فوق غيرهم سوف يبوء بالفشل لا محالة“.

إذن ليس من المنطق ولا العقل أن نقول أن الخطاب خلا من أي جديد خاصة وأن تجربته الشخصية احتلت حيزا كبيرا ليس في الخطاب فقط بل وفي برامجه وخطاباته الانتخابية في عقر دار أمريكا. وهذا لا شك سلوك سياسي ينطوي على مغامرة كبيرة أن يضع مرشح رئاسي تجربته الشخصية موضع اختبار شعبي في مجتمع تديره مؤسسات وكارتيلات حكم وجماعات ضغط ضخمة.

لكن الكثير من ردود الفعل العربية على الخطاب تعاملت معه كخطاب سياسي عابر بينما هو بداية لمشروع برسم التمرير، ولما نقول مشروع فهذا يعني أن للخطاب ساحة صراع مركزية ليست هي الساحة العربية أو الإسلامية بقدر ما هي ساحة المجتمع الأمريكي بكل تاريخه ومكوناته الثقافية والمؤسساتية وأدائه التاريخي. وكان من الملفت حقا أن تتفاعل حزمة لا بأس بها من الردود بما يشبه الغرام بأوباما خاصة من بعض الرموز الليبرالية وما يسميه البعض بمشايخ المارينز، وحزمة ثانية انبرت أقلامها، على عجل كما لو أنها تسابق الزمن في الرد على الخطاب حتى قبل أن يلقيه صاحبه من على منابر جامعة القاهرة بساعات! وحزمة ثالثة تفاعلت معه كما لو أنها تخاطب رئيسا عربيا علما أن الكثير منها شككت في قدرة أوباما على تحويل أقواله إلى أفعال،. وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى ملاحظة أحد الكتاب وهو يشير إلى أن الدفاع عن إسرائيل وحمايتها مثلا بات مسألة ثقافية في المجتمع الأمريكي وليس مجرد مسألة سياسية خلافية يمكن وضعها على طاولة المفاوضات، وهذا يؤشر على أن أكثر ما يمكن أن يفعله أوباما، فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، ربما لن يتعدى إلقاء حجر في بركة مياه آسنة لزجت منذ عهد طويل، أما أن يحدث فيها حراكا فهذا يتوقف على حجم الحجر وقوة الضربة.

إلى هنا فالسؤال ليس عن الجديد فقط بل عن جواهر أطروحات أوباما؟ وعن حقيقة ما يسمى بالمصالحة مع الإسلام؟ وعن هوية القوى المعنية بقيادة التغيير وإنجاحه سواء في أمريكا أو في بلدان العالم الإسلامي؟

يتبع ….

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s