“خَلقَ الإنسانَ مِنْ علَقٍ” وما يزال.. //جلال القصّاب

“خَلقَ الإنسانَ مِنْ علَقٍ” وما يزال..
جلال القصّاب

jalal.alqassab@gmail.com
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية

أدرتُ التلفاز فإذا بمباراة تنِس.. فاجأتني ابنتي الصغيرة: تُشجّع من؟ أجبتها بتلقائيّة: الأزرق (وكان لاعب التنس “فيدرير” بالقميص الأزرق).

“علَق” = التعلّق، الميل، التأييد، التشجيع، الانتخاب.. الانتماء.
اختتم استحقاقُ الانتخابات الإيرانية و24 مليون ناخب صوّتوا لأحمدي نجاد الذي جهد خلال مناظراته مع منافسيه بفضح الفساد المالي والذمميّ والتكسّب الوظيفيّ وتأكيد نزاهته وخدمته مصالح شعبِه، فرحتْ شعوبٌ ودولٌ وفئاتٌ بفوزه (لدرجة عدّه “شافيز” بأنّه انتصارٌ على الغطرسة).. واكتأبت قوى أخرى، ومِن قبله أفرحتْ حصائلُ انتخابات لبنان فئاتٍ وتوجّهاتٍ وحكوماتٍ.. وأحزنتْ شعوبًا وأحزابًا وقِوى، ومن قبله انتخابات أمريكا.. وهكذا.. وجميعُها بثّت رسالة واحدة: أنّ الناس تُصوّت لص الحها هي.. لا لصالح أحدٍ، “فتُشجّع” الذي يُعطيها أملاً بالتغيير، و”تتعلّق” بمَن ينتشلها من أزماتها المعيشية وضوائقها المالية، وقد “تميل” و”تسيل” لمن يدفع لها مقابل أصواتها أو مقابل تحييدها فقط، و”تنحاز” أكثر للذي يوفّر لها لقمتها وكرامتها وأمانها ويرفع حرمانها واستضعافها ويحفظ “مالها العام” أيّا كانت السياسة الخارجية التي ينتهجها.

لا أحد بدون انتماء و”تعلّق”، الذي يخلو من انتماء كائنٌ غير موجود، لا إنسانَ عاقلاً ومطّلعاً إلاّ وتحيّز قلباً إمّا لبوش/ماكين أو لأوباما، إمّا لحزب الله والوطنيّين وتيّارهم.. أو للحريري وجعجع وفريقه، إمّا لأحمدي نجاد أو لخصومِه..

الإنسان كائنٌ مُنتمٍ.. مائلٌ بطبعه، مادّتُه النفسية “تُعلقه” بأحد طرفيْن، ولابدّ إذا كان مهتمّاً بأيّ منافسة أنْ يُشجّع.. يميل.. يتمنّى.. أو فقط يسخر مِنْ طرف.

انظُر وأدرْ التلفاز على حوارٍ ساخن.. خصومة.. مباراة.. معركة.. مصارعة.. فيلم يحوي صراعاً وتناقضاً، ستميل حتماً لجانب.. أو على الأقلّ ضدّ جانب، والذي يدّعي خلوّه من مشاعر “الميل” و”التعلّق” لطرفٍ في شأنٍ يُتابعه يحوي نقيضيْن.. إمّا يُكابر أو أنّه من الكائنات المعلومة متبلّدة المشاعر.. كرّمكم الله!

كتبتُ من قبل أنّ شبابنا يتعلّقون بنادي، بلاعب، بحزب، بزعيم، بسيّارة، بماركة… ضدّ خيارات مقابلة، إنّهم يُشجّعون وينتخبون الخيارات المناسبة لطبعهم وذوقهم (أو ما يُبثّ ليُصبح طبعَهم وذوقَهم)، لذلك هم ينتخبون “أنفسَهم” مع كلّ اختيار، ليظهر “تعلّقُهم” كنوع من النصرة والدفاع والتشكّل الثقافي والانتماء والحميّة والولاء للشيء/الشخص/الجهة التي “تعلّقوا” بها.
لذلك تتنافس الزعامات والأحزاب.. وماكينات الدعاية والإعلام.. على استقطاب الشباب لأنّ جهاز “الميل”/”التعلّق” الفطري شغّال، بوصلةُ حبّهِ وبغضهِ لابدّ لها مِن جهةٍ تُشير إليها، وما على المستقطِبين سوى تلقينه بما يُحبّ ويكره…
الدين -في استراتيجيّته- مُركَّبٌ على القاعدة نفسها، “وهل الدينُ إلا الحبّ؟”، لكنّه بخلاف سائر المستنفِعين -الذين يُخدِّمون الآخرين لمصالحهم ويستقطبونهم لأشخاصهم.. فيستعبدون مستهدفيهم- يعلّم الفرد “الميْل” للسبب الصحيح، “ليعْلق بـ” ويُحبّ ما ينبغي حُبّه، ويبغض ما يجب بُغضه… هذه هي الحرّية الحقيقيّة، و”الميلُ” غير المنحرف، و”الانتماء” غير الإم ّعيّ، وهي تُديّن الإنسانَ ولو ظلّ بلا مذهبٍ ودين.. وبلا شيخ وتلقين.
إنّ مضموننا الداخليّ المتراكم (الحقيقي والمصطنع) “لتعلّقات” السنين يُحدّد لنا “علقنا” الراهن.. أيْ نفورنا وانجذابنا تجاه الشخصيات وخيارات الأحداث.

