حوار حول “أربعون يومًا بانتظار الرئيس” لأفنان القاسم / عيسى السعيد – باريس

حوار حولأربعون يومًا بانتظار الرئيس” لأفنان القاسم / عيسى السعيد – باريس

النص انتشلني من خطر السقوط في هاوية الأسلوب الجاف وعيوب الخطابية!

ليس من المتعارف عليه نشر حوارات ثقافية مع أصحاب المنابر الإعلامية والصحف لنشرها على صفحاتهم، إلا أن الضرورة أملت علينا إعادة إصدار حوار قديم قاس وشاق لم يكن فيه للمجاملة من مكان استدرجت عبره الكاتب والروائي أفنان القاسم، ولم يكن القصد من محاورته تلخيص تجربته. وان كان بعض هذا الاستدراج قد شابته بعض الأحكام والملاحظات القاسية، فليس ذلك إلا لإتاحة الفرصة لنا كي نلقي بعض الأضواء على نصه “الأربعيني” الذي أثار عاصفة من التساؤلات كما عرى وكشف عن الكثير من الفضائح السلطوية، ومن يغوص في خبايا السلطة ودهاليزها وأنفاقها من رموز الثقافة الفلسطينية والمنتفعين!! للتعبير عن الصورة المختلف حولها، والتي كثيرا ما تلتبس المواقف منها، على الساحة الثقافية، كما تثير الارتباك في أوساطها! وهنا نص الحوار الذي جرى تحديث بعضٍ منه:

* كيف يمكن لنا أن نحدد مسار الحوار حول نصك الأخير؟ هل هو رواية وثائقية، تسجيلية، هجائية، أم سيرة ذاتية لتجربة فردية، مجبولة بالهموم العامة؟

النص الروائي كالحياة لا يتوقف عن التطور، في الماضي كان يجري تصنيفه تحت أي تيار يتبع: كلاسيكي، واقعي، واقعي جديد، رومنطيقي، أو حسب أي شكل كتب: وثائقي، تسجيلي، سيريذاتي… إلى آخره، بينما هو من الاتساع والقوة لدرجة تسمح له باستيعاب كل هذا دفعة واحدة، وبسبب ذلك نتحدث عن خصوصية روائية منفتحة على كل الأنماط الأدبية وهاضمة لها، في الرواية نجد شعرًا ومسرحًا ومعالجة صحفية، المهم هو النهج الذي تشقه الرواية لنفسها، أي الأسلوب وطريقته في تناول الموضوع، عسى أن يكون كل هذا مبررًا فنيًا وإلا بدا النص متنافرًا، ومن هذه الناحية أتعبني نصي كثيرًا، فهو ليس سيرة ذاتية محضة وليس سيرة جماعية محضة: كل الروايات عبارة عن سيرة ذاتية أو سيرة جماعية، أما نصي فهو خارج عن المألوف، خارج على القانون، محطم للشكل الروائي المعروف، وكوني أحد أبطال الرواية لا يعني تسمية الرواية بالذاتية، إن الكشف عن هوية الراوي/ الكاتب صفة من صفات الرواية الحديثة في وقتنا المتقدم الراهن، كما أنني لست الكاتب الأول والأخير الذي اتبع هذه الطريقة، من بلزاك إلى بورخيس ومعظم كتاب أمريكا اللاتينية هم نمطي في هذه الطريقة، وعربيًا هناك على الخصوص محمد شكري في “الخبز الحافي” الذي سبقني إليها، ورياض بيدس في روايته “الهامشي” الذي تبعني على الدرب ذاته (…)، دون أن يأخذ أحدنا موعدًا مع الآخر، كما أن عزت الغزاوي في مقدمته “للحواف” يؤكد على “تشابه عمله بالواقع” مضيفًا إن “كل اختلاف في الأسماء والوقائع ليس مجرد صدفة”، وهي العبارة ذاتها التي بدأت بها احتراسي عندما قلت: “إن أي شبه بين شخصياتها وبين أشخاص واقعيين ليس ابن عرض جنحت إليه عن قصد”، وهو احتراس نقلته عن إميل حبيبي في “اخطية” بعد أن نفيت كل جملة من جمله، فهذا كاتب فلسطيني يلقي بمصائبنا على كاهل “خياله الشرقي المجنح” (….)، لهذا  منحته إسرائيل جائزتها وقبلها شاكرًا بينما رفض هذه الجائزة يهودي يقف مع الحق الفلسطيني اسمه لوبوفيتش. هذا وقد لجأت إلى تجربتي الفردية المباشرة مع وعيي الأكيد لخطر التوثيق “الأرشيفي” أو التسجيل “الأستوديوهاتي”، فخففت منه الشيء الكثير، بل إنني أذبته في سياقات فنية وتاريخية جعلتني أذهب إلى أصول الإنسانية وأعود، من آدم إلى المنتفض، وإلى آخر مبتكرات الصورة الأدبية التي ساهمنا في تطورها ولو بشكل متواضع، وفي الأخير نقول إن التسميات (وثائقي وقائعي واقعي أو غيره) لا تهم، المهم أن يكون نصك مذهلاً.

* لو تكلمنا عن السياقات التاريخية ألا تشعر بأنك قدمت رواية “وعظية” كما لو أنك تقدم بلاغًا ضد العلاقات السلطوية، وبمعنى أوضح النص معني بالسلوك السلطوي وحقيقة الحالة الفلسطينية بهمومها الإنسانية وانتكاساتها السلطوية، بصراعات أشخاصها وأحقادهم الغير العادية حين تتأسس “طموحاتهم” على الحسابات الشخصية لا على القيم الإنسانية؟ أو حتى الوطنية؟؟!!

