الساحر وخطاب السحرة صراحة أوباما وصراحتنا (5 – الأخيرة)//د. أكرم حجازي

الساحر وخطاب السحرة

صراحة أوباما وصراحتنا

(5 – الأخيرة)

د. أكرم حجازي

لا شك أن مشروع الرئيس الأمريكي أوباما ينطوي على جرأة سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. ولعل أهم ما يميز جرأة الرجل هو تأكيده، في كتاباته أو تصريحاته، على مبدأ “الصراحة في العلاقات مع أصدقائه الحميمين ومع خصومه على السواء. لكن خطاب القاهرة امتلأ بالمتناقضات العجيبة والأطروحات الشرطية والإملاءات رغم أنه خضع للرقابة من عشرات المفكرين والخبراء والسحرة البارزين. والسؤال: كيف يمكن عرض “الصراحة” كمبدأ في الحوار بينما تشترط منهجية الخطاب على العالم الإسلامي تجاوز الماضي؟ فهل ثمة مواضيع يمكن مناقشتها بـ “صراحة” دون أن يكون لها جذر ومتن؟ لنستطلع بعض معالم السحر والصراحة على حقيقتها.

أولا: “الحاج” أوباما “المرتد”

لسنا نزعم أننا أصحاب دول متقدمة أو “مستورة“، فالحقيقة التي لم نعد نخجل منها أن الغالبية الساحقة من دول العالم الإسلامي هي دول ومجتمعات متخلفة وفقيرة وشبه معدمة. وتحكمها أنظمة سياسية موغلة في الجهل والديكتاتورية وحتى الوحشية. ومع ذلك تتلقى وفود الدول الأمريكية والغربية لدى زيارتها بلداننا تعليمات بالثناء على البلد والشعب المضياف مشفوعة بتصريحات تشيد بالتقدم الحاصل في القطاعات المختلفة والإنجازات المتحققة، وتبدي إعجابها بحكمة الحكام ونضج الحكومات لدرجة تبهر الوفد الزائر بمدى الرشد الذي وصل إليه البلد! أما لماذا تتلقى الوفود مثل هذه التعليمات فلأن المجاملات تروقنا وتضفي المزيد من الشرعية على الوضع القائم.

هذا بالضبط ما تلقاه أوباما من بعض الخبراء الذين نصحوه في الاستشهاد ببعض الآيات في القرآن الكريم والثناء على الحضارة الإسلامية ودور الإسلام في نهضة البشرية إلى حد أنه غدا “جزء من قصة أمريكا“. لذا فقد أبهر أوباما، في خطابه، الحضور وهو يقدم نفسه، عبر فقرة مدهشة، كرئيس قادم من بلاد بعيدة، مثنيا على عراقة جامعتي القاهرة والأزهر ودورهما كمنارات في العلوم والرقي، رغم أنه من بين 500 جامعة في العالم لم تكن ثمة جامعة عربية واحدة، ومعربا عن امتنانه لحسن الضيافة وحفاوة شعب مصر. وما أن بدأ خطابه بعبارة “السلام عليكم” حتى قامت القاعة ولم تقعد، فالرجل يتحدث العربية وليس الإنجليزية فقط، ويلقي على المسلمين تحية الإسلام.

وهكذا لاقت استشهاداته ببعض آيات القرآن الكريم ابتهاجا لدى حتى بعض المشايخ ممن احتجوا على خصومهم بأن الرجل يتحدث بقرآننا وهذا تعبير، حسب رأيهم، عن احترامه لديننا ونبينا بخلاف الذين انتهكوا حرمة ديننا ونبينا. ولعل حججهم لم تخل من النشوة وهم يقرؤون ردود فعل بعض الكتاب الغربيين ممن توقفوا عند استشهاد أوباما بحادثة الإسراء والمعراج وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في المسجد الأقصى. فبالنسبة لهؤلاء فقد استغربوا على نصراني أن يفعل هذه الفعلة خاصة وأن النصارى لا يعترفون قط بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا بالوحي. وبدا أن ما فعله أوباما هو اعتراف بالنبوة واعتراف بالوحي، بما يكفي لانتقاده عند بني جلدته وعقيدته بينما هو مدعاة للفرح عند من ظنوا أنه إعادة اعتبار للإسلام. وهكذا أيضا بات أوباما وكأنه بابا الفاتيكان معتذرا أو كمن شده الحنين إلى عقيدته الأولى!

