تفنيد مزاعم الصهيونية الدينية 2 ـ اشتهاء المعاداة \\أحمد عزت سليم

تفنيد مزاعم الصهيونية الدينية

2 ـ اشتهاء المعاداة

أحمد عزت سليم

عضو اتحاد كتاب مصر

وعضو آتيليه القاهرة

Ahmadezatselim@hotmail.com

يقول هرتزل ” إن فلسطين التى نريدها هى فلسطين داود وسليمان ” ثم يخلفه حاييم وايزمان ،  فيربط بين الصهيونية واليهودية ربطاً لا فكاك منه وذلك حين يقول: ” إن يهوديتنا وصهيونيتنا متلازمتان متلاحقتان ولا يمكن تدمير الصهيونية بدون تدمير اليهودية ” (1) وعلى نحو روتينى يقوم حاخامات جوش أمونيم وسياسيوها وواضعو أيديولوجياتها بالمقارنة بين الفلسطينيين والكنعانيين القدماء ،  الذين كان استئصالهم أو طردهم بواسطة القدماء ،  تبعاً للكتاب المقدس ،  أمراً إلهياً مقرراً سلفاً ،  وهذه الإبادة الجماعية الواردة فى الكتاب المقدس تصنع تعاطفاً كبيراً مع جوش أمونيم عبر الكثير من الأصوليين المسيحيين الذين يتوقعون أن نهاية العالم سوف تسبقها مذابح ودمار (2) ،  وها هو بن جوريون يرى أن كل يهودى لا يعود إلى أرض الميعاد محروم من رحمة إله إسرائيل (3) فالعالم ” خلق إلى وجود ابتدء من صهيون ” وهذا الخلق من أجل اليهود الذين لهم النعيم حيث هو مأوى لأرواحهم الذكية ومأكلهم فى هذا النعيم لحم زوجة الحوت المملحة ولحم ثور برى كبير جداً كان يتغذى بالعشب الذى ينبت فى مائة جبل مع لحم طير كبير لذيذ الطعم جداً ولحم أوز سمين للغاية أما الشراب فهو من النبيذ اللذيذ القديم المعصور ثانى يوم خليقة للعالم (سنهدرين ص 8) (4) .

ومن هذا التلازم الأبدى بين الصهيونية واليهودية ومن الإبادة الجماعية المقررة سلفاً بأمر الإله من أجل أن يقتصر العالم فى نهايته على النعيم اليهودى والوجود اليهودى الذى خلق العالم من أجله ،  فإنه تنشأ أزلية معاداة الأغيار الأجانب منذ أن استبعد حام ،  فالكلب من أفضل الأجانب ،  لأن مصرح لليهودى فى الأعياد أن يطعم الكلب ،  وليس له أن يطعم الأجانب ،  وغير مصرح له أيضاً أن يعطيهم لحماً ،  بل يعطيه للكلب لأنه أفضل منهم (5) وكما يعتبر الحاخام أريل كل الخارجين عن دين اليهود خنازير نجسة تسكن الغابات ،  وعلى اليهودى أن لا يبالغ فى مدح المسيحيين ،  ولا يصفهم بالحسن والجمال إلا إذا قصد مدحهم كما يمدح الإنسان (يقصد اليهودى) حيواناً ،  لأن الخارج عن دين اليهود يشابه الحيوانات ،  وقال الرابي  ( جرسون ) ليس من الموافق أن الرجل الصالح (يقصد اليهودى) تأخذه الشفقة على الشرير ،  ويؤكد الحاخام أباربانيل أنه ليس من العدل أن يشفق الإنسان على أعدائه ويرحمهم وجائز لبنى إسرائيل حسب التلمود أن يغشوا الكفار لأنه مكتوب ” يلزم أن تكون طاهراً مع الطاهرين ودنساً مع الدنسين ” .