أفضل مصطلح” الحكمة” على الموعظة بالرغم من أنني لم ألبس في النص ثوب الحكيم، وأكره أن أقوم بهذا الدور، وإنما كل نص أدبي في نتائجه هو نص حكمي، مثلي، رمزي، خاصة إذا كانت العلاقات السلطوية، المعروف سلفًا في صالح من ستكون هذه العلاقات، هي المادة التي تبنى عليها الرواية، أي لا بد من موقف مبدئي أدافع عنه، حاولت التعبير عنه فنيًا ولغويًا بكل مشقة لئلا أسقط في عيوب “الخطابية”، والمهارة الفنية التي اكتسبتها بعد كل هذا العمر الروائي الطويل انتشلتني من خطر السقوط في هاوية الأسلوب الجاف، ولكن “روائية” أبناء السلطة أنفسهم ساعدتني الشيء الكثير، إنهم على بشاعتهم “أبطال تراجيديون” بأتم معنى الكلمة، يكفي أن يكون لك قلم ذكي يرسم سلوكهم، وينقل آلية صراعاتهم، لتجد نفسك في قلب الصراع الفلسطيني دون جهد، لذلك هم ينفون أنفسهم كشخصيات روائية عن طريق نفيهم لبعضهم وعن طريق نفي القضية لهم، فتتبدى كارثة الحالة الفلسطينية على حقيقتها، وبالتالي كل همومنا الإنسانية، أنا أربط هذه الهموم بالسلطة عندنا والسلطة عندهم، أي بحديها الوطني والقومي، لأن السلطة واحدة، وإن تعددت أشكال قمعها: المخملي فلسطينيًا والحديدي إسرائيليًا، وكذلك أركز على أشكال القمع السلطوي الذاتي فيما يخصني أنا، وكما جرى معي بالذات، والعام المخفي عن شعبنا.

* من تركيزك على هذه الأشكال هل يمكن لنا أن نطلق على النص صفة الرواية “المحاكمة” دون شهود (على الرغم من حضورهم الجماعي في النص وغيابهم الحقيقي في الواقع)؟؟

الرواية المحاكمة نعم في اللحظة التي يلعب شعبنا فيها دور القاضي، وهذا ما يجب عليه أن يفعله بعد كل هذا الهول الذي عرضت! لقد كنت الشاهد الحقيقي”الوحيد” تمامًا عندما يتخاذل الكتاب الفلسطينيون والعرب، الكتاب الأدوات أو الكتاب الجبناء. هذا وقد جعلت من المظلومين والبسطاء في الرواية حين سردت حكاياتهم المريرة طرفًا أساسيًا في المحاكمة وشهود عيان، لهذا على شعبنا أن يبدأ بمحاكمتهم اليوم قبل الغد، وهو سيحاكمهم إن عاجلاً أو آجلاً، في الوقت الذي ينفك فيه عنهم، وتزول سلطتهم الآيلة للسقوط (فضائح شخصية ومالية وسياسية وتسليم بالوطن واستسلام حتى العظم) وهذه طبيعة كل سلطة تسعى لتصبح صنمية بكل الوسائل، ولكنها تفشل، لسبب بسيط ألا وهو أن الفلسطيني يولد مسيسًا، أضف إلى ذلك، أن كل الظروف الحالية، أو ما يدعي بظروف السلام تسير ضدها، ليس كتابي فقط الذي ينهض ضدها. (….) مجزرة الحرم الإبراهيمي خير مثال! ومجزرة جنين، ومجزرة نابلس، ومحرقة غزة الأخيرة!

* هل تعتقد أنه يتعين على الكاتب كما “البطل” في النص أن يدفعا حياتهما وحريتهما ثمنًا لأجل البحث عن القيم الإنسانية في حين يظل ذلك متعارضًا مع حقيقة الحياة السائدة والمسيطرة التي نعيشها جميعًا؟

تقصد متعارضًا مع حقيقة حياة السلطة السائدة والمسيطرة لا الحياة بشكل عام التي تتواءم القيم الإنسانية معها ولا تتنافر. (…)

يقوم التعارض دائمًا بين الكاتب الحر والسلطة المستعبدة لأن هذا من طبيعة الأشياء وليس لأنه كاتب بطل، وأنا أعتبر نفسي كاتبًا حرًا بأتم معنى الكلمة، لأني “الوحيد” الذي أشهر كلماته على رقابهم كالسيف ولم يمض، فمعركتي ستستمر ما استمرت سلطة الاستعباد قائمة على رقابنا، خاصة بعد أن سقطت ورقة التوت (التي هي فلسطين) عن عورتها، واهترأ ثوبها الوطني (الوطنجي). لهذا شخصياتي مثلي، تلقي بنفسها في مهب الريح، تتعرض للموت، تنتحر أو تستعد للإجهاز عليها، ولهذا أيضًا لم أتردد لحظة واحدة عن اشتراكي معها بصفتي الشخصية في نص يقطع الطريق إلى الانتحار، يقطع طريق الانتحار بحثًا عن قيم لم ينحروها، كي أنقذها، وهذا قدر الكاتب الحر في عالم سلطوي خال من كل قيمة، أما أن أدعي بأني رسول الحرية مثلما قال أحد شعرائنا المعروفين، والمدللين، وفي الوقت آنه أربط نصي بزمن الأندلس، أقيده به خوفًا من سلطة أنتمي إليها ولا أجعله حرًا في زمن فلسطيني من أردأ الأزمان، أهرب، ولا أسمي الأشياء بمسمياتها، ألقي بنفسي في درع الاستعارة، وأبقى معلقًا بالحديد على بابها، فإني بالأحرى رسول العبودية، لأن الكاتب موقفٌ قبل أن يكون كاتبًا، والحرية فعل قبل أن تكون كلمة مفخمة (هل أقول مفخخة؟) في فم صغير يقدر على ابتلاع فيل الوطنية! (…)

أما إذا ما احتفظت بحريتي كاملة، وعرفت كيف أعبر عنها، كيف أدافع عنها، كيف أجعل من حريتي حرية لشعبي، فحياتي ستبقى مهددة، وبناتي سيبقين دون مستقبل يحميهن.

