فلسفة الزحام بين الانطوائية و الإجرام //بفكر : حسين راشد

فلسفة الزحام بين الانطوائية و الإجرام

بفكر : حسين راشد

المتأمل في المجتمعات الحديثة والمهتم خاصة بشأن التغيرات الإنسانية  وقد ينحصر حديثنا في إطار منطقتنا العربية ” وسط الدنيا” والتي لا تنفصل بحال من الأحوال عن العالم .. كان علينا حينما نُبحر في موضوع كهذا  أن نتكلم عن ما نعرفه و ما يعود علينا بداية ثم ننظر لما بعده , فالمتتبع للحياة الجديدة  والظروف المتغيرة و التطور الذي حدث في شتى مناحي العلم والمعروفة سيجد خللاً ما في طريقة التعامل بين الأشخاص و باتت الحياة على غير ما ألفها الإنسان في سائر العصور بالتغيرات التي طرأت و غيرت من” سيكولوجية”الحالة النفسية  لمواطني المدن و ربما أيضاً القرى وسيعرف تمام المعرفة أن هناك تحولاً غير مسبوق في الشخصية المجتمعية , و أن هناك ما استجد على شخصية الإنسان عامة “ككائن اجتماعي” وتحوله إلى كائن “انطوائي”  و خاصة بعد أن دخل عالم الإلكترونيات أغلب هذه المجتمعات وفي كل طبقاتها من العليا إلى الدنيا و العكس .. و يمكن أن نستخدم الاصطلاح الذي لخص هذا التغير ليس لأهميته ولكن لمعرفة كيف أصبح الإنسان غريباً في مجتمعه بينما يقول المصطلح ” العالم قرية صغيرة” بينما في هذه الأوقات نرى كيف للمواطن في أي من أنحاء العالم  أنه بات غريباً عن أقرب شخص يستطيع الاستنجاد به في الحين الذي يتكلم مع غيره على بعد ألاف ألاف الأميال بحميمية  تعارفية و يتحدثون في أدق التفاصيل الحياتية و كأنهما في غرفة واحدة يحتسون المشروبات . والعجيب بالطبع ليس هذا بل إننا بتنا ومنا كثيرين قد لا يعرفون أسم جارهم  المباشر الذي يسكن أمامهم مباشرة أو شكله أو حالته , بدعاوى شتى , في الحين الذي كانت المجتمعات القديمة تُعرف بالعصبية والقبائلية لاندماج عنصري العصب و الحياة  مقبلين على بعضهم البعض يربطهم عصب الحياة , فكان هناك تكاملاً بشكل دائم . وكانت هذه المجتمعات القديمة والتي أثرت في الحياة إيجابياً بتكوين القوميات ولا داعي أن نذكر أن حتى في الدين ذاته كانت هناك تلك النظرة فكانت الرسالات السماوية تنزل من السماء على أبناء أبن واحد من نوح اصطفاءً لعنصره الطيب و بركة أبنائه و تقواهم .. ولا شك أن هذه المسألة جدلية و فيها أراء عدة لكننا هنا لسنا بصدد أن نتحدث في أمور الدين والاصطفاء و لكننا نورد بعضاً من التاريخ المتعارف عليه كي نمهد للحوار المدروس و المنهج الإنساني , و فلسفة  الزحام و ما نتج عن الزحام الغير مدروس والغير قابل للتطور لعدم اجتماعه أولاً على هدف للحياة , وعدم اكتراثه في بناء وتشكيل آليات للمستقبل تكون لبنة لمن يليه من جيلٍ إلى جيل.

في مصر كانت هناك الأسر الفرعونية المتعاقبة على حكم مصر .. كانت كل أسرة تنشئ لها مدينة تجعلها العاصمة البديلة للعاصمة للتي كانت قبلها فانتشرت الحضارة في ربوع مصر بأكملها  تناقلاً و تحديثاً و إتاحة لتخصيب أرض جديدة و  تنقل عمران الأرض حتى اتسعت رقعة الحياة  الأمر الذي أنتج أبواباً جديدة للعمل الدائم والمتواصل, حتى على مر السنوات مروراً بالفتح الإسلامي و بداية إنشاء القاهرة التي كانت عبارة عن صحراء  قاحلة. كل هذا كان يدل على أنه كان هناك فكراً لتعمير الأرض و فرد مساحات الحياة بإنشاء عواصم جديدة يهاجر إليها المنتفعين والعاملين والمحتاجين فتحيى بهذه المتطلبات تلك البيداء و تصبح مدينة جديدة تضاف لما سبقها  من مدن و عواصم, كان القدماء يبتعدون تماماً عن الرقع الزراعية التي كانت بالنسبة لهم سلة الغذاء ووقود الحياة , كانوا يقدسون الحياة والممات فابتنوا لأنفسهم وفيما يعتقدوا لأرواحهم بنايات هي الباقية حتى الآن لتدلنا عن شيء هام للغاية ” الفكر المستقبلي” والتخطيط العمراني لأجيال و أجيال .. حتى الممات .. كانت النواحي الشرقية للمدينة هي الإشراق و بداية الحياة ابتنوا عليها معيشتهم و زراعتهم و تنقلوا من شمالها إلى جنوبها .. أم غربها فكان في معتقدهم أنه للحياة الأخرى “البعث”, كل هذا كان دليلاً واعياً على هذا الفكر الإنساني العميق الذي ينظم حياته ليُفعل الجملة الشهيرة ” تنظيم العمل أهم من العمل ذاته” لذا فسنجد الآن في هذا الزحام والتزاحم الكبير الذي أصبحت عليه الكرة الأرضية – هذا الزحام العبثي- غير المنظم يجعلنا نبحث عن ما أنتجه هذا الزحام من إعاقة فكرية و اجتماعية ونفسية , وما أثره هذه الزحام كل نواحي الحياة , وخاصة على العقول التي من المفترض أن تكون هي “مفتاح الحلول” و هي الآن أكثر الناس التصاقا بالزحام , في العواصم والمدن تحت وطأة الشهرة والمال,