من هنا وجب العداء الأزلى لكل ما هو غير يهودى مع ضرورة الإبادة الجماعية وطرد الأشرار من الأرض المقدسة وهكذا يقول الرابى إلبو: ” سلط الله اليهود على أموال باقى الأمم ودمائهم ” فيتبلور العداء ويتبلور الهدف اللاهوتى من وراء التسلط فى اشتهاء تعذيب الأمم ونهب ثروات الشعوب والتسييد عليها ،  وقد نشر فى جملة ” كيفونيم ” وهى إحدى المنشورات الرسمية للمنظمة الصهيونية العالمية فى عدد أغسطس 1984 (ص 151- 156) اعتماداً على قول ميمون: ” أن غير اليهودى الذى سمح له بالإقامة فى أرض إسرائيل يجب أن يقبل دفع الجزية وأن يعانى ذل العبودية ” وعلى نحو يتوافق مع النص الدينى لأتباع ميمون يقول موردخاى نيسان ” تبعاً لهاركابى ،  بأن ” غير اليهودى يجب أن يتم إخضاعه وألا يسمح له برفع رأسه أمام اليهود ” ويقول هاركابى أيضاً نقلاً عن نيسان بأن ” غير اليهودى يجب ألا يعينوا فى منصب أو تكون لهم أية منزلة تحقق لهم سلطة على اليهود ،  فإذا رفضوا المعيشة فى هذه الحياة المتدنية ،  فإن هذا يشير إلى تمردهم ،  وبالتالى ضرورة شن الحرب ضد وجودهم فى أرض إسرائيل (6) ،  مملكة إسرائيل ،  ومملكة الأنبياء ومملكة السماء ،  فاليهودى فى هذه المملكة وخارجها كما يرى الحاخام إسرائيل آرييل،  وبناء على ميثاق الميمونيين (أتباع ميمون) وعلى الهلاخاه ” عندما يقتل غير اليهودى يعفى من حكم الإنسان عليه ويعتبر كأن لم ينتهك الحظر الدينى للقتل ” فاليهود ليسوا شعباً عادياً ولا يمكنهم أن يكونوا كذلك فتفردهم الأبدى هو نتاج العهد الذى عاهدهم به الإله فى جبل سيناء ولذا فبينما يطلب الرب من الأمم العادلة إطاعة قوانين العدالة والاستقامة البحتة ،  فإن هذه القوانين لا تنطبق على اليهود ” كما يرى الحاخام أفنيرى أحد زعماء جماعة جوش أمونيم .

لقد انخلق اليهودى من طبع هذه المعادة للآخرين ومنها وجد التاريخ اليهودى أو تمت إقامته من خلال كتابة تاريخ هذه الجماعات اليهودية وقد اندمج بالإله المبيد والقامع لكل الشعوب الأخرى ،  رب الجنود ورب الجيوش ،  فبدوا وكأنهم شعب مثل الشعوب الأخرى وليسوا جماعات متشردة كما كانوا فى حقيقة الأمر ،  وبدوا كأنهم جنود كجنود هذه الأمم أو كجيش كبير كجيوش الأمم العملاقة ،  الآشورية أو الفرعونية مثلاً ،  فأكسبت هذه الجماعات نفسها صفات الإله الباطش وخلعتها على نفسها،  فاكتسبت قداسة ،  زعمتها لنفسها واتخذتها سبيلاً للقتل والتدمير والغدر ،  وحق لها أن تسرق وتنهب وتبيد كلما كان الأمر ميسراً لها وليس ذلك إلا دليلاً واضحاً للعيان على فقدان الشجاعة والشرف فالهلاخاه تسمح لليهود بأن يسرقوا غير اليهودى فى الأماكن التى يكون فيها اليهود أقوى من غير اليهود وتحرم الهالاخاه على اليهود سرقة غير اليهود فى الأماكن التى يكون فيها غير اليهود أقوى (7) ومحظور على اليهود تلمودياً أن يحيوا الكفار بالسلام ما لم يخشوا ضررهم أو عدوانهم ،  واستنتج من ذلك الحاخام بشاى ” أن النفاق جائز وأن الإنسان (أى اليهودى) يمكنه أن يكون مؤدباً مع الكافر ويدعى محبته كاذباً ،  إذا خاف وصول الأذى منه وإليه ،  وذكر التلمود أنه جائز النفاق مع الكفار وهؤلاء الكفار هم كل الخارجين عن الدين اليهودى (8) ،  وتختلف المسألة حين يظهر الرب ومن حوله أفراد القبيل ،  هو كالنار الآكلة ،  يحرق ويبث رعبه ويخوف الشعوب وهم بسيوفهم يقتلون الأطفال والنساء والحوامل والأبقار والأغنام ويحرقون أشجار الفواكه وسائر الزروع ويجندلون تحت أقدامهم الأغيار لا يستبقون نسمة كما يأمر الإله ممن يقع تحت أيديهم .