* هل تعمدت أن يأتي نصك “الأربعيني” في مسار بحث عميق لإدانة جحيم السلطة والنتائج الغير المتوقعة للتاريخ، على الأقل في الحالة الفلسطينية؟

إنها تجربتي الشخصية، مثلما سبق وقلت ، وليست أية تجربة شخصية، إنها تجربة شخصية مباشرة مع آلة السلطة التي تقضم بأسنانها القاطعة كل من يعترض طريقها، فكيف إذن سأتعمد؟ وهي تجربة الشعب الفلسطيني الذي فهم بعد كل تضحياته أن منظمة التحرير هي بالأحرى منظمة التعبيد والاستسلام والتسليم، وإذا كان هناك مسار لإدانة ما روائيا، فهو عند الكتابة مسار الدال والمدلول اللذين كانا في صراع مستمر نتائجه من نتائج حال الفلسطينيين في مرحلة معينة من تاريخهم غير متوقعة كما تقول بعد كل ذلك الصمود وكل تلك الآمال التي ضاعت سدى.

* عندما نكتب لا ندري ما سنكتب، لأن من العادة أن تأتي بما نكتب نتائج الكتابة؟؟؟

في حالة هذه الرواية مثّل السلطويون الفلسطينيون أحداثها وصنعوا وقائعها بشكل مذهل ومذل من أمامي، وأنا الذي فعلته نقلت هذه الوقائع وتلك الأحداث، لأنهم لم يتركوا أي شيء للصدفة، ولم يتركوا لي أية فرصة. لقد كان جحيمهم الذي اصطليت في ناره، لهذا بقدر ما كان نصي ضد -العادة بقدر ما كانوا هم ضد- التاريخ.

* هل يكتشف القارئ العادي للنص مأساوية الواقع الغامض للسلطة وفي نفس الوقت لا يمكنه أن يميز بين موقف الكاتب العملي في حياته وموقفه الفني عبر شخصياته التي يقدمها أو يتصورها؟؟

أنا لا أتوجه إلى أي قارئ “عادي”، أنا أتوجه إلى قارئ واع يفهم النص من سياقه، أما إذا أخذت جملة من هنا وأخرى من هناك وحكمت على الكاتب كان حكمك بإعدامه! وأعتقد أن عدم التمييز بين الموقفين في صالح النص، وإعلاء لفنيته، لأن نصي رواية أولا وقبل كل شيء، وليس مذكرات لزمن الترف وعن موج الماضي العتيد. لقد ادعى الذين تدينهم هذه الرواية ومن لف لفهم أن نصي شخصي، رد فعل لموقف عرفات مني، وهذا ادعاء سهل، للتهجم عليّ، وللتقليل من الأهمية الفنية للنص والنحت المدمي للأصابع في حجر الرواية. أضف إلى ذلك، أن عدم التمييز بين الموقف الشخصي والموقف الفني يجعل من مأساتي الخاصة مأساة عامة، تراجيديا بالمعنى الإغريقي، تراجيديا فلسطينية مفتوحة، غير مؤطرة الدلالة، ذات فضاء إنساني.

* تتداخل مواقف الكاتب مع مواقف الشخصيات فنتساءل موقف الكاتب أم موقف الشخصيات أم الموقف العام، هذا ما قصدنا، “بعدم التمييز بين المواقف”. تقول “هنيئًا لإسرائيل!” نعرف أن هذا ليس موقفك (أو موقف شخصياتك الوطنية) وفي نفس الوقت تندد بإسرائيل؟؟ من مع من؟؟!!

أهنئ العدو لأننا جعلناه ينجح في تحقيق مآربه ضدنا وأحلامه في بلدنا، وفي التهنئة مرارة كبيرة وغضب أكبر على سلطة تخدم العدو مباشرة أو غير مباشرة لغباء أو تواطؤ أو تآمر. أما أن أندد وفي الوقت آنه أهنئ، فالفعل الأول يلغي الثاني ويدخلني في ساح البراءة، لأن القصد الأدبي سياقي، والهدف المعنوي للنص لا يتحقق إلا بعد إنجاز القراءة، ومن ناحية أخرى، إن ما يدعى بالبطل في النص يقول ما يود قوله على الرغم من أنفي…، وإذا أردنا أن نحاسب أحدًا، فلنذهب ونحاسبه هو لا أنا.

* قلت في حوار سابق وإياك نشر في “كتابات معاصرة” العدد 14 صفحة 22: “عندما أكتب لا أقول الذي أود قوله ولكني أقول الذي تود أبطالي قوله”!؟

لأن أبطالي أحرار، السلطوي وغير السلطوي حر في نصي، لأن أبطالي أبناء زمنهم، ولأن كل ما يند عنهم من قول أو فعل مرتبط ببعضه، والسياق، الذي هو من أصعب مهام الروائي في تشكيل عمله إن لم يكن المهمة الأولى التي له، أذكى من الجميع.

* أعمالك الأخيرة (كتب وأسفار، تراجيديات، القمر الهاتك، موسى وجولييت، وأربعون يومًا بانتظار الرئيس) تشهد فيها على سقوط الحبكة الروائية التي سادت في الرواية العربية والتي تشكل حاليًا موضوعًا لمعظم الجدل القائم حول الأدب الروائي والقصصي. كيف ترى المسألة؟

أرى المسألة من زاوية رؤيتي للعالم المتفجر، وبالعودة إلى وعيي الحاد المدرك لا بد من تفجير الأشكال، واقتحام معاقل الاستعارة، وقلب الطاولة على رأس التشكيل، أقول “لا بد” مع وعي الإرادة التي تبقى تقنية، فإرادتي من إرادة العمل ذاته، ولو قلبنا الآية لوجدنا أن الأعمال التي لا تتمتع بصفة “نسف” الحبكة أعمال بعيدة عن الواقع “المنسوف”(…)، وطبعًا الأمور لا تتم بشكل ميكانيكي: هناك الوعي الحاد المدرك والمواضيع المزعجة المقلقة وكذلك الممارسة المرهقة والدراية.

