عميل-وطني، إختراع عراقي في السياسة //علي الصراف

عميل-وطني، إختراع عراقي في السياسة

علي الصراف

“الوطنية” في العراق قضية. حتى العميل الصرف يحرص على أن يبدو وطنيا. وفي حين أن الوطنية تبدو ثابتا لا يُمس، فان العميل يحرص أيضا على أن يجعل من عمالته مجرد “وجهة نظر”. أما وطنيته فشيء مقدس.

هذا وضعٌ يفترض أن يقنع البنتاغون والموساد بان “عملاءهم” في العراق هم أناس لا يمكن الثقة بهم. إذ لا تعرف متى “تطق” لدى العميل العراقي فينقلب على مخدوميه.

في الواقع، فان ملفات وزارة المستعمرات البريطانية مليئة بالأدلة على “عملاء” غلبت عليهم وطينتهم فقلبوا لها ظهر المجن.

نوري السعيد، وزير الخارجية الأشهر في تاريخ الدبلوماسية العراقية، وإن أُعتبر عميلا بريطانيا على نطاق واسع، إلا انه كثيرا ما وقف ليدافع عن مصالح العراق في العديد من المناسبات في مواجهة بريطانيا بالذات. وهو دفع ثمن عمالته، وكان ذلك شيئا جيدا. ولكن بعض المؤرخين أنصف وطنيته لاحقا. وهذا جيد أيضا.

ويمكن للمرء أن يستبشر خيرا بالمستقبل. فأخلاف نوري السعيد من العملاء سيكسبون “المجد” من أطرافه. أي انهم سيفوزون بدفع الثمن، كما أن وطنيتهم قد تُنصف. وكلاهما جيد.

لهذا السبب، وبعد ردح من العمالة، يحرص بعض المسؤولين العراقيين على إظهار دلائل على الوطنية، ولو على سبيل “الدوام الجزئي”.

بعض هذه الدلائل ليست، بطبيعة الحال، سوى “تقية” أو نفاق، وبعضها الآخر “حلاوة بجدر مزروف”، ولكن بعضها عمل تجريبي يبدو مهما.

طبعا لا بد من تحديد المفاهيم. فالعميل وفقا للمفهوم الشائع في الثقافة السياسية العراقية هو كل من يرتبط بقوة أجنبية في عمله السياسي ويخدم مصالحها.

وهذا الوصف يشمل كل الطاقم السياسي الحاكم اليوم. فبعضه لم يكتف بركوب الدبابة الأميركية من اجل المجيء الى السلطة، ولكنه يركب دبابة إيرانية أيضا. وهناك من الأفاقين مَنْ يركب “جميع المواصلات”. أميركا على إسرائيل على طهران على دمشق على قطر، بل على بوركينافاسو لو تطلب الأمر. والكويت ليست أقل أهمية في هذا “المضمار”. فالكثير من أصحاب “المعالي” هم أصحاب “مواطي” تجاه الجارة الكويت، لا سيما وأنهم دخلوا العراق برفقة الدبابات الأميركية من أراضيها.

اليوم، هناك الكثير من أصحاب “المعاطي” (أي “المعالي” و”المواطي” معا) يقفون بالمرصاد ليطالبوا الكويت بالغاء التعويضات المفروضة على العراق.

ويبدو موقفهم “وطنيا”. صحيح أنهم يجدون شحة في مال كانوا “يتحاصصونه” من دون حساب، إلا أنهم، إذ يحاولون إدارة دولة، يجدون أنفسهم مضطرين لتوفير قسط من المال للقيام بمشاريع وتنفيذ أعمال. فالنهب “حق”. ولكن “حصة” منه لبناء الدولة، حق أيضا.

وبعيدا عن الانتهازية، فهناك مواقف “وطنية” تجتمع مع العمالة كما لم تجتمع في أي مكان آخر في العالم. حتى ليكاد يصح القول إن هذا النموذج “اختراعٌ عراقيٌ” محض.