لنا أن نعرف أن خلال الثلاثين عاماً الماضية في مصر فقط أنه أزداد عدد السكان من 40 مليون إلى ما فوق ثمانين مليوناً , أي ضعف العدد تقريباً أو ما يزيد , وليست المشكلة في ازدياد العدد فالأرض رحبة بما عليها شرط تنظيم هذه الجموع البشرية وتوظيف الأرض لخدمة من عليها , فنجد أن مساحة الأرض ولا عجب –لم تزد- ولن تزيد ولكن على العكس تماماً فمساحة الأرض التي تخرج لهذه الجموع محاصيل لتغذيتهم هي التي تنقرض يوماً بعد يوم .. و المدن الجديدة والتي لا يسكنها في غالب الأمر ولا يحتكرها سوى ما اتفق على تسميتهم “رجال الأعمال” أصبحت مدناً بلا بشر , بل أصبحت مساحات للمتعة والرفاهية فيما تكدست العواصم والمدن الكبيرة والصغيرة بالبشر الذي يتزاحم على لقمة العيش و فرص العمل و أماكن السكن , و إن كانت المشكلة الآن نراها عظيمة فهي في المستقبل مفزعة, إن لم نتدارك الأمر فسوف تكون عواقبها وخيمة .

ماذا أنتج الزحام؟

أنتج الزحام ضيق في المكان .. ضيق في الحركة.. ضيق في فرص العمل .. ضيق في التنقل .. ضيق في السكن .. ضيق في الأفق..ضيق في الأخلاق.علاوة على الأمراض العصبية و انتقال الوباء بسرعة وفاعلية أكثر من ذي قبل.

أصبحت الحياة ما بعد الزحام حياة فوضوية عبثية, ازدادت بسببها حجم الجرائم وتنوعت الوسائل والنتيجة إنتاج العنف الاجتماعي و التفكك و الانحلال و تجارة المخدرات و الدعارة , ازدادت بسبب الزحام الفوارق الطبقية في مساحة صغيرة من الأرض فتولدت الطبقية بكل أمراضها المقيتة, أنتجت فلسفة الزحام و سرعة الأداء تخبطاً و قلقاً مزمناً بداخل كل منا, زادت الجريمة ,بشكل غير مسبوق , ففي إحدى جرائم القتل الشهيرة وجدت مقولة لطبيب نفسي  وهو الدكتور «هاشم بحري» أستاذ وطبيب نفسي: إن العنف فعلاً زاد حالياً والقتل أصبح أكثر عنفاً ودموية، وذلك يحدث لوجود الصراعات التي تبدأ بوجود اختلاف في وجهات النظر وتعارض في المصالح وهذا يجعل الإنسان يريد حل أزمته ومشكلته بأية طريقة، والناس الراقية المتمرنة علي التفاوض تبدأ في التفكير والتعامل مع الأزمات، ولكن للأسف هؤلاء يكون هذا هو شكلهم الظاهري فقط، لأن التفاوض نادر الاستخدام.

والزحام الذي يوجد في مصر يجعل كل إنسان يحمل داخله توتراً غير طبيعي وهو ما يسمي «بفلسفة» الزحام» يجعل البشر أكثر عنفاً وعموماً فأن المجرم المتوتر يكون بصورة أكبر من غيره.