* نعني “بسقوط الحبكة” أنه لا يوجد قانون لتقنين الرواية: أحداث، عقدة، حل. لا يوجد نسيج منسجم ولا تلتقي كقارئ بخط واحد من البداية إلى النهاية في عملك الأخير؟

بدأت “الأربعين يومًا” من النهاية، ثم اختلط لدي الماضي بالحاضر، قبل أن أبدأ بدايتي الحقيقية. وهذه البداية لا توحي بالبداية، لأنك في قلب الحدث مع الراوي، والحدث لا يعدك بشيء. إنه يضعك في أجواء ترهقك، وجملة هذه الأجواء المتنافرة وفي الوقت آنه المتماسكة هي الرواية. لهذا لم أرقم فصولي من واحد إلى أربعين يومًا، أولاً لأنها ليست يوميات، وثانيًا لأنني منجرف مع تيار الوعي أكثر من التيار الزمني المادي. لهذا أيضًا كان الصعود والهبوط بعد أن انفتح الزمان على الزمان والمكان على المكان (زمن المسيح أم زمن تونس، بيروت أم القدس أم تونس، وفي تونس الفندق أم شارع الحرية أم البحر)، فكانت محاولة الخروج من ركام الأشياء التي هي محاولة الكتابة ذاتها.

* لكننا نجد في النص لديك كراو ولدى الشخصية السلطوية أنكما تسيران وفق خطوط متباعدة من التطور وتتبنيان مواقع متعارضة. هل ابتكار “النمط” -كما أشار الشاعر علي الخليلي في قراءة له- استخلاص لنمطية ما للمجتمع السلطوي؟ أم رغبة في الانفلات من قواعد السلوك السلطوي وبالتالي النقيض التام للإرادة السلطوية؟

أخشى أن يفهم “النمط” على غرار مفهومه الخاطئ في الواقعية الاشتراكية، من طرف “كتاب” الواقعية الاشتراكية أنفسهم الذين جعلوا من التنميط ظاهرة خانقة، ومن طرف الذين وقفوا ضد النمط منذ البداية لتعصب أعمى، ودافعوا دون أن يدروا عن نمط مضاد.(….)

لهذا أقول ينهل هذا الطراز الجديد في الرواية العربية من واقع المجتمع العربي الحالي الذي هو مجتمع سلطوي بطريركي قمعي مجتمع كا”الإناء المهشم” – حسب تعبير شعري لإلياس لحود- فكيف يمكن أن تكون صورة هذا “الإناء المهشم” غير ما هي عليه؟ وكيف يمكن أن تكون الشخصية التي بصدد النزيف غير شخصية جريحة. هذا ومن طبيعة الأمور أن تكون إرادتها نقيضة للإرادة السلطوية ومناهضة لقواعد سلوكها. وأنا ككاتب أريد أن أنفلت أيضًا من هذه القواعد وإلا لماذا أكتب وما فائدة الكتابة؟ لهذا جاءت روايتي للتعبير عن مجتمع “الإناء المهشم”، وفي الوقت آنه لرسم قواعد سلوك إنسانية، ليس كنبي أو منظر، ولكن عن طريق فضح قواعد السلوك المهترئة ومطاردة الإنسانية الضائعة فيها.

* تقول في صفحة 81: هناك الانتفاضة مرحلة ما قبل الدولة مرحلة الموت، وهنا الدولة مرحلة ما بعد الانتفاضة مرحلة التسلق إلى المجد “… تلتقي هنا مع قول لأسطورة تشي غيفارا :”الثورة يزرعها حرّ، ويخوضها شجاع، ويقطف ثمارها جبان” وهذا ما نلمسه خلال مسيرة النص حول جحيم السلطة وعلاقاتها بالمثقفين ضد المثقفين والفاسدين والمتسلقين والمرتشين؟؟؟

لأن روايتي تعي أية سلطة هي، وهذا ما يختلف بيني وبين كاتب السلطة الذي لا يرى، ولا يريد أن يرى، ولا يمكنه أن يرى إلا جانبًا واحدًا منها زاوية وحيدة، زاوية انتفاعه الشخصي، وبالتالي انكشاف تواطئه الذي يفسره بالهيبة من أمام سلطة متفسخة لوثت كل القيم الخاصة بالممثل الشرعي والوحيد لكنه يصر على أن تبقى ممثلاً شرعيًا ووحيدًا مثلما ادعت معظم الصحف العربية القابضة أو الخاضعة التي لم تكتب كلمة واحدة عن كتابي؟!(…)

لهذا انعكس ازدواج الخطاب على نصي للكشف عن وجهين للسلطة -مختصر عملية التضليل- وعن وجهين للممارس عليهم تضليلها، فأتى الفعل السردي قبل وعي التضليل وبعده، هذا لا يعني أني تدخلت بشكل فوقي في شيء، وإنما كل شيء تم بإملاء من واقع ما نحن فيه من دمار سلطوي.

* لاحظنا أن هناك تعارضًا: الراوي قصده شيء والشخصية السلطوية قصدها شيء آخر!؟

أنا أسمي نفسي براوي التعارض، وليس بيني وبين الشخصية السلطوية فقط وإنما بين الشخصية السلطوية وشبيهتها، أو بينها وبين ذاتها، وفي أحسن الأحوال بينها وبين نقيضتها، حتى إن هذه النقيضة لا تسلم من التعارض، وإلا كيف تريدني أن أعبر عن إنسانيتها، أن ألتقطها، أن ألتقط إنسانيتها الضائعة وفي الوقت آنه ألتقطها كشخصية من الخراب؟

* من جانب آخر تلك العلاقات النمطية (إذا جاز لنا التعبير) التي تصرّ على أن تكون عن سابق تصميم عنيفة ومحتقرة للقواعد والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها نجدها تصبح قادرة على تحرير نفسها من محيطها لتعكس بدورها العالم الواقعي الذي تعيشه. كيف استطعت معالجة تلك “العلاقات” داخل النص؟ ما هي الصعوبات الفنية مثلا؟

السلطة تبرمج علاقاتها لجعلها نمطًا يخدم مصالحها، لهذا يجوز تسميتها، حسب مفهوم السائد والمسود، بالعلاقات النمطية. ومن هذه الناحية أنا لا أصر على أن تكون عنيفة، هي بطبيعتها عنيفة، ولا أصر على أن تكون محتقرة للقواعد والتقاليد المتعارف عليها، أي “المثالية” في المدينة الفاضلة، هي بطبيعتها محتقرة لها ولا تسعى إلا لإرساء قواعدها وتقاليدها الفاسدة. أما الصعوبات الفنية فهي تتلخص في موتي، الموت كاستعارة للكاتب الذي يشقى مع كل بنى علاقاته قبل أن تتحول سيميائيا إلى علامات.