حين نزلتْ تباشيرُ الوحي مفزِّعةً الإنسانَ الأمّي المتوقّدَ الذهن والضمير والباحثَ عن الحقيقة، ناجتهُ هامسةً بنصّ بدائي مُمهِّد: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، الوحيُ جاء ليفتح مصاريع أسرار “العلم” على هذا العقل، فابتدره بمسألةٍ علميّة.. تُخبره أنّه كإنسان بدأ “كعلقة” -كحال كلّ البهائم- في ظلمة الرحم لا قيمة له ولا علم، لكنّه خرج إنساناً لنور الدنيا وعلومها، فإذا به الآن -بعد تجارب الحياة- يضجّ من ظلمة رحم الدنيا ويستطلع آفاق نور العوالم.. باحثاً عن ولادةٍ أخرى أطور، فالربّ الأكرم سيُعلّمه ويُخلّقه في مستوياتٍ أعلى روحيّاً وكونيّا، (هذا في ظاهر تفسيرها).

لكنّ المغزى القرآني يستبطن في إشارته “مِنْ عَلَقٍ” أكبرَ حقيقةٍ كونية تُعرّف معنى “الإنسان” وكيفيّة تخليق “إنسانيّته”، أنّه يُخلق.. “مِن عَلَق” دون كلّ ال كائنات، لا يُمكنه أن يبقى وحشياً.. منفرداً.. غير اجتماعيّ وفي كهفِه، هاملاً أمرَ بيئته ومحيطه، إنّه كائنٌ “متعلّقٌ” بكلّ شيء وفي هذا سرّ استدامته وخلوده، ففي “تعلّقه” بالمطلق والبحث عنه.. وفي “تعلّقه” بالمُثل والمبادئ.. “يتعلّق” بكلّ الوجودات، وفي مساحات الاختيار عليه أن “يتعلّق” بالطرف الأفضل ليتكامل ويتقدّم.. مِن كونه أمّيا إلى صيرورته عالماً، من خيارٍ سيّءٍ لآخر أجمل، من مرشَّحٍ يدغدغ غرائزنا لمرشَّحٍ يُرضي ضمائرنا.

الإنسانُ كائن يُصنَّف و”يتخلّق” إنسانيّاً بحسب خياراته/”علاقاته”.. بالأفكار، بالأموال، بالأشخاص، بالأخلاق، بالنُظُم، بالتحزّبات والفئات، بالقضايا، بالألوان، بالأصدقاء، بالتسليات، بالهويّات، بالإكسسوارات.. “عَلَقُهُ” بأحد أطراف الخيارات التي تكتنفه وتُعرَض أمامَ مشاعره.. “تُخلّق” درجةَ إنسانيّته، نحن نخلق إنسانيّتنا.. ولو “بتعلّقنا” باللاعب بالقميص الأزرق، ولو “بتعلّقنا” بأحمديّ أو بموسوي، بأوباما أو بماكين.. كلّ الخيارات التي “نتعلّق” بها تصنعنا وتصنع واقعنا حتّى “بتعلّقنا” بنوّابٍ يلهثون لتأمين راتبهم التقاعدي من مال الشعب الذي اختارهم ليحفظوا مالَه ا لعامّ ولا يهدرونه.. كما اختار فقراءُ أهل إيران رئيسهم الذي يحترم ناخبيه ويفضح مَن عربد بأموالهم…

تذكرة: استعمل النبيّ(ص) رجلاً على الصدَقات فأثرى، فلمّا قدُمَ حاسبه (ص)، فبرّر بأنّ مُعظم ماله كان هدايا و”بونس” ومكافآت وحوافز..الخ مِن حِيَل (ودغلبازات)، فقال النبيّ(ص): فهلا جلستَ في بيت أبيك وأمّك حتى تأتيك هديّتُك إن كنت صادقًا!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s