من هذا العداء المقدس انخلق تاريخ الجماعات اليهودية ،  وصار لاهوتاً . وكما قال مارتن بوبر: إن تاريخ اليهود يتدخل فيه الرب مباشرة وأن هناك تطابق كامل بين الوحى والعقيدة والتاريخ فكل بنى إسرائيل أنبياء ،  والتاريخ يصير وحياً والوحى يصير تاريخاً ،  ومن المعاداة صار تاريخ الخروج وتاريخ العودة هو تاريخ سرقة الشعوب الأخرى ،  فعندما ادعى يعقوب أن الرب قد أمره بالعودة ،  سرقت راحيل أصنام الآلهة وتحايلت راحيل على ألا تعود هذه الآلهة إلى لابان ،  وعند الخروج من مصر أمر الرب بسرقة أهل مصر ،  هكذا أضحت المعاداة أمراً إلهياً فسرقوا الشعوب التى عاشوا فيها .

وكما أن الخروج والعودة سرقة فإن الإقامة سرقة ونهب واستغلال بشع فى تلذذ شاذ يشتهى الانتقام من البشر وهذا يتضح من قصة يوسف وتحويله شعب مصر إلى عبيد ،  أرضها وأطفالها ونساءها ورجالها وبيوتها وأشجارها ومواشيها … إلخ ـ كما ذكرنا من قبل ـ وهذه المعاداة ترتبط نتائجها بالمكافآت الإلهية التى تضفى عليها شرعية وقداسة فيعقوب بعد حادثة سرقة راحيل للآلهة ،  باركه الرب كوريث شرعى لاسحق وتصارع معه ،  كما أعطى المواثيق الأبدية والوعود الأزلية بامتلاك الشعوب والأرض وامتلاك المستقبل وتحقيق السيادة المقدسة ،  ففى قصة يوسف يقول بعد تحويل مصر بما عليها إلى عبيد ” وجعلنى الرب سيداً لكل مصر “.

وبالسيادة العالمية بعودة الماشيح المنتظر ، وإعادة الهيكل إلى الوجود يعود الميثاق والقانون إلى الوجود وهى عودة إلى الوثنية والتعاويذ والشعائر السحرية والعبادة الحسية التى تصاحب الهيكل ،  عبادة للصور والتماثيل والأباطيل لتكتمل مملكة الكهنة ،  ويعود القبيل المتشرد فى أنحاء العالم بجنسياته المختلفة إلى دولة يحكمها المخلص وتحكمها طبقة الكهنة الذين يدعون الاتصال بالرب مباشرة وأنهم كلمته إن لم تكن كلمتهم أعلى من كلمته ،  فيروجون للشعائر والطقوس التى تطالب القبيل المتشرد المتنوع الجنسيات بإرضاء الرب بإرضائهم ويصبح لرجال اللاهوت المكلفين من الرب والقائمين على تنفيذ القانون سلطة النص وسلطة القانون الإلهى ذاته ،  وهى الحفاظ على هذه السلطة ،  حفاظ على العالم الذى يتجلى فى نهايته المسيح حيث يتم الخلاص بالحرب ضد الشعوب الأخرى لتصير الحرب هى الصيغة التنفيذية للقانون الإلهى وتعبيراً عملياً عن الميثاق الإلهى بالمعاداة للآخرين غير اليهود وتحقيقاً لوعد الرب بالمحافظة عليهم .