* لكن أبناء السلطة يعلنون على المكشوف مواقفهم وفي نفس الوقت حقرتها بشكل ما عندما لم تترك لهم مجالاً للتبرير أو المراوغة أو الدفاع عن النفس!؟؟

لأن لا مجال للتبرير مع المجرم، ولا للمراوغة، إنه مجرم “على المكشوف”، أي منفضح أمره منذ البداية، فكيف أترك له فرصة الدفاع عن النفس؟ فقط البريء الذي جرت عليه تهمة باطلة يدافع عن نفسه ليدفع عنه ظلمًا وليثبت براءته. أما السلطويون عندنا فلن تجد واحدًا منهم بريئًا، البراءة ستجدها في الطرف المضاد، فيما أسميته بقواعد السلوك والتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها، ليست كل القواعد حتمًا ولا كل التقاليد، فهناك البائد منها وهناك المتجدد، ومن حركة التجديد وبها نصل إلى التحرير/ التحرر من محيط عفن ومتسلط. يكفي أن تضع الشخصيات في حالة من التعارض، فتنفي علاقة أو تثبت علاقة. وبخصوص الصعوبات الفنية التي اعترضتني أختصرها في تصوير أجواء الحالات: في حي القصبة مثلاً كان عليّ أن أبتكر أجواء مثالية أسطورية مهولة تجعل من شعب القصبة شعبًا للمسيح ينكره ويزيد من بؤسه لينهض من جحيم بؤسه وليغدو أهلاً لتعاليمه في الحب والعدل والسلام، الرواية لا تتعرض لهذا الشق من المسألة، فالمسيح الجميل بشع هنا وله تعاليم مناقضة، لكن الرواية توحي إلى حاجة العالم إلى التعاليم الإنسانية اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعملية الإيحاء وكل ما له علاقة بالإيماءات فيما يخص شخصيات الرواية وأحداثها أرهقتني إرهاقًا لم يسبق له مثيل مع روايات أخرى لي.

* ولكن كيف أمكن حل التعارض الجذري بين العالم الخاص لمخيلة الكاتب والنظام السلطوي المتعارض؟؟

أنا لم أحل التعارض بل عقدته. أولا لأنني لست التاريخ ولا الزمن، أنا جزء من تاريخ الكتابة الفلسطينية ومسافة من زمن الرواية العربية تسميها أنت مخيلة الكاتب، صحيح قمت بنفي النظام السلطوي كطقس من طقوس التخييل، وكان علي أن أضيف من عندي الشيء الكثير كي أجعله مهولا على هوله وبربريا على بربريته، إن ليالي المجون والجنون والسكر والعهر التي خَيَّلْت بها –أريد القول تخيلتها- كانت من أجل أن أقول الحل غير ممكن على الورق، الحل تاريخي، ولكني كروائي ارتقيت بالمخيلة إلى أقصى حد وبمتعة القراءة.

* هل تعتقد أن مهمة الكاتب جمالية أم تبشيرية؟

أنا أنفي تهمة التبشير ولا أنفي تهمة التنبؤ، ولإثبات هذه التهمة الجميلة عليك ككاتب أن تكون جميلاً. ليس أنت وإنما كتابتك التي تجري على أساس أن الجمالي في حالة نفي وإثبات دائمة للسياسي، فأنت لست من أتباع الفن للفن ولست من أتباع الكتابة المؤدلجة بالشعارات الفضفاضة. وبالقدر الذي تعنى فيه بأقدار الناس، وتحياها كما لو كانت أقدارك، تتنبأ، ترى المستقبل، وغالبا ما يكون ما تتنبأ به صائبا. ولتفسير مهمة الكاتب الجمالية أقول على جمال الواقع ودمامته أن يغدوا جمالا للغة.

* السؤال السابق يجعلنا نطرح سؤالاً آخر: هل مسؤولية الكتابة الأدبية أن تتجاذب الخطاب اليومي أم تتخلص منه؟

توظيف الخطاب اليومي في السياق الروائي مهمة أدبية ثورية. لأن السياق يفرض بساطة القول في حدث شديد التعقيد، بمعنى أن الخطاب اليومي في مكانه المناسب من السياق عليه أن يجري “تشذيبه”، وهذه مهمة صعبة للروائي، الشعر له أسهل بكثير. لقد جرت على لسان شخصيات واحد عظيم مثل بورخيس الكثير من التعبيرات الشعبية والتي لم تصل إلى مستوى “شطحاته” الشعرية. إذن يجب إخضاع اللغة لحاجات السرد من أجل الوصول بالخطاب بشكل عام إلى إيحاءات شعرية كبيرة، وأنت تتفق معي حتما حول أهمية هذه الرواية التي لا تتوقف فقط على موضوعها ولكن أيضا على مصادر المتعة الجمالية التي تزودها على غرار “كلاسيكيات” الأدب على العموم.