الأكيد أن الكثير ممن يجهلون حقائق الأمور، وممن في قلوبهم مرض، ومن الذين يحبونها عوجا سيجدون في استشهادات أوباما ضالتهم بحيث يكون سهلا عليهم القول أن: ” في الرجل خير فلنعطه فرصة“! خاصة وأن “الرجل” لا يطالب إلا بمنحه فرصة، إذ قال في مقابلته مع قناة العربية (27/1/2009): ” في نهاية المطاف، سوف يحكم الناس ليس على أقوالي بل على أفعالي”. ولسنا هنا في معرض المناقشة الشرعية لخطاب أوباما، فللأمر أهله، لكن يكفي أن يدرك هؤلاء وأمثالهم أن الشيفرة الأمنية التي تداولها الطاقم الأمني الأمريكي الذي وصل إلى القاهرة للإعداد للزيارة كان يستعمل في اتصالاته لفظة “المرتد” للدلالة على أن المقصود هو الرئيس أوباما.

لا شك أن أوباما يعلم بشيفرته جيدا، وأن الشيفرة راقته لما فيها من السحر، فهو قادم لمخاطبة العالم الإسلامي والثناء عليه وعلى تاريخ الحضارة الإسلامية لكن كمرتد لا كمسلم. ويا لها من مفارقة!!!! فما الذي يمكن أن ينتظره العالم الإسلامي من مرتد افتتن البعض بخطابه لدرجة أنه اعتقد كما لو أنه “حاج” يخفي إسلامه؟

ثانيا: التطرف بدلا من الإرهاب

لما أعلنت الولايات المتحدة بزعامة جورج بوش الابن حربا على ما أسمته الإرهاب العالمي رعت شعار “من ليس معنا فهو ضدنا“. وكان مرفوضا من العالم الإسلامي أن يعترض ولو بـ “لكن” استفهامية، فالمعادلة واضحة ولا تحتاج إلى تفسيرات ولا اعتراضات، وكل الإسلام يجب أن يتنحى لصالح المعادلة أو ضدها. ومع مجيء أوباما أعلن الرجل في استانبول والقاهرة وعبر وسائل الإعلام ” أن أمريكا ليست ولن تكون أبدا في حالة حرب مع الإسلام “. لكن إسقاط لفظة “الإرهاب” من الخطاب واستبدالها بلفظة “التطرف” لم تكن منّة أمريكية ولا كرم أخلاق من أوباما بقدر ما كانت تخفيفا لحالة الاحتقان الرهيبة في العالم الإسلامي. إذ أن لفظة “الإرهاب” المسجلة برسم المحافظين الجدد استعملت ضد الإسلام عقيدة ودعوة، وتاريخا وحضارة، وطقوسا وعبادات، ومؤسسات وفعاليات، وأحزاب وجماعات … لكن استعمال كلمة “تطرف” ستبدو أقل عدائية وأكثر قبولا خاصة وأنها إحدى التوصيفات الشائعة سياسيا وأمنيا وحتى أكاديميا. وهنا سؤال مهم: لماذا تخلى الخطاب عن اللفظة واستبدلها بأخرى؟

على الأرجح أن المسألة ذات طابع أمني بامتياز. فالرئيس الأمريكي لا يريد أن يُفهم من حربه على أنها حرب ضد الإسلام والمسلمين بل ضد فئة معينة هي القاعدة ومن يدور في فلكها. لذا فإن كلمة “التطرف“، كبديل عن محاربة الإرهاب، يمكن حصرها بهذه الفئة وتمريرها بسلاسة لاسيما وأنها تحقق من الفوائد أكثر مما تحققه معادلة الاختيار (معنا أو ضدنا) خاصة وأنها ترفع الحرج عن الأصدقاء وحتى عن أولئك الذين تتقاطع مصالحهم مع الأطروحة الأمريكية. إذ أن كلمة “الإرهاب” كانت مؤذية لدرجة أسقطت من استخدمها وفضحت أطروحات كثيرة حين إخضاعها لعقيدة الولاء والبراء.