وتنبأ التصوف اليهودى بمسيحين ،  فتبعاً للقبالاه ،  تختلف شخصية كل مسيح منهما عن الآخر فالمسيح الأول ،  وهو شخصية عسكرية يطلق عليها ابن يوسف يمهد الطريق للخلاص ،  أما المسيح الثانى الذى يكون شخصية روحية ويطلق عليه ” ابن داود ” فهو الذى يخلص العالم من خلال صناعة المعجزات المرئية للناظرين ،  ويؤمن أتباع جوش أمونيم بأن المعجزات تحدث فى أزمنة مختلفة ،  وتشير القبالاه إلى أن المسيحين سوف يكونان فردين.أما الحاخام كوك الأكبر فإنه بدل هذه الفكرة من خلال توقعه ،  والدفاع عن فكرة تقول: ” بأن المسيح الأول سوف يكون شخصية جماعية ” أشخاصاً متعددين ” وأطلق الحاخام كوك على مجموعة أتباعه اسم أبناء يوسف ،  ويواصل زعماء جوش أمونيم على طريق الحاخام كوك الأكبر ،  اعتبار حاخاماتهم ،  وربما كل الأتباع أيضاً تجسيداً على الأقل لأحد المسيحين المتنبأ بظهورهما ،  ويؤمن أعضاء جوش أمونيم بأن هذه الفكرة يجب ألا يكشف عنها للغرباء كما يؤمنون أيضاً بأن طائفتهم معصومة من الخطأ بسبب الإرشاد الإلهى المعصوم الذى يقود خطاها ” (9).

هكذا يصير كل أفراد القبيل مخلصين ويصبح شعب إسرائيل المعصوم من الخطأ بسبب الإرشاد الإلهى الذى يتنزل على الحاخامات كل منهم مسيحاً عسكرياً ومخلصاً ،  هدفه التخلص من شرور الأغيار فى العالم.

وهكذا تصير عودة المسيح المنتظر عودة لمملكة الأنبياء ومملكة الكهنة التى تستنهض المعاداة لتركيع الآخرين تحت أقدام الإله المتشوق للإبادة الجماعية التى تصبح هدفاً لنشأة الكون ،  فقد خلق الإنسان من طين على صورة الإله وأصبح هدف هذه النشأة وتطورها على مر العصور السحيقة هو نزول المسيح ثم التوحد مع الإله الذى لن يتم إلا بالتخلص من الأغيار ،  هكذا يتحقق هدف النشأة وهو التوحد مع الإله بمحو الآخر وإفناءه من الوجود ليصير  الوجود خالصاً لليهود ،  فيصير الخلق إلى النهاية ،  وتصير الممالك إلى دولة المسيح المنتظر حيث الدولة دولة القادم ،  والقادم دولة النهاية ،  وتلك هى فردوس ونعيم كما رأينا ،  ولأبناء يوسف كما عبر كوك ” ،  على أن المخلص سواء كان من أبناء داود أو من أبناء يوسف ليس مخلصاً روحياً بل الخلاص خلاص مادى يعود فيه الهيكل إلى الوجود ويقتل فيه الآخرون ويتحول فيه أفراد القبيل إلى مخلصين يتجسد فيهم الإله ويتوحد معهم على أرض مغتصبة ومسروقة من أصحابها الأصليين ،  وهذا الخلاص وهذا التوحد هو المبرر الاخلاقى واللاهوتى لإبادة الأغيار والذى لابد من ملاحقاتهم واقتفاء أثرهم ومحوهم ،  وهكذا نشأت فكرة الحرب الاستباقية كخصيصة لاهوتية تمهد لعودة المخلصين إلى الأرض وتستهدف محو الأغيار وكان، الحاخام تسفى كالبشر (1795- 1874) يرى أن خلاص اليهود لا يتم إلا بعودتهم أولاً إلى فلسطين وهذه العودة تسبق المسيح المنتظر وكلما تأخرت العودة كلما تأخر جيشه وبالتالى الخلاص اليهودى (10) ودعا إلى إرسال فرق يهودية مسلحة لملاحقة ” اللصوص العرب ” فى العمق العربى خارج حدود فلسطين … والتى سيتم غزوها بالاستيطان ـ  هذا هو المنطق والخصيصة اللاهوتية التى لا تزال تستعملها إسرائيل ـ فى سبيل توسعها الاستيطانى وذلك بشن الحروب المسماة الوقائية فى العمق العربى بحجة القضاء على المخربين العرب (11).