* هل السلطة لا تريد أن تغير ما تعارف عليه الناس، حتى على المستوى الإبداعي؟

لهذا قلت إنها مهمة ثورية بالرغم من أن كلمة “ثورية” ليست على الموضة اليوم، فأي خطاب خارج خطابهم هو شاذ غير صحيح وغير واقعي ومشكوك في أمره ويجب إلغاؤه أو إلغاء صاحبه جسديًا أو ماديًا بكل الوسائل والإمكانيات وما ملكت أيمانهم، وفيما يخصني أنا الإلغاء المادي حصل أما الإلغاء الجسدي فهو على الطريق. (…)

ذلك لأن الصراع يبدأ وينتهي بالخطاب، لكنهم (…) وسلطتهم (…)! أنظر هنا في الغرب، كل شيء يقال، ولأن كل شيء يقال السلطة قوية، “تطبق” الديمقراطية –الديمقراطية للنظام السياسي أيا كان بإمكانها أن تكون المضاجعة أو الجريمة أو مرحاضا في الحي اللاتيني أو باب الواد، المهم هو تطبيقها، الدكتاتوريون العرب كلهم يقولون عن أنفسهم كهتلر ديمقراطيين- والمحك الفعلي هو الفعل السياسي الذي يسير معًا والخطاب السياسي، فيزداد النظام الغربي قوة، يقولون النظام الجمهوري، وتزداد السلطة التي تحكم بقيادة هذا الحزب أو ذاك قوة إذا ما أخذت بعين الاعتبار بالمطالب الشعبية حتى وإن جعلت من حرية التعبير وحرية الرأي شعارًا ديماغوجيًا للديمقراطية ولذر الرماد في العيون، ومن هذه الناحية فقط تحاول سلطتنا استغلال كتابي لصالحها. لهذا كي تبقى السلطة في الغرب شعبية عليها أن تعدل من خطابها وفعلها أو العكس بالعكس ليتماشى مع موعد الانتخابات القادمة التي ستبقيها أو ترميها في الحضيض، هذا الموعد “التاريخي” الذي فوتته كل الشعوب العربية عبر تاريخها للأسف!

* مما سبق هل كان النص لديك معنيًا بالتركيز على معنى ومسيرة التاريخ في حالة “مجتمع منفي” بطور التغير وتقديم “وجهات نظر” شخصية وسط متاهات سياسية غامضة في عمل أدبي؟

كان نصي معنيًا أكثر بالتركيز على اللامعنى في التاريخ وعلى ضد مساره الذي هو مسار السلطة. الثورات الفلسطينية كلها منذ إضراب الستة شهور إلى اليوم والحروب العربية الإسرائيلية كلها لم تؤد إلى شيء آخر غير تأزيم الوضع الفلسطيني وانتزاع الفاجع الفلسطيني من معناه، التاريخ الفلسطيني هو التاريخ بلا معنى والفاجع الفلسطيني هو الفاجع بلا معنى، نحن هنا في قلب سيميائية العبث الفلسطيني الذي أبدا لن يكون كونيا بالمفهوم السائد اليوم، إنه عبث ضد كوني، ضد تاريخي، ضد زمني، وهذه كلها صفات للسلطة، فهو عبثها وتاريخها وزمنها. ومن يتكلم عن العصافير من شعرائنا الكبار الأشاوس ليقدم للغرب شعرا كونيا لم يفهم شيئا من الفاجع الفلسطيني الذي هو فلسطيني خالص فريد في العالم، وفرادته أو كونيته لأنه فريد في العالم، المجرة في السماء مجرة أولا ثم هي كونية، جزء من الكون، وحذار من نقل الفولكلور الفلسطيني لنقول هذا هو أدبنا الكوني، الفولكلور متاهة من المتاهات السياسية التي تتكلم عنها، أم سعد كنفاني بعد ثلاثين سنة من كتابتها هي من هذا النوع الذي تجاوزه الفاجع الفلسطيني والتاريخ الفلسطيني بعد أن فقدا معناهما.

* ثمة محاولة داخل النص لاستخدام لغة فردية كي تعوض الكاتب عن انتمائه إلى مجتمع سلطوي مضطرب حين لم يعد بمقدوره تصوير ونقد “بطانة” منظمة هرميًا ومتمركزة حول السلطة، لذلك هل توجّب عليك ابتكار نوع خاص من اللغة يتعذر السيطرة عليها فنيًا؟ واضطرك ذلك إلى حالة تخاصم لدرجة العداء، فكانت اللغة صريحة، وبناء على ذلك كنت معنيًا بتبني أسلوب بلاغي لكسر قيود الموقف الاجتماعي والسياسي الذاتي والموضوعي للتعبير عن الوقائع النفسية والسياسية اليومية الجديدة؟

ابتكار اللغة الجديدة همّ فني أصطدم به عند كتابة كل رواية جديدة، لكن المشقة هنا كانت مضاعفة، فالسلطة جعلت من العالم ماخورًا، وبالتالي هل تستحي اللغة في بيت دعارة؟ لهذا كانت لغتي -التي هي لغة السلطة- “صريحة” مثلما تقول، لغة السلطة واللغة الوحيدة التي تفهمها في آن. و”التخاصم اللغوي” الذي تعنيه هو تخاصم في المواقف وعلى المواقع، لأن ما تدعوه باللغة الصريحة ليست لغتي الخاصة، أنا في الواقع أستحي حتى من خيالي، لكنها كانت الطريقة الوحيدة للتعبير عن واقع، لكسر قيوده، لتحطيم هذه القيود عن طريق لغة أقوى من أسياد العالم، لأن لجوئي إلى” لغة الانحطاط ” التي هي لغتهم ما هو سوى وسيلة لتجاوز الانحطاط. أضف إلى ذلك إن اللغة الشعرية والصورة النثرية والخيالية قد رافقت ما تدعوه باللغة “الصريحة” لتطلقها من عقالها، ولتزود النص بلغة تبلغ بالقارئ “غير الطاهر” إلى أقصى درجات المتعة.

* لم توضح استخدام اللغة الفردية. لقد جاء الشكل الروائي الجديد عندك مقابل نوع خاص من اللغة، مقابل حيز لغوي تحكي فيه عن بعض الوقائع التي حصلت معك (ذهبت وأتيت والتقيت) والتي تحصل مع أي شخص وكل الذين ذهبوا إلى السلطة وقعوا فيها؟؟

لأن اللغة الفردية في النص ليست منغلقة على ذاتها، إنها تستمد قوتها من شدة الصدمات. أنا لا أتكلم عن تفاهات الأنا، وإنما أطرح معضلات الأنا محورُها، والسعي إلى سحق الفردية غايتها، فالفردية لديّ تعادل الإنسانية بمعناها العريض. لهذا كان استخدامي للغة الفردية حفظًا للإنسانية في عالم شوهته لغة وأدوات النحن السلطوية.

