من هو عدو إيران؟ //د أكرم حجازي

من هو عدو إيران؟

د أكرم حجازي

من حق أية دولة في العالم أن تمتلك أدوات القوة للدفاع عن نفسها ومصالحها وشعبها. وليس من حق أحد أن ينكر على غيره هذا المسعى. لكن ما من دولة في العالم، وما من أمة على وجه الأرض تعيش وتتقدم دون أن يكون لها، على الأقل، عدو مركزي يلعب دور المنافس الذي يستنهض الأمة ويستدعي الحذر الدائم منه. هذه الوضعية تزداد وضوحا كلما امتلكت الأمة قدرا من البأس والقوة والسلطان بالمقارنة مع غيرها من الأمم، أو كلما كانت ذات امتدادات حضارية عميقة تسعى لإحيائها، أو أن تكون ذات عقيدة ما تود لها الانتشار والسيادة بين الأمم.

لا يخفى على أحد قوة إيران التكنولوجية الصاعدة على المستويين المدني والعسكري، ولا يخفى على أحد محاولات إيران امتلاك السلاح النووي وكل أسلحة الدمار الشامل، ولا يخفى على أحد سعي إيران، بوسائل عدة، إلى توسيع دائرة نفوذها وسلطانها إلى خارج حدودها ومنطقتها الإقليمية. لكن ثمة سؤال مركزي من حقنا، كسنة، أن نطرحه على إيران شاءت أم أبت، ومن حقنا أن نحصل على إجابة واضحة عليه وخالية من أي لبس فيها. أما السؤال: فمن هو العدو الذي تخشاه إيران حتى تجد نفسها مضطرة لامتلاك تقنية التسلح النووي؟

إننا نطرح السؤال لأننا نعلم، كغيرنا، أن هناك دول عظمى في العالم أقوى من إيران وأهم منها وأكثر تعرضا للخطر ومع ذلك لم تسع لامتلاك أسلحة دفاعية كما تحاول إيران أن تفعل. ونعلم أن إيران الصفوية، منذ نشأتها، هي التي فرضت التشيع على أهلها السنة منذ خمسة قرون لا غير، وأن إسماعيل الصفوي هو الذي استجاب لبابا الفاتيكان وطعن الدولة العثمانية في الظهر وحال دون فتح بلاد الروم بعد أن كانت فيينا حاضرة أوروبا آنذاك على وشك السقوط خلال حصارها من قبل الجيوش الإسلامية بقيادة السلطان سليم الأول، ونعلم أيضا أن الصفوية هي التي أخذت بالتمدد شرقا وغربا باحتلال أفغانستان والعراق، وأن الدولة العثمانية انشغلت برد العدوان الصفوي ومحاصرة تمدده لينحسر في إيران، وأن علامات استئنافه انطلقت مجددا مع سقوط أفغانستان وبغداد! كما لو أن التاريخ يعيد نفسه مذكرا بأحفاد ابن العلقمي ودوره في سقوط حاضرة العالم الإسلامي على يد التتار والمغول.

هذا هو دور إيران الصفوية تاريخيا ومن قبلها طائفة الشيعة. لذا فإن كل محاولات التورية والتبرير والمراوغات والاستخفاف بالوقائع التاريخية العظمى لأمة الإسلام والتقليل من شأنها باعتبارها حوادث منعزلة! لا تنفع للإفلات من الإجابة على السؤال الذي يستدعي الحصول على إجابة وليس اتخاذ مواقف أو تصنيف الناس بلغة رقمية إما معي بداهة أو مع أعدائي حكما!

هنا بالضبط ينبغي الحذر من الوقوع ضحية المعادلة الوهمية الخادعة التي تشترط علينا الاعتقاد بأن معاداة إيران يعني بالمحصلة الوقوف في صف العدو! فالتحالف مع إيران مسألة سياسية متحركة لا يجوز تحت أي ظرف كانْ ترقيتها، زورا وبهتانا، لتغدو وكأنها مسألة عقدية ثابتة وواقعة بين الكفر والإيمان. فكما أن الغرب واليهود وملل الكفر والوثنية والإلحاد لم يكونوا في يوم ما أصدقاء للإسلام والمسلمين فإن الشيعة وخاصة الصفويون منهم لم يكونوا في يوم ما إلا في صف أعداء الأمة وليس العكس أبدا.

إذن لما نتساءل عن العدو؛ فلأن إيران نفسها لم تحدد عدوا صريحا لها يمكن أن تصدقه سياساتها وأفعالها وتاريخها. وعليه فإن للسؤال مشروعية عظمى ينبغي أن يبنى عليه في تحديد المواقف من إيران في ضوء:

· إعلانها الصريح، على لسان محمد علي أبطحي مستشار الرئيس السابق محمد خاتمي، أن سقوط كابول وبغداد بيد الأمريكيين لم يكن ممكنا لولا الخدمات التي قدمتها إيران للولايات المتحدة. وعليه فليس من المفارقات أن يعيد التاريخ نفسه وكأنه صورة طبق الأصل عن سياسات الدولة الصفوية. وفي هذا السياق لا ينفع البتة تغطية هذا التحالف بإشهار العداء له في مناطق أخرى كفلسطين ولبنان لأنه لن يكون إلا بمثابة تغطية للشمس بالغربال، وليس الموقف الإيراني وأدواته عن حرب غزة ببعيد.

· تبني مبدأ « تصدير الثورة » الذي تجسد باحتلال الجزر الإماراتية وتهديد البحرين والمحاولات الإيرانية المحمومة لاختراق الحواضر السنية ابتداء من أندونيسيا وانتهاء بموريتانيا.

· طغيان اللغة المذهبية على كل الفتن والصراعات المسلحة وأعمال التخريب التي تستهدف السنة كما يحصل في باكستان وأفغانستان واليمن ولبنان والعراق والسعودية والكويت والبحرين وغيرها من البلدان ذات التواجد الشيعي.

· بل أن مذهبية التدخلات الإيرانية في مناطق السنة تجد صداها في صورة العداء الشديد الذي تكنه إيران لمواطنيها من أهل السنة الذين لا يمتلكون أية حقوق ولو في مستوى مسجد في طهران!

إلى هنا نقول أن لإيران من القوة ما يكفي لِأنْ تحدد من هو عدوها بكل وضوح، وأن تتطابق أقوالها وأفعالها في التعامل معه في كل الساحات، فالخلافات لا تبرر التحالف مع عدو في ساحة ومحالفته في ساحة أخرى! وأن تتوقف نهائيا عن التطاول على عقيدة أهل السنة والصحابة الكرام وزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. وإلى ذلك الحين فإن كل الدلائل والوقائع تشير إلى أن العدو الوحيد لإيران هم السنة وليس إسرائيل ولا الغرب ولا الولايات المتحدة. وبهذا المعنى يكون الحديث عن مشروع صفوي في قلب العالم الإسلامي مبرر تماما خاصة وأن فعالياته اشتدت بروزا بالتوازي مع الانطلاقة الميدانية للمشروع الأمريكي – الغربي – الصهيوني.

وفي هذا السياق من العبث لوم النظام السياسي العربي على تخاذله أو تراجعه أو تواطئه مع الغرب. فالطامة هنا أكبر. لأن جلد الذات لا يغير من حقيقة العدو الذي يبقى عدوا. وعليه فإن المعادلة البديلة ينبغي أن تتجه إلى الوعي بخطورة المشروع الصفوي، والتصدي له، وهو ما سيعني حكما وعيا موازيا بخطورة المشاريع الغربية والصهيونية، و التصدي لها على السواء وليس التحالف معها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s