لم يضحك أحد غير الكراسي//مصطفى خداد


لم يضحك أحد غير الكراسي

… وصلت باب الفندق مستوفيا بعض الوقت، كانت الساعة الكنسية تشير إلى الثانية إلا عشرون دقيقة، حرارة معتدلة و ضجيج المارة و السيارات ينثر أصداءه في الشارع العام لمركز المدينة.
اتجهت إلى الحديقة الأمامية للمقاطعة الحضرية ،فوقعت عيناي على كرسي خشبي ، طويل و عريض، أطاعت قدمي عيني ، وصلت في هدوء تام، و جلست واستلقيت محولا نظري إلى قمة برج الكنيسة العــــتيقة ، و العقرب الخبيث، متربع على الربع الأخير منها ، فشعرت برغبة في الذهاب إلى المرحاض ، أثنيت تفكيري بسرعة فتناسيت الأمر، وضعت رجلي اليمنى على فخدي الأيسر، و أخذت عيناي تجول على الكراسي الخشبية علني أجد فكرة تتنطط من كرسي إلى آخر، تائهة بين جموع العجزة من الإيطاليين، و تجمعات الشباب المهاجر.
أثارتني حالة غريبة …
فتاتان بل امرأتان ، لا بل ربما طفلتان قاصرتان ، لم أعد استطيع التمييز بين نساء هؤلاء القوم ، على أي، كانتا و من المؤكد أنثيان، عليهما آثار و ملامح الأخوة و توحد النسب ، كانتا مصحوبتين بشاب لم يتسنى لي التحقق من مصدر ذكريته على قول ” الجزيرة “.
اتجها صوب الكرسي في الجهة التي يفصلها ممر إسفلتي عن ممر كرسيي ، أجلسهما احتراما لأنوثتهما العالية، و ابتسم للتي جلست على اليمين ، فمرر بنصره على حاجبيه النحيفين، و من تم أدخل يديه في جيبي سرواله الخلفيين، فأخذ ينفض عن صدره في تمدد آثار التعب و الإعياء ، بعد حين حولت نظري إلى العقرب الخبيث، لأجده فاردا جناحيه على العشرة دقائق الأخيرة من الساعة ، أيقنت أنه يتوجب علي التهيؤ للرحيل إلى عملي.
في غمرة استعداداتي العقلية و النفسية أثارتني حركة لا تتحرك.
انحنى الشاب المشكوك في ذكريته، حتى أصبحت عيناه في مرمى نظرات الجالسة على اليمين، فاتجه بيديه الناعمتين إلى الحقيبة على فخدي الحسناء ، فتحها في رقة و هو يبتسم في وجهها، أخذ يفتش عن شيء ما ، بعد لحظة انتشل قلما أسودا و أمسك برقبة حسنائه، و بدأ يجمل حاجبيها في سرعة هائلة ، بعدها انتشل مسحوقا و فرشاتا ناعمة لينة، فمرر المسحوق على خديها و هي مغمضة العينين، بعدها أخد ينفض بف رشاته آثار المسحوق .
كان ضني في محله، وربما لم أكن لأتوصل إلى ذلك لولا الضحكات و الابتسامات التي كانت تطلق من طرف الجمهور الذي كان و لا شك يشاهد ما أشاهد.
بعد لحظة انتبهت التي كانت على اليسار لسخرية الجمهور، فنبهت الآخرين ، فجال بعينه في الساحة فغض الجميع نظره ، فوقفت الحسناوان، وأخذ الحقيبة من إحداهما، و أدخل معصمه الأيمن في حمالتيها و رفعها إلى كتفيه فانطلقوا وانطلقت معهما عيناي، لكن، إلى العقرب المخيف، فوجدته يبتسم لي ويسخر في نفس الوقت،عندها انتفضت من مكاني و اتجهت صوب الفندق،و دخلت إلى الغرفة الحارة فغيرت ملابسي، و اتجهت نحو الحاسوب فأخذت قلما وورقة وكتبت و أنا أبتسم كالمجنون .

تحياتي

مصطفى خداد من جريدة المغربية بروما
إيطاليا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s