ثوابتنا ولاءاتهم //د / لطفي زغلول – نابلس

ثوابتنا ولاءاتهم

د / لطفي زغلول – نابلس

www.lutfi-zaghlul.com

الخطاب الذي أدلى به مؤخرا رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في جامعة بار إيلان ، يمكن القول بأنه لم يأت بجديد في مجمل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ، وانما هو استمرار لمجمل سياسات  الحكومات الاسرائيلية التي سبقته أيا كان لون طيفها السياسي  .

وما نبرة تفاؤله ، وإيهام العالم التي لوّن بها كلمات خطابه الا قناع أو جدار فصل آخر يريد أن يحجب وراءه كل الأعمال العدوانية التي دأبت قواته على اقترافها ، والتي امتهنتها في الاراضي الفلسطينية سواء في الضفة القطاع وأخيرها وليس آخرها الحرب المدمرة على قطاع غزة ، والتي رصد لها حشد كبير من العسكر والآليات ، وهي تصب في خانة تلك العمليات التي قلصت مساحة العمران الفلسطيني في القطاع جراء االتدمير المريع ، اضافة الى كونها أوقعت أفدح الخسائر في الارواح البشرية .

لقد تحدث نتنياهو في خطابه هذا عن خطين سياسيين ، توهم هو نفسه أنهما يتقاطعان ولا يتعارضان . الخط الأول ويتمثل بنبرة التفاؤل في أن هناك فرصة تاريخية لحل دائم للصراع الفلسطيني الاسرائيلي تلوح في العام 2009 ، متمثلا بما سماه السلام الإقتصادي ، مستطردا بسماحه بقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح ، تتحكم هي بأجوائها ومياهها ومعابرها الحدودية ، وكل ذلك شريطة اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة أسرائيل .

وأما الخط الثاني فيتمثل بسرده اللاءات الثلاث الموروثة عن كل السياسات الاسرائيلية السابقة بخصوص القضية الفلسطينية والتي تشكل التحدي المضاد لثوابتها . وتذكيرا فهي ” لا لتقسيم القدس / لا للعودة الى حدود العام 1967 وتفكيك المستوطنات ، وتوسيع القائم منها على ما أسماه النمو الطبيعي / لا لحق العودة .

وهكذا وبكل بساطة جعل نتنياهو هذين الخطين يتقاطعان ، وتوهم أن حلا سحريا سيهبط على المنطقة . وهو بهذا ظن أنه الوحيد في المعترك يخطط ما يشاء ، ويقرر ما يشاء ، ويفرض ما يشاء . وقد تناسى عامدا متعمدا أن هناك طرفا ثانيا في الصراع هو الطرف الرئيس ، والذي في يده مفاتيح الحل النهائي . انه الشعب الفلسطيني الذي بدون رضاه وقبوله لا يمكن أن تكون هناك أية تسوية للصراع مهما كانت .

إن هذا الطرف الذي تجاهله نتنياهو كعادته ، اسوة بكل السياسات الاسرائيلية السابقة هو الشعب الفلسطيني صاحب القضية والارض ، وصاحب الثوابت التاريخية التي حصنها بقرارات الشرعية الدولية بدءا بالقرار 194 ومرورا بالقرارين 242 ، 338  وانتهاء بالعديد من القرارات التي أنصفت الشعب الفلسطيني والتي شاءت السياسات الاميركية أن لا يكون لها توظيف وتفعيل على أرض الواقع .

الا أن نتنياهو هذه المرة يتحدث وقد أضاف الى مقومات حديثه تلك التوأمة الروحية القائمة على الانحياز الاميركي المطلق للسياسة الاسرائيلية ، وبخاصة في عهد الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن الذي أعطى وعوده للجنرال لشارون في حينه بالغاء حق العودة ، والابقاء على القدس عاصمة للدولة العبرية ، وشرعنة احتلال أراضي الفلسطينيين وعدم اخلاء المستوطنات وتفكيكها .

وعلى ما يبدو فإن هذه التوأمة ما تزال قائمة في عهد الرئيس الحالي باراك أوباما ، إلا أنه ذرا للرماد في العيون ، فقد غلفت سياسته بما يسمى ضغوطا على إسرائيل بشأن تجميد بناء المستوطنات الجديدة ، أو توسيع القائم منها .

الا أن الاغرب من هذا وذاك ، وتحت ظلال هذه الوعود وهذه السياسات الاسرائيلية التي يجترها نتنياهو ، وهذه العمليات العسكرية القائمة على الاجتياحات والإقتحامات المستدامة للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ، وما ينجم عنها من اعتقالات واغتيالات وتكريس للحواجز التي تقطع أوصال الوطن الفلسطيني . والأخطر من ذلك تلك الإخطارات بهدم منازل الفلسطينيين في القدس ، والتشريد لأهلها الشرعيين .