لم يستطع القبيل أن يتخلص من آثار التشرد والاغتراب داخل القبيل ذاته ،  لم يتخلص من آثار الجوع والعطش والحرمان من الأمن وتعدد الآلهة وسطوة رجال الكهنوت والعسكر عليه ،  فتربت لديه عقدة الكراهية للشعوب الأخرى التى كان يعيش على فضلاتها وسرقة ثقافتها والحقد على تطورها الحضارى ،  وتملكتهم أوهام التفرد وأوهام التميز ووقف هذا الإحساس المركب والمعقد خلف فكرة معاداة السامية التى يلقونها كتهمة فى وقت انفضاحهم  ” فاليهودى كاره للظروف التى تحول دون ملك يهودى ،  إن الأوتوقراطى العالم القادم ملك يهودى يجلس على عرش داود كما تنص النبوءات القديمة ،  وكما تنص وثائق الإمبريالية اليهودية والوثائق القديمة للبرنامج الإمبريالى (12) وعرف هرتزل الأمة بأنها مجموعة تاريخية من الأشخاص الذين يربط بينهم عدو مشترك … فإذا أضفت إلى ذلك كلمة يهودى سيكون لديك ما أعرفه بالأمة اليهودية ،  كما يقول (13) والمقصود بالطبع هنا العدو المشترك هم الأغيار وكل ما هو غير يهودى ،   كما جاء فى أديبات الفكر اليهودى ،  إن كل أنظمة الحكم التى وضعها غير اليهود نظماً بغيضة فاشلة فاليهودى ضد مشروع الأغيار ،  فهو إذا سمح لميوله بالانطلاق ،  جمهورى ضد الملكية ،  واشتراكى ضد الجمهورية ،  وبولشفى ضد الاشتراكية (14).

وهذا الأمر يسير فى اتجاهين ،  الأول هو تحطيم كل دول الأغيار فى جميع أنحاء العالم ،  أما الاتجاه الثانى يسعى لإنشاء دولة يهودية فى فلسطين كما أورد هنرى فورد. وهذا المشروع الأخير يقصد إنشاء دولة يهودية فى فلسطين- سيكون بمثابة ستارة للاستمرار فى الأنشطة السرية (15) من أجل تحطيم الأغيار ،  وقد أوردت جريدة الكريستيان ساينس مونيتور فى افتتاحيتها ،  بأنه سيكون من الخطأ الجسيم الاستنتاج بأن الخطر اليهودى غيرموجود ،  فمن الممكن بكل تاكيد إعادة تسمية هذا الخطر من واحد من أكبر كتب العهد القديم ” الإرهاب بالليل ” لأنه تصور المزامير الأساس  لقوى الشر العقلى التى يشير إليها البروفسير نيلوس ،  سواء بشكل إرادى أو لا إرادى ،  بمعنى آخر إنه بالنسبة للإنسان الذى يفهم الإشارات ،  فإن فكرة وجود منظمة سياسية عالمية سرية ،  تعمل بشكل متواصل من خلال مكتب سيكولوجى ،  رغم أن العالم الذى يجب أن يكون يقظاً لها ـ فى حقيقة الأمر ـ يغط فى سبات عميق وهو لا يرقى إليه الشك (16) ومن خلال هذا المخطط سار الضحايا الأغيار متهمين بمعاداة السامية بينما المجرم الحقيقى يمرح فى الأرض الوسيعة مرتكزاً إلى سيطرة قوى الشر العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الأرثوذكسى الصهيونى ،  وتم تلفيق هذه التهمة للأغيار وانطلق هرتزل يروج بأن حركة معاداة السامية موجودة مع الإنسان باستمرار على الدوام وأنه يترتب على ذلك نتيجتان أشار إليهما هرتزل وبعض المفكرين الصهاينة وهما: ” طالما ان العداء للسامية موجود وجوداً أزلياً  ” فالأمة اليهودية ” موجودة وجوداً أزلياً أيضاً وطالمـا أن العداء للسامية من الطبيعة البشرية فالحل الوحيد هو إنشاء ” وطن يهودى فى فلسطين … “(17).