و أخيرا أورد لكم هذه التجربة التي قام بها عالم أمريكي على فئران التجارب.وهو أحد علماء النفس من العاملين بالمعهد القومي الأمريكي للصحة العقلية وعلى ذلك قام بهذه التجربة صمم بناءًا سكنياً لمجموعة من الفئران بحيث يكون البناء محكماً لضمان عدم خروجهم، إضافة إلى أنه عمل على توفير الطعام  وبعد فترة ومع تزايد الفئران وصل عددهم إلى 80فى البناء المصمم لـ 48 فقط   ورصد الباحث حدوث تغيرات سلوكية واجتماعية غريبة تطرأ على الفئران

أ – فبالرغم من وفرة الطعام لاحظ أن كثيرا من الحيوانات بدأت تتعدى على حقوق الآخرين من مأكل ومشرب ومأوى

ب – تحول الذكور نحو استخدام العنف والعدوان

ج – ظهور الشذوذ الجنسي بين الذكور

د – الميل إلى الانسحاب والسلبية

ه – أما الإناث فقد أبدين تكاسلاً وإهمالاً للأطفال الصغار

وعلى هذا تحول مجتمع التجربة إلى ما سماه الباحث بالانحطاط السلوكي

الآن يمكنك تأمل ما تراه في سلوك البشر في المجتمعات المتكدسة

مع التأكيد على وجود ما يهذب سلوك البشر مثل القيم الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية

ومن العلوم الحديثة والدراسات في عالم البيئة نجد فكرة الإثارة أو الاستثارة:
وهي من المفاهيم الرئيسية في حقل علم النفس البيئي فكرة الإثارة أو الاستثارة ومعروف أن الإثارة تنجم عن الضغط وتعرف الإثارة بأنها عبارة عن زيادة في نشاط الدماغ والاستجابات الذاتية، أو الآلية، مثل معدلات ضربات القلب أو معدلات التنفس ، لأنها تترابط مع بعض الأحداث التي لا تسبب الضغط، كذلك فإن الإثارة لا تحدث فقط نتيجة للمثيرات السيئة أو المزعجة، ولكنها أيضا تحدث نتيجة للمثيرات السارة أو السعيدة، ولذلك يمكن وصف البيئة في إطار قدرتها على إثارة الاستثارة. ومن الموضوعات التي درسها علم النفس البيئي تأثير الزحام على القردة وعلى الفئران وعلى سلوكها العدواني ، وتأثير درجة الحرارة على العنف ودراسة العلاقة بين الحرارة والجريمة.

البيئة الفيزيائية إما أن تشعرنا بالراحة والسعادة والاسترخاء والرضا والمتعة والصحة ، أو تشعرنا بالضيق والتعب والإرهاق كما يحدث عندما نتعرض للحرارة الشديدة أو الرطوبة أو الضوضاء أو الزحام الشديد أو البرودة الزائدة . وكما أننا نتأثر بالبيئة فإننا كذلك نؤثر فيها وهذا التأثير قد يكون سالبا أو موجبا والمأمول أن يكون موجبا ، فقد نقود سيارة ينطلق منها دخان العادم ونجوب بها المدينة وقد نقوم بزراعة حديقة المنزل بالزهور والريحان وقد نقوم بنظافة المنزل أو مكان العمل فالعلاقة بين الإنسان والبيئة علاقة تفاعل أي تأثير وتأثر وإن هذا التفاعل قد يكون إيجابيا أو سلبيا.“هذا بالطبع لن يأتي وسط الزحام” بل يتأتى بصناعة مساحات لكل هذه الأشياء التي يجب أن نزرعها أو نمشي عليها .. وهذا لن يأتي في ظل الزحام وحرارة الأجساد الملتحمة في المواصلات العامة وفي الشوارع و الأسواق و كل ما يحيط بنا من “زحمة”

فهل لنا أن نتدارك أمرنا و نعلم أننا بشراً يمكننا فك هذا الزحام بفتح مجالات حياة جديدة بعمران الأرض و عمارتها .. و أن نبدأ حقيقة في توعية الجماهير بنتائج هذا الزحام وفلسفته التي قد تتعدى على حقوق الآدمية و الإنسانية , فتنقلب بنا الحياة إلى حياة “الأنعام” و تصبح حياتنا جحيماً بهذه الفلسفة الزحامية التي تخرج الإنسان عن إنسانيته و عن فطرته التي فطرها الله على السعي في مناكبها و نتخلى ولو لبعض الوقت عن هذه المركزية التي بدلت حياتنا من التطور إلى التدهور, و أن بإمكاننا حقاً أن نوظف كل هذا الكم من البشر في تعمير الأرض و عمرانها , وفتح أبواب جديدة للحياة عوضاً عن تلك الغابة التي أصبح من فيها يتنازع ويتعارك على سلب حق الآخرين , و لنا في الحديث بقية بإذن الله

حسين راشد

نائب رئيس حزب مصر الفتاة

و رئيس الاتحاد العربي للإعلام الالكتروني

المراجع

أ -الإنسان وعلم النفس – د. عبد الستار إبراهيم – سلسلة عالم المعرفة العدد 86 – دولة الكويت

Calhoun j.b.a – behavioral sink- in e.l bliss ( ed. ) roots of behavior – new York : Harper& – row – 1962

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s