مصدر الاختراع يكمن، ربما، في طبيعة الشخصية العراقية. فالعراقي متمرد بطبعه، وفرداني. ولذلك، لا يخطئ من يقول إن كل واحد فيهم “دكتاتور”،.. أقله في منزله، دع عنك في مجال أي “سلطة” أخرى. هو صح دائما. الميكافيلية قد تدفعه للارتباط بقوى أخرى، إلا انه يظل ينطوي على فرديته الخاصة، فيشعر بان ارتباطاته نفسها هي من أجل شيء مقدس؛ شيء “وطني”.

الكثير ممن يمكن أن يُنظر إليهم اليوم كمأجورين وعملاء في الطبقة السياسية الحاكمة ينظرون الى أنفسهم كوطنيين. بل أن بعضهم كان يبدو وطنيا “عن جد”. صحيح أن الحاجة دفعته فيما بعد الى أن يتواطأ مع الكثير من الجرائم والانتهاكات والأعمال الوحشية، إلا انه، بينه وبين نفسه، يقول انه فعل ذلك من اجل “القضاء على الدكتاتورية”.

طبعا، يحتاج الأمر مقدارا من الوقت ليكتشف العميل انه ساعد على إقامة “دكتاتورية” ما بعدها دكتاتورية في وحشيتها وكلفتها، إلا انه سيحتاج وقتا أطول لكي يدرك أن “شخصيته” كانت مزيجا من العمالة والوطنية في آن؛ مزيجا من تطبّع وطبيعة متناقضين.

وقد يظهر الكل كـ”دكتاتور”. ولكن بقي أن الفرق بين “دكتاتور” وآخر هو في طبيعة المشروع الذي ينفذه. فهناك “دكتاتور” وطني يبني ويحاول أن يجعل من بلاده قوة مزدهرة ومستقرة ومؤثرة، من دون أن يجني لنفسه شيئا غير الزهو. وهناك “دكتاتور” عميل يحوّل بلاده الى مطية للمصالح والامتيازات الأجنبية، ويكدس لنفسه الأموال في الخارج؛ واحد يذهب بوطنيته الى المشنقة، والآخر يذهب بـ”وطنيته” الى ادجوار رود (في لندن).

مع ذلك، فان وطنية العراقي قضية. فحتى العميل يريد أن يظهر وطنيا. وهذا أمر لا يعود الى تاريخ طويل من المواقف والسياسات والمفاهيم التي خلدت في بيئة الثقافة السياسية العراقية، بل الى العراق نفسه. فهذا الوطن العجيب، ذو التاريخ الضارب في باطن التاريخ، الأرض التي نشأت عليها الأديان، وأولى الحضارات، وأول اللغة، وأول العلوم، وأول الأساطير، وأعظم الإمبراطوريات، هو نفسه بلدٌ ساحرٌ، وأخّاذ، الى درجة انه يهيمن بكليته على فردية العراقي، ويصبح، شئت أم أبيت، جزءا منها.

وإذ يفرض هذا العراق حبه، طوعا وغصبا، فانه صانع “فرديات” شموخة ومتغطرسة ومتمردة الى ما لا نهاية.

ولهذا السبب لا تجدر الثقة بعملائه. إذ ما من عميل إلا ويجد نفسه، في لحظة من اللحظات، وطنيا.

فلا يستغربن أحدٌ إذا رأى “راكبا لجميع الموصلات” وطنياً، أو يلاحق الكويت لوقف التعويضات بعد ساعتين من عودته من إسرائيل.

فبرغم انه لا فرق عمليا بين الكويت وإسرائيل، بمعايير العمالة، إلا أن شيئا من الوطنية هو ما يدق الباب ويلوّع الضمائر في بعض الأحيان.

وهذه الظاهرة، سائدة بكثرة اليوم في عراق الذين صنعهم واستمطاهم الاحتلال. حتى لتراهم ملتاعين بوطنية تظهر كبقع ضوء وسط الظلام.

الوطنية جزء من التكوين “الطبيعي” للعراقي، ليس بسبب الثقافة، بل لأن العراق عراق. وفي هذا العراق، حتى العميل والمجرم والأفّاق يريد أن يصبح وطنيا.

العمالة تطبّع، إلا أن الطبع “غلاّب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s