هكـذا تم التأصيل للسطو والاستيطان واستباحة أملاك الآخرين وصاح هرتزل وقد استبدت به دعاوى التمييز والتفرد مستنهضاً المعاداة للأغيار الكامنة بداخله: افتحوا لنا أبواب فلسطين ،  دعونا نتخلص هناك من الإحساس بالغربة … وفى المقابل لن نزودكم بالمبالغ النقدية فحسب ،  وإنما سنزودكم أيضاً بأسباب المعرفة فى شتى الميادين … وسنبنى فى قلب هذا العالم كياناً حديثاً متقدماً يربط الشرق بالغرب ،  ويؤمن لكم الاتصال السريع السهل ببغداد والهند ..  ،  هكذا ذبح أصحاب الأرض الفلسطينيين وانتهبت بلادهم واحتلت بغداد وأفغانستان تحت هذه الدعاوى والتى تعتبر الأساس الذى يعلنه المستعمرون منذ أن بدأت حركة الاستعمار فى التاريخ وحتى تبلورت فى قيام الدولة الصهيونية الإسرائيلية العنصرية فى فلسطين .

ولأن الأمر كذلك فقد كان الوقوف ضد حركات التحرر فى العالم هى خصيصة بنائية عبر عنها اليهود فى أكثر من موقف لأجل أن التحرر يزيد من الوعى ضد الاستعمار والاستيطان ،  وترفع من شأن المقاومة بشكل عام وينعكس على المقاومة للمخططات الصهيونية الإحلالية ،  وهكذا تعهد هرتزل ببذل كل الجهود الممكنة لإجهاض الحركة الوطنية الإرمينية وإجبار زعمائها على الدخول من جديد فى طاعة السلطان (18) وذلك من أجل تسهيل وصول اليهود إلى فلسطين ،  كما وقفت الحركة الصهيونية ضد حركات التحرر فى كافة أنحاء العالم العربى وفى أفريقيا وآسيا ولا تنسى التعامل مع النظام العنصرى البغيض فى جنوب إفريقيا ضد حركة التحرر الوطنى هناك.  ثمة خصيصة أخرى يبلورها لاهوت المعاداة للأغيار وهى الوصول بالقتل والقمع والتعذيب إلى أقصى درجات الاشتهاء والتلذذ :  ” هوذا اسم الرب يأتى من بعيد غضبه مشتعل والحريق عظيم- شفتاه ممتلئتان سخطاً ولسانه كنار آكلة ،  ونفخته كنهر غامر يبلغ الرقبة ” (اشعياء 33: 27) ، ” كنهر غامر يبلغ الرقبة ” يكون التعامل مع الأعداء فالحاخام آفنيرى عام 199.يعلن أن المحكمة الحاخامية أو ملك إسرائيل ” لديهما سلطة معاقبة أى شخص بالموت إذا اعتقد أن ذلك يمكن أن يجعل العالم أفضل ،  كما يمكن للمحاكمة الحاخامية أو ملك إسرائيل معاقبة غير اليهود … من خلال ضربهم بلا رحمة أو سجنهم فى ظل ظروف بالغة القسوة أو تعريضهم لمعاناة أكثر تطرفاً … وأوضح تفضيله لإنزال عقوبة الموت أو الجلد العنيف بأى شخص غير يهودى يرى أنه مذنب فى جريمة إلقاء الحجارة على اليهود  (19) ولنر هذا الاشتهاء فى وجه آخر فى التقرير الذى صدر عام 1909 وأطلق عليه اسم الكتاب الأزرق وقد حوت مقدمة الكتاب التى كتبها إسرائيل زانغويل ،  على معلومات عن الأطماع الصهيونية فى ليبيا والمقترحات اللاإنسانية ضد السكان أصحاب الأرض منها ضرورة شراء العيون المائية الموجودة بحوزة أهل البلاد وهذا يحقق للمستوطنين (اليهود) هدفين الأول الاستفادة من مياه العيون والثانى حرمان السكان من المياه مما يضطرهم إلى الرحيل بعيداً عن مناطق الاستيطان (20) .