ومن المفارقة أن استخدام لفظة “الإرهاب” صارت تروق لبعض المسلمين أكثر مما تروقهم كلمة “التطرف” أو حتى كلمة “غلو” وأمثالها. بل أن لغة الاتهام تكاد تكون متطابقة، بلسان أغلب الحركات الإسلامية المقاتلة وغير المقاتلة ، إذا ما تعلق الأمر بتنظيم القاعدة أو طالبان أو أي تنظيم سلفي جهادي آخر. ففي خطابه يصف أوباما التطرف عند القاعدة بالقول: ” لقد مارسوا القتل في كثير من البلدان. لقد قتلوا أبناء مختلف العقائد. ومعظم ضحاياهم من المسلمين. إن أعمالهم غير متطابقة على الإطلاق مع كل من حقوق البشر وتقدم الأمم والإسلام“.

لكن إذا كان الرئيس الأمريكي يتوجه بخطابه إلى من يشاطرونه الرأي، من العالم الإسلامي، فسيجد الكثير من هؤلاء، بل أنه سيجد مشايخ وعلماء وطلبة علم وساسة وأحزاب وجماعات وتنظيمات وليبراليين وجهلة ومثقفين ممن يتطوعون للذهاب أبعد بألف مرة في العداء للقاعدة مقارنة بما ورد في الخطاب أو لدى أعتى المنظرين وكتاب الغرب ومثقفيه. وحينها لن يكون عجيبا على القاعدة أن تصدر خطابا على لسان الظواهري يرفض خطاب أوباما، جملة وتفصيلا، قبل أيام من إلقائه.

وفي المحصلة فإن مثل هذا الخطاب أثبت سقمه على امتداد الساحات وسنين المواجهات. ففي العراق مثلا لم نعد نسمع تلك الاتهامات التي كانت تحمّل القاعدة مسؤولية التفجيرات العشوائية في الأسواق والمساجد والحسينيات، ولم تكن الاتهامات الموجهة ضد حركة الشباب المجاهدين والحزب الإسلامي لتصدر خلال الحرب على الأثيوبيين إلا بعد تنصيب شيخ شريف أحمد رئيسا للصومال وهو نفسه الذي هدد بتوجيه الدعوة للقاعدة ولكل مجاهد في العالم إذا ما تدخلت أثيوبيا في الصومال عسكريا حين كانت البلاد بيد المحاكم وهو رئيسها. ولعل أعجب الاتهامات التي لا يتقبلها عقل ولا منطق تلك التي تصدر عن بعض وسائل الإعلام في الجزائر وباكستان. وأكثر ما كان ملفتا للانتباه أن يعلق جنرال باكستاني متقاعد على الحرب في وادي سوات مشيرا إلى أن بعض الأسلحة التي استولى عليها الجيش في حربه على طالبان تبين أن مصدرها الهند وإسرائيل! وهو بذلك يحاول إظهار طالبان على أنها حليفة للهند، العدوة التقليدية لباكستان، وحليفة لإسرائيل العدوة التاريخية للمسلمين. فإذا كان أوباما يوجه خطابه فليس أمثالهم أعداءه كي يعرض عليهم مشروعه ويتصالح معهم!؟ وبالتأكيد ليس هؤلاء هم المعنيون بالصراحة.

ثالثا: القول السديد

لم يدرك الذين نقّحوا خطاب أوباما أنهم أحدثوا ثغرة عظيمة به لما أشاروا عليه بالاستشهاد في الآية الكريمة: “اتقوا الله وقولوا قولا سديدا”، وهذا ما سوف أحاول بما في وسعي أن أفعله وأن أقول الحقيقة”، فهل قال أوباما “قولا سديدا“؟ وهل سيقول “الحقيقة“؟

مشكلة الخطاب أنه يريد منا عدم التفكر في الماضي! أما أوباما فمن حقه أن يتذكر 11 سبتمبر جيدا، لكنه يتناسى تماما، ويريدنا أن ننسى كون الإدارات الأمريكية استعملت حق الفيتو في مجلس الأمن، ظلما وزورا وعدوانا، 36 مرة في 41 عاما ضد القضية الفلسطينية والقضايا العربية. وأن هذا يعني أن الولايات المتحدة وقفت وحدها في مجلس الأمن ضد الإجماع الدولي ومنعت إدانة إسرائيل 36 مرة. وينسى أوباما أن الولايات المتحدة رفضت حتى قرار محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل. وينسى أن إسرائيل حليف استراتيجي لأمريكا وتلتزم بأمنها ومصيرها أكثر مما تلتزم بأمن ومصير الولايات المتحدة. هذه هي الحقيقة التي يشهد عليها العالم الإسلامي وتشهد عليها المؤسسات الدولية قاطبة.