* النص في جانب منه يؤدي إلى انطباع مفاده أن كافة الشخصيات السُلطوية أو ما تدعوه “بالنحن السلطوية” مثل أبورهم والشويعر الدحبوري صخر البسّ أبو مسامكة اليونيسكاوي صوصنا العام حورية البحر الميت الصحافية المقدسية عباس أبو فضيح إلى آخره تتحرك ضمن دوائرها المغلقة حيث كلما تحركت داخل إطارها السلطوي زاد تمركزها حول الذات مقنعة نفسها (أو هكذا أردت) بمنطق أنه لن يكون لها وجود إذا غابت عن الأنظار؟؟!!

النحن السلطوية عبارة عن مجموعة من الأنا الأنانية اللئيمة، هنا أيضًا أستعمل لغة فردية لكنها لغة مقيتة لأنها لغة التسلط والحقد و” الجهل” الذكي و”البشاعة” الجميلة، وبدلاً من أن تنغلق على ذاتها في الوضع البديل لتحمي ذاتها وتكون منطلقًا تجعل من ذاتها مركزًا لتستبد أكثر ولتعلو على الجميع، لهذا السبب هي موجودة في كل مكان، وفي الوقت آنه تخشى أن يسقط المكان على دماغها. ولهذا هي في صراع مع منافسيها في السلطة على السلطة وفي الوقت آنه لا تترك مجالاً لأحد دون غيرها وغير” شلتها”  وزمرتها أن يتسلل إليها: كل شيء لهم، وكل من ليس معهم فهو عليهم وضدهم.؟؟!!(…)

وأن يتسلل إلى” شلتها” أحد من خارج السلطة (أنا مثلاً) ومن داخل السلطة (أبو الطيب الذكر، غازي القلوب، عبد العزيز شرف فلسطين… الخ) هذه الشخصيات “الإيجابية” تعاني من حالة التهميش والعزلة، فتستدير نحو وعيها الخاص وعالمها الثقافي.

* ألا يكرس ذلك انفصام حياة المجتمع وحياة مجتمع السلطة عن حياة الثقافة والمنتسبين إليها؟

الانفصام حاصل بين السلطة والمتمرد على السلطة من خارجها فقط، أما المهمشون الذين هم في حضنها، فيعيشون مأساة سقوطها عيش المصاب بالسرطان المنتظر للموت (ملخص شخصية أبي الطيب الذكر)… هذه هي مأساة السلطة وآخر مرحلة من مراحلها قبل السقوط.

* تنقل مواقف هؤلاء الناس في وقائع وأحداث كأنها حدثت معك حقيقة. كيف استطعت إلى حد ما تحويل لغة الموقف الذاتي إلى موقف اجتماعي عام في حين إن النص مكتوب من داخل الموقف الذي تقدمه مباشرة، فالناس والشخصيات الإيجابية والسلبية والأشياء هي كما هي عليه؟

وقائع وأحداث حدثت معي حقيقة بعد أن مضت بعملية جمالية، فهي حدثت معي، ولكن ليس كما جرى سردها، لهذا، المرور بحالة تحويل روائي هي التي حولت لغة الموقف الذاتي إلى موقف اجتماعي عام، إلى جانب إن المضامين التي كانت  اللغة الفردية وسيلتها هي مضامين اجتماعية عامة ما عليك سوى أن تغترف منها ما شئت، وهذا ما فعلته أنا. إن شخصية ضابط حرب بيروت الذي كان بطلاً من أبطال الحصار تجده مريضًا في تونس لا أحد يسأل عنه، وهو لا ينقل معه واقعه المر الجديد في تونس فقط وإنما كل بيروت. ومن ناحية أخرى، هذه الشخصية المأساوية المعذبة الممزقة كانت مقدمة لما يحصل اليوم ولم تقله الرواية في زمنها عن عشرات الكفاءات التي تم تهجيرها بخمسمائة دولار وتذكرة بدون عودة إلى القطب الشمالي تحت ذريعة أن منّ وسلوى البترودولار قد توقفا! أولئك الذين ضحوا بالغالي والرخيص وسال دمهم نهرًا في الأرض المحتلة ولبنان والمعتقلات العربية والإسرائيلية. أما لغيرهم من المتسلقين، فلم يتوقف شيء بل هم ازدادوا تدليلاً. هذا ما تحكي عنه الرواية، ولهذا هي رواية كل الناس، وإن تكلمت بلغة فردية. إنها لغة الفرد في المعمعة! لغة الراوي الواعية! تدخل ضمائر الناس، وتعبر عن مصائرهم، وإن كان الطريق إلى المستقبل مسدودًا!

* القارئ للنص “الأربعيني” ينساق مع سلسلة من الوقائع والأحداث، فتظهر في تواريخ ثابتة، وتشير للدورة التأريخية المنتظمة للمعمعة السياسية الجارية خلف الكواليس. هل تقتضي نهاية كل واقعة من اليوميات الأربعينية انتصار خير متخيل على شر مقابل؟

ليس على مثل هذه الميكانيكية. لأن كل نهايات الوقائع في النص تراجيدية، والخير المتخيل على علاقة بخيال القارئ أكثر بعد أن أبرز الراوي كل الشر، إذ بعد كل هذا البؤس، كل هذا التدمير، كل هذا الظلام، لا بد أن تبزغ الشمس العاصية، ولكن هذا من شأن القارئ وليس من شأني. وأود أن أعلمك أنه لا توجد في النص تواريخ ثابتة، النص ليس نص يوميات، ليس نص مذكرات مدرسية، إنه نص ناف للثابت، إنه نص متحرك، حركته حركة التدمير المبرمج.