وهذا الاشتهاء والتلذذ المستمران حتى نهاية العالم مثلها مثل الصراع بين الرب والحية الهاربة المتحوية والذى يستمر حتى نهاية العالم عندما يقتل الرب بسيفه العظيم القاسى الحية ويقتل التنين فى البحر ،  التنين والحية هما الأغيار فى صورة تبادلية يشتهى الرب طعنهما وقتلهما ومطاردتهما وسحقهما فى يوم الرب حيث فى المستقبل يتأصل يعقوب يزهر ويفرح إسرائيل ويملأ وجه المسكونة ثماراً (اشعياء 27: 6) وحيث فى ذلك اليوم الرب يجنى من مجرى النهر إلى وادى مصر ” (اشعياء 27: 12) كما أنه يخرج من مكانه ليعاقب إثم سكان الأرض منهم (اشعياء 26: 21) ،  وكما ذكرت التفسيرات أن الوليد ابن الزنا من بتشبع وداود قد أماته الرب لأنه الحية أو الثعبان ” ونقل بإماتته الخطايا عن داود وأخفى جريمة الغدر والخيانة والطعن من الخلف ،  فإن العلاقة تتركب ويصير غير اليهود هم الحية الهاربة والثعبان والتنين الذى لابد أن تسحق رؤوسهم وتنغمر فى مياه الاشتهاء الدموى لتختفى حقائق الغدر والخيانة ،  فما الذى يفعله اليهودى التقى عندما يرى إنسان يغرق فى البحر أو يسقط فى بئر ؟  والإجابة اليهودية تقول والتى لا تزال مقبولة من اليهود التقليديين ،  أن ذلك يعتمد على إلى من ينتمى هذا الإنسان فإذا كان يهودياً ورعاً أو مجرماً بجرائم عادية فإنه يجب أن يتم إنقاذه أما إذا كان غير يهودى فإنه يجب ألا ينقذ … وكما يرى ابن ميمون فى قوانين القتل والحفاظ على الحياة: … أما غير اليهود الذين ليسوا فى حالة حرب معنا … محرم علينا إنقاذهم إذا كانوا مشرفين على الموت ،  فإذا شوهد أحدهم على سبيل المثال يسقط فى البحر ،  فإنه يجب ألا ينقذ فكما هو مكتوب ” لا ترتكب ما يعرض حياة جارك للخطر ” (لاويين 19: 16) ولكن “غير اليهودى ليس جارك” (21) وهنذا هو رأى ابن ميمون الذى نهل من الثقافة الإسلامية وعاش مطمئناً بين شعوبها وآمناً على حياته فى بلادها ،  لكنها الخيانة التى فجرها داود وأماتها الرب فى الوليد”.  وهكذا أمر صموئيل شاءول بمحاربة شعب العماليق وقال له: ولا تقف عنهم بل اقتلهم رجلاً وامرأة وطفلاً ورضيعاً ،  وهكذا اعترف الحاخام موسى أبو العافية بذبح الأب توما ليصنع من دمه فطيراً أرسل قسماً منه إلى بغداد فى عام 1840 ، وإلى آخر المذابح الدموية التى يرتكبها أبناء الرب شعب إسرائيل مملكة الكهنوت والأنبياء فى سائر الأزمان والأماكن ولتصير خصيصة بنائية تعبر عن الدم المراق على المذبح من أجل غبطة الإله وفرح الحاخام الذى يشكل فى حد ذاته خصيصة بنائية أخرى للاهوت المعاداة ،  وفى دولة الرب ليس غريباً بأن السياسيين النشيطين من الأحزاب الحريدية حتى لو كانوا وزراء أو أعضاء فى الكنيست يعترفون بتواضع على الملأ بأنهم مجرد خدم للمجالس الحاخامية للحزب التى يقومون باستشارتها قبل اتخاذ أى قرار … ومداولات المجلس (الحاخامى) يتم الاحتفاظ بها سراً ،  وقراراته غير قابلة للمراجعة باعتبارها وحياً من السماء (22) ويبرر اليهود المتدينين وخاصة الحريديم دعم الدولة وميزة الإعفاء من الخدمة العسكرية لطلبة المدارس الحاخامية من خلال القول بأن اليهود ودولة إسرائيل اليهودية إنما توجد بسبب فضيلة دعمهم للدراسة التلمودية فهذا الدعم هو الذى جعل الرب يقف بجانبهم وجعل إسرائيل تنتصر فى حروبها (23) ،  وبرروا الهولوكست المزعوم بأنه لم يكن قط بسبب كل خطايا العصر الحديث ولكن أيضاً بسبب الامتناع عن دراسات التلمود فى أوربا (24) .