يرى الرئيس الأمريكي أن من حق بلاده أن تدافع عن أمنها ومصالحها، لذا فقد ذهبت إلى أفغانستان وخاضت ما يسميه أوباما بـ “حرب الضرورة“، بينما ذهبت إلى العراق بـ “اختيارها“! ولا ندري لماذا لا يكون الرئيس الأمريكي صريحا ويعترف بأن مقياسه هذا يصلح لإسقاطه على هجمات 11 سبتمبر التي كانت هي الأخرى بمثابة “حرب الضرورة” لدى المسلمين أو بعضهم؟ فالذين ضربوا أمريكا كانت لهم أسبابهم أيضا في اختيارها دون غيرها، وإلا فلماذا لم يختاروا اليابان مثلا أو بريطانيا صاحبة وعد بلفور أو حتى إسرائيل نفسها؟ ولماذا يتحمل المسلمون في العراق حربا اختيارية بنيت على الكذب ورغم أنف المجتمع الدولي ولا يتلقون حتى مجرد اعتذار؟ ومن المسؤول عن القتل والاغتصاب وعمليات النهب والفتك الحضاري في العراق؟ ومن سيعوض مسلمي العراق عن الخسارات الفادحة التي تعرضوا لها في الأرواح والممتلكات والتاريخ والحضارة؟

أما المشكلة في باكستان والصومال فلا تختلف كثيرا. فالحرب الدائرة هناك على سوات ووزيرستان هي حرب ضد الشريعة من ألفها إلى يائها، وحرب أمريكية بالوكالة. وعلى الرئيس الأمريكي أن يقول قولا سديدا ويكون صريحا أكثر في تحديد هوية الحرب وإلا فإن تمييع الأمور لن يجدي. فالمسلمون يعلمون علم اليقين، بغض النظر عن مواقف القوى الصومالية، أن مصادقة الرئيس الصومالي على تطبيق الشريعة ليس سوى ذرا للرماد في العيون بالقياس، فقط إلى معارضة أمريكا الشديدة لاتفاق تطبيق الشريعة ذاتها في وادي سوات وفرض الضغوط على الحكومة الباكستانية لحسم الموقف عسكريا مع القوى الإسلامية. فهل ينتظر الرئيس الأمريكي من المسلمين أن يقبلوا بهذه الازدواجية البغيضة؟

رابعا: من هم القتلة؟

لم يدرك الذين نقحوا الخطاب أيضا أنهم أوقعوا رئيسهم بورطة أعظم لمّا أشاروا عليه الاستشهاد بالآية الكريمة: “ من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ” للتدليل على “المتطرفين” كقتلة وفسدة في الأرض. فإذا كان الرئيس الأمريكي راغبا، حقا، في الصراحة فعليه أن يعلم أن بلاده آخر من يحق لها تقديم الوعظ أو التحدث عن الإصلاح. والتاريخ الأمريكي منذ اكتشاف القارة وتأسيس أمريكا هو تاريخ من القتل والدم والإبادة للشعوب والجماعات والأفراد ابتداء من أمريكا وانتهاء بشتى أصقاع الكرة الأرضية. وهو تاريخ العدوان والحصار والهيمنة والانقلابات ودعم النظم الفاشية والاستغلال والنهب والسطو حيثما حطت أقدام الجيوش الأمريكية. وهو التاريخ الذي جعل من الفرد الأمريكي فوق أي قانون أو شريعة حتى لو كان من أجرم الخلق.