* نقصد بالملاحظة الأخيرة أن النص يجري التعبير من خلاله عن عجز الإنسان المصيري إزاء بلوغه درجة تحقيق إنسانيته التامة في مجتمع سلطوي ينكر عليه إنسانيته قبل وطنيته! يشك في أمره! يستكثر عليه الإنسانية ليعطيه حق الوطنية! يثبته في الأرض كحجر شطرنج! مقابل حريته الوحيدة، حرية هذا المجتمع السلطوي مقابل استعباد كل المجتمع! كيف عالجت هذه المسألة؟

لاحظ أن العدو استطاع أن ينقل كل شيء ليلقيه في عقر دارنا! ومع ذلك، فالنص لم ينس العدو أبدًا بحضور الانتفاضة في تونس عن طريق الأسلوب السحري وبساط الريح. ولكننا في صدد الحديث عن سلطة فلسطينية قامعة مثل أية سلطة ليست عادلة، ومعالجتي للمسألة تبدأ من هنا، من عدم العدل وكل مشتقاته (قمع الإنسان ولكن أيضًا قمع القضية عن طريق الخيانات والتنازلات والبيع بالجملة للفاسدين والمرتشين) وأنا ككاتب كان بحثي عن أسباب عجز الإنسان الذي له غاية مزدوجة: رفع العجز عنه عن طريق الكشف عن الأسباب ولكن الأهم فضح مسببها، أي السلطة، للوصول إلى “أنسنة” مؤسساتها. إن أنسنة السلطة مهمة من مهمات المنتفض في الحالة الفلسطينية كي يغدو حرًا، مهمة تسير معًا ومهمة التحرير وإلا صار التحرير غير ممكن. كلنا نعاني من السلطة الغاشمة، ونسعى إلى تحقيق العدالة المفقودة عن طريق السلطة العادلة، السلطة التي هي بالفعل إنسانية ديمقراطية من روح الشعب وإليه وليس بالشعارات فقط. أنا لست عمر بن عبد العزيز المعاصر، ولكني أناضل بكلمتي الحرة في سبيله.

* من هذه الناحية، ناحية “العصرنة” التاريخية، نسأل هل نصك سرد قصصي تاريخي ملتزم بالبحث عن نقيض للتاريخ، ومرتبط بمغامرات الشخصيات الباحثة عن نظام متناسق يكمن داخل الماضي واقعيًا، خاصة وأن النص ألزم في معظم الحالات بخلق “نهايات سيئة فاجعة وفاضحة”؟

أنا لا أبحث عن نقيض للتاريخ بل في نقيض التاريخ!

الرواية تعالج النقيض التاريخي فيما يمارسونه، موقفهم من الآخر (الفلسطيني لا الإسرائيلي) نقول الآخر الفلسطيني لأن السلطة في وضع مغترب تنفي كل شيء لا ترى فيه صورتها بما في ذلك أبناء جلدتها. إنني أعالج إذن موقف السلطوي الفلسطيني المضاد للآخر الفلسطيني مثلما رأينا، وموقف الآخر منه، مما هو غير طبيعي عنده، من كل ما له علاقة بنقيض التاريخ. في صفحة 138 مثلاً يقول الراوي “أخذت أستنشق هواء القصبة الرطب المسبب للسل بكل قوتي”، لاحظ إنه مسبب للسل، ومع ذلك يستنشقه بكل قوته، هذا نقيض للإنساني، لكن الرطوبة المسببة للسل نقيض للتاريخ: ليس من اللازم أن تكون هناك أسباب للسل، يجب أن تكون هناك حدائق، هذا هو نقيض التاريخ. كذلك ما يفعله الجنود في نفس الصفحة عندما “راحوا في جذب جثث الناس والكلاب إلى ثقوب يسكنونها وهم يتصارعون فيما بينهم على هذه الجثة السمينة أو تلك”، هذا هو نقيض التاريخ. في صفحة 103 نرى الكتاب العرب وهم في أضواء حمراء جهنمية، هذا هو نقيض التاريخ. وفي صفحة 81 نقرأ عن “ثوار” تونس الذين ينتظرون توقيع الرئيس لغرض أو مصلحة، “كان كل واحد يقبع من وراء مكتبه عين على الباب وعين على الهاتف وبين يديه وقدميه أوراق قضية القضايا القائمة واللاحقة وملفات البشر، يدعكها أو يهوي بها أو يرفعها أو ينقعها” هذا هو نقيض التاريخ. (…)

وتحت هذا التفسير يمكن أن أدعو الرواية برواية “النقيض للتاريخ”، فأنت تلتقي بذات الأمثلة من أول صفحة إلى آخر صفحة. هناك سرد قصصي ضد –تاريخي، وبالتالي ضد- قصصي، ضد- اتباعي شكلاً ومضمونا للوصول إلى شكل أدبي جديد ومضمون تاريخي لا بد أن يكون جديدًا أيضًا لأنه نقيض للنقيض القائم. لهذا لم يُلزم النص بخلق النهايات الفاجعة الفاضحة، فهو الفاجع عينه والفاضح عينه، طالما بقي النص يُعنى بكل ما هو ضد- تاريخي: الفاجع ضد- تاريخي، والفاضح ضد- تاريخي، والنص ينهل من هذا وذاك.

* النص “أُلزم” نقصد مثلما يقال عاميًا “ما فيه يكون غير الذي كان”! يمكن أن يكون هناك افتعال للوقائع والأحداث، الوقائع هي التي “ألزمت” النص أن يكون بهذا الشكل وليس الكاتب؟

إذا أردت! حتى أنا كنت لا تاريخيًا، تسيرني الوقائع على هواها اللئيم كالشراع الممزق، أنا أيضًا ضد- تاريخي…

باريس 11/7/1991

ملحوظة للقارئ: لقد تم تحميل رواية “أربعون يوما بانتظار الرئيس” في جريدة باريس القدس الإلكترونية:

www.parisjerusalemonline.net

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s