والأغرب من هذا هو الحديث عن ما يسمى بحل الدولتين على لسان المسؤولين الاميركيين والأوروبيين ، ولا يعلم إلا الله متى سيكون هذا الحل هذا إذا ما كتب له أن يكون ، في حين أن الاسرائيليين لا يذكرونه في أجنداتهم السياسية بأي شكل من الأشكال ، ويتجاهلونه كونهم لا يؤمنون به ، وعلى الأغلب أنهم لا يعترفون به . أو بصحيح العبارة  وأدقها أن الدولة التي تحدث عنها نتنياهو في خطابه لا تحمل في طياتها أيا من عناصر السيادة التي يصر عليها الفلسطينيون ، ولا حتى أي عنصرمن عناصر الدول الحقيقية .

ان السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هنا : على أي اساس توهم نتنياهو في خطابه أن مقترحاته هذه تحمل في طياتها أية بادرة سانحة لحل دائم ؟ . وهل يتصور أن الفلسطينيين في هذا العام هم غيرهم في الاعوام التي سبقته ؟ . أم أنه يتخيل أنهم سوف يتخلون عن ثوابت قضيتهم تحت ضغوط هذه اللاءات الثلاث التي ورثها عن السياسات الاسرائيلية منذ العام 1948 حتى هذه الايام ؟ .

ان باستطاعة نتنياهو والساسة الاسرائيليين الذين سبقوه أن يتخيلوا وأن يتصوروا وأن يتوهموا ما يشاؤون في أي مجال من المجالات السياسية باستثناء مجال واحد هو الثوابت الفلسطينية التاريخية الخاصة بقضيتهم المشروعة التي عانوا طيلة القرن الماضي على شرفها ما عانوه ، وضحوا في مذبحها بالغالي والنفيس ، وما زالوا يعانون ويضحون في سنوات القرن الحالي .

واستكمالا وفي ذات السياق ، فإننا نذكر هنا بالإستحقاقات التي لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف أن يتخلى الفلسطينيون عنها ، بعدما قدموا أقصى ما يمكن أن يقدموه وتنازلوا تنازلات قاسية ومريرة وقبلوا بمبدأ الدولتين على الأرض الفلسطينية التاريخية .

إن أولى هذه الإستحقاقات تتمثل في إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ، وما ترتب عليه من مصادرة الأراضي الفلسطينية ، وزرع المستوطنات عليها ، وإلغاء كل الحواجز الأمنية التي شكلت ولا تزال أخطر معاناة للشعب الفلسطيني ، وهدم جدار الفصل العنصري ، وتحرير الأراضي الفلسطينية التي صادرها .

وهنا فإن الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات لا يمكن أن ينسى أسراه في سجون الإعتقال الإسرائيلية . إن تحرير هؤلاء الأسرى يتصدر قائمة الإستحقاقات والثوابت التي لا تقبل المس بها أو اللإنتقاص منها . وعندها فإن الحديث عن دولة فلسطينية عاصمتها القدس كاملة السيادة غير منقوصتها يصبح له معنى . ولكن قبل هذا وذاك ينبغي أن يكفل حق العودة والتعويض من قبل الأمم المتحدة .

أما اذا كانت الحكومة الاسرائيلية أيا كانت تركيبتها ، وكذلك الاميركان والاوروبيون يعتقدون أن أي حل لا يقوم أساسا على إنهاء الإحتلال وكل عناصره ومركباته المأساوية في كل الاراضي الفلسطينية المحتلة هو انجاز كبير يفترض الوقوف عنده ، فثمة خطأ فادح وخطيئة كبرى وانحراف مقصود عن كل مشروعات السلام .

قد يكون العام 2009عام انفراج نسبي وقد لا يكون . وعلى فرض ان هذا الانفراج قد يتحقق ، فهذا لا يعني بأي شكل من الاشكال قبول الفلسطينيين باللاءات الاسرائيلية والتنازل عن ثوابتهم . ان مفاوضات الحل النهائي لم تعلن بعد . ولكي تكتسب هذه المفاوضات المصداقية والموضوعية والمشروعية فلا بد وأن تجري تحت سقف مؤتمر دولي للسلام تشارك فيه أطراف دولية وعربية الى جانب طرفي الصراع الاساسيين تحت رعاية الأمم المتحدة وضمانها .

في اعتقادنا أن هذا المؤتمر هو خير ضمان لأية تسوية يفترض أن تكون عادلة وشاملة ودائمة . أما أن ينفرد الاسرائيليون والاميركيون بفرض رؤاهم وتوجهاتهم فهذا لا يعني الا اصرارا على ابقاء الاوضاع على ما هي عليه ، دون السعي الحثيث الى ايجاد حل لهذا الصراع الذي طال أمده .

كلمة أخيرة . ان استباق مفاوضات الحل النهائي بهذه اللاءات التي يرفضها الفلسطينيون قيادة وشارعا سياسيا ، ما هي الا امتداد لسياسات اسرائيلية ظلت على جمودها طوال ستة عقود من الصراع . وهي في ابسط معانيها عقبة كأداء في وجه أية عملية سياسية محتملة ، وتؤكد أن الحديث عن فرصة تاريخية للسلام في العام 2009 ، أو حتى في السنوات القادمة هو سابق لأوانه وضرب من الخداع السياسي .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s