بل أن الأمريكيين هم أول من صنع القنبلة الذرية وأول وآخر من استخدمها حتى الآن. تلك القنبلة التي تسببت بمقتل عشرات الآلاف من البشر عبر إبادة جماعية لم تأخذ بعين الاعتبار جنينا ولا رضيعا ولا شابا ولا شيخا ولا سيدة ولا عجوزا ولا شجرة ولا حجرة وليس نحن. ولم نكن نحن المسلمين من ارتكب أعظم المجازر والاغتيالات ضد الهنود الحمر وضد سكان وأنظمة أميركا اللاتينية، ولم نكن نحن من أباد اليهود أو شردهم أو اعتقلهم أو أهانهم في أوروبا وغيرها حتى ندفع ثمن حريتهم من أرضنا ودمائنا وديننا، ولم نكن نحن من قتل ملايين البشر في كوريا وفيتنام واستخدم الأسلحة البيولوجية والكيميائية وأخواتها من أسلحة الدمار الشامل، ولم نكن نحن من قتل ملايين الأطفال والنساء والشيوخ في التدخلات العسكرية والحصارات الظالمة على الشعوب، ولم نكن نحن من برأ المغتصبين والقتلة من الجنود الأمريكيين، ولم نكن نحن من أنشا إسرائيل ودعمها في اغتصابها لفلسطين، ولا من شرع لها ولا من دافع عنها ولا من اعتبر قتلتها دعاة سلام، ولم نكن نحن من شرد شعبا آمنا واغتصب أرضه ودمر مئات القرى وأعمل قتلا في سكان دير ياسين وقبية وكفر قاسم ولاحقه في بقاع الأرض قتلا وتدميرا واغتيالا وذبحا للسكان في مخيم جنين وصبرا وشاتيلا وأحرق غزة على مرأى من أوباما والعالم. هذا ليس ماضيا! ولم نكن نحن من قصف المساجد ودور العبادة والمدارس والأعراس ومسح القرى عن وجه الأرض في أفغانستان وباكستان وأباد عشرات آلاف الجنود العراقيين في مخابئهم وهم أحياء وقتل آلاف الجنود الأسرى في سيناء. لم نكن نحن. فليقل لنا الرئيس الأمريكي الآآآآن من هم الذين “معظم ضحاياهم من المسلمين“؟ ومن هم الذين ” قتلوا أبناء مختلف العقائد“؟

ما من أحد يستطيع أن يحصر جرائم أمريكا إلا أمريكا نفسها. وحتى هذه اللحظة ترفض الولايات المتحدة الاعتذار عن جريمة هيروشيما وناغازاكي. وقبل بضعة سنوات أعلن الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة على هيروشيما أنه لو طلب منه تنفيذ نفس العمل اليوم لفعل دون تردد! ولأن التاريخ الدموي لأمريكا لا ينقطع فما من وسيلة للنسيان، وليست لدينا الرغبة في التسامح بعدْ إلا:

(1) أن تعترف الولايات المتحدة بأخطائها وأن تعتذر عنها بصريح القول، و

(2) أن تكفِّر عن كل جرائمها بحقنا وبحق الإنسانية جمعاء و

(3) أن تقدم تعويضا هي ومن حالفها في جرائمها عن كل ما ارتكبته بحقنا.

نحن الذين لنا الحق في المسامحة أو القصاص وليس أمريكا. ولا يمكن للرئيس الأمريكي أن يأتي ويستخف بعقولنا ويشترط علينا نسيان الماضي ونحن وغيرنا ما زلنا نعيش مآسيه وندفع الثمن من دمائنا وحقوقنا كبشر في كل بقعة من بقاع العالم وعلى كل مستوى.

أخيرا

منذ عقود ونحن نراقب سعي تركيا الحثيث للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة حتى أن نظامها لم يترك شرطا أو معيارا أوروبيا إلا ونفذه إرضاء للغرب. دولة علمانية تقدمت راضية، طائعة، حليفة للغرب، بكل ما تملك من ثروات ومؤهلات، دولة لم تعد تعترف، منذ زمن طويل، بأية شهادة جامعية قادمة من أية دولة في العالم الإسلامي أو العربي حتى لو كانت باللغة العربية؛ ومع ذلك لم تسمع إلا ردا واحدا في كل محاولة: “لا يمكن لتركيا المسلمة أن تكون عضوا في اتحاد مسيحي“. هذه هي الحقيقة. وهذه هي حقيقة الشراكة مع دولة من المفترض أنها عضو في حلف الأطلسي وتحارب الإسلام بكل ما أوتيت من قوة.

يا فخامة الرئيس

لقد حللنا خطابكم بكل موضوعية وأمانة ولم نبخسه حقه، وتوقفنا عند شخصكم كظاهرة، وعرضنا لمنهجيتكم بدقة وناقشنا مسألة الشراكة والديمقراطية بحسب ما ورد في خطابكم. وكما ترى فلسنا غلاة ولا متطرفين فيما نكتب أو فيما نطلب لكننا، يا فخامة الرئيس، لسنا بلهاء لنصفق. فلمن تتوجهون بخطابكم؟ ومع من تتصالحون؟ وأية شراكة تقترحون؟ وعن أية صراحة تتحدثون؟ ومن هو المطالب بالقول السديد؟ إلى أن تجيبنا يظل حقا علينا رد السلام على من اتبع الهدى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s