وطبقاً لهذه الحاخامية ،  يرى الحاخام لوبوفتشر ـ مؤسس الطريقة اللوبوفيتشرية ـ أن جسد اليهودى ذو نوعية مختلفة تماماً عن جسد أى من أفراد أمم العالم .. كما أن الجسد اليهودى تم اختياره (بواسطة الإله) ،  لأن الاختيار يتم بين أشياء متشابهة ظاهرياً ،  فالجسد اليهودى يبدو فى ظاهره كما لو كان مشابهاً لأجساد غير اليهود ،  ولكن المعنى هو أن الأجساد تبدو متشابهة فقط فى المادة وفى الشكل الخارجى وفى النوعية السطحية ،  والفرق الخاص بالقيمة الداخلية ،  هو فرق عظيم لدرجة أن الأجساد يجب أن تعتبر أجناساً مختلفة تماماً .. وهذا هو السبب فى أن التلمود يقول أن هناك تمايزاً فى موقف الهالاخاه من أجساد غير اليهود باعتبارها طرف نقيض لأجساد اليهود .. ” أجسادهم لا احترام لها “…

وهناك فرق أكبر يتعلق بالروح التى تأتى من ثلاث دوائر شيطانية ،  والروح اليهودية التى تتبع من القداسة (25) ويقول الحاخام جينسبرج وهو أحد مؤلفى الكتاب الذى يمجد باروخ جولد شتاين مرتكب مذبحة الحرم الإبراهيمى بالخليل ،  فى فصل فى هذا الكتاب: إن قتل اليهود لغير اليهود لا يعتبر جريمة تبعاً للديانة اليهودية ،  وأن قتل العرب الأبرياء بغرض الانتقام يعتبر فضيلة يهودية … ورأى أنه إذا كان هناك شخص يهودى بحاجة إلى كبد فهل يمكنه أن يأخذ كبد شخص غير يهودى برئ لإنقاذ حياته ؟ إن التوراة تسمح بذلك على الأرجح ،  فالحياة اليهودية لا تقدر بثمن فهناك شئ أكثر قداسة وتفرداً فى الحياة اليهودية عنه فى الحياة غير اليهودية (26) .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s