الرحمة الواسعة المفتوحة.. لا مُمْسكَ لها..//رابحة عيسى الزيرة

الرحمة الواسعة المفتوحة.. لا مُمْسكَ لها..

(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ..)
يقول الإمام أحمد بن حنبل: “كنت أسير في طريقي، فإذا بقاطع طريق يسرق الناس، وبعدها بأيام رأيت نفس الشخص يصلّي في المسجد، فذهبت إليه وقلت: هذه المعاملة لا تليق بالمولى تبارك وتعالى، ولن يقبل الله منك هذه الصلاة وتلك أعمالك، فقال السارق: يا إمام، بيني وبين الله أبواب كثيرة مغلقة، فأحببت أن أترك باباً واحداً مفتوحاً … وبعدها بأشهر قليلة ذهبت لأداء فريضة الحج، وفي أثناء طوافي رأيت رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة يتوب من معاصيه ويعد الله بعدم العودة إليها، فتأملت هذا الأوّاه المنيب الذي يناجي ربّه، فوجدتُه لصّ الأمس، فقلت في نفسي: ترك باباً مفتوحاً ففتح الله له كلّ الأبواب”.

عندما نحاول أن نصوّر “الله” للآخرين بحسب اعتقاداتنا المغلوطة، وثقافتنا الضيّقة، وتجاربنا القاصرة، فإننا بذلك نرسم صورة مشوّهة عن “الله” لدى الخلق بعد تحجيمه – سبحانه – بمستوى عقولنا البشرية، وحساباتنا المادّية، ومعاييرنا الظاهر-دينيّة، فنَتوه ونُتوّه، ونُسيء إلى جمال عزّته، ونوصد أبواب رحمته، في حين أنه يتعامل مع عياله بما “هو” لا بالصورة التي تشكّلت في أذهاننا، فتعاملْنا مع سرّ أسرار الوجود.. بمحض مادّيتنا البشريّة، وأطّرنا علاقتنا الروحية بأطر دنيّة، ونسينا أنّ الله كما تصفه -مُقربةً للأذهان- بعضُ الروايات: “يبسط كفّه في الليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط كفّه في النهار ليتوب مُسيء الليل”.

وقد كان رسول الله (ص) مصداقاً للرحمة الإلهية، فقد آمن كثيرٌ من المشركين بالله بعدما لمسوا جمال خُلقه (ص) معهم، فأسلم الأسير اليهودي السخي عندما أعلمه (ص) بأنّ الله أوحى إليه أن يعفو عنه لأنّ الله يحبّ خصلة سخائه، وأحبّ الصلاة وانتظم على أدائها ذاك الشاب الحديث العهد بالإسلام الذي طلب من رسول الله (ص) إعفاءه من الصلوات الخمس لأنه لا يطيق الالتزام إلاّ بصلاة واحدة فقبل منه، واطمأنّ قلبُ المؤمن الذي هرع إلى رسول الله (ص) يشكو غزو إبليس الخبيث لذهنه بالتساؤلات: مَن خَلَق الله؟ ليزلزل إيمانه، فأخبره (ص) أنّ هذا هو محض الإيمان، وغي رها الكثير…

فوجئت برسم بياني على أحد المواقع الالكترونية المعادية للأديان، يحاول إثبات أنّ عدد الذين سيدخلون الجنة حسب عقيدة المسلمين لا يزيد عن واحد في المائة من سكّان العالم، مستشهداً بحديث ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة أنّ النبي (ص) قال: “أوّل من يُدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعْث جهنّم من ذريتك، فيقول: ياربّ، كم أُخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين، فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كلّ مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى منّا؟ قال: إنّ أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود”، ليتمّ الطعن بعرض مثل هذه الروايات المنسوبة بسعة رحمة الله وعدالته!

لقد نُسب إلى حبيبنا المصطفى(ص) عددٌ هائل من الأحاديث، ولكن بعد تطبيق آلية الجرح والتعديل لفرزها لم يُقبل منها إلا نسبة قليلة، فقد جمع الإمام مالك في الموطأ تسعمائة حديث تقريباً انتقاهم من مئة ألف حديث، وجمع الإمام أحمد في مسنده قريباً من ثلاثين ألف حديث اختارهم من سبعمائة وخمسين ألف، واختار البخاري في صحيحه ثلاثة آلاف حديث من ستمائة ألف تقريباً، وانتقى مسلم في صحيحه أربعة آلاف من مجموع ثلاثمائة ألف حديث!! ورغم ما بُذلت من جهود للتحقّق من صحّة النصوص النبوية الشريفة، إلاّ أن تلك الجهود لم تؤدِّ بعد إلى غربلة التراث بصورة صحيحة ومؤكّدة لتعيد للدين يسره وللمتدينين سماحتهم.

يحكى أنّ أحد العرفاء فرّ من بطش السلطان فلجأ إلى البرّية يبحث عن مأوى، فالتقى براعٍ فرجاه أن يمضي الليل عنده، فاستضافه الراعي مسروراً، وعند المساء أخذ الراعي إناء وملأه باللبن، وسار بعيداً حتى غاب عن الأنظار، ثم عاد بعد فترة من دون الإناء، وجلس يسامر ضيفه، فسأله عما فعل، فأجاب: “إني أقدّم لله يومياً إناء مملوءً باللبن لأشكر له ما أنعم به عليّ طوال النهار، فضلاً عن حمايته لي أثناء الليل، وهو يقبل مني هذه الهدية، لأني أجد الإناء فارغاً كل صباح”، فتعجب الضيف من هذا الكلام، وأخبر الراعي بأنّ الله ليس بشراً يأكل ويشرب مثله، وأنّ الاعتقاد بالله على هذا النحو ليس صحيحاً .. ولكي يؤكد صحة كلامه طلب من الراعي أن يقوده إلى حيث وضع الإناء، فذهبا إلى المكان واختبآ خلف صخرة، وبعد برهة، أقبل ذئب وشرب اللبن، فعاد الراعي حزيناً، والضيف فرحاً لأنه قوّم إيمان هذا العبد، فأوحى الله إليه: ماذا فعلت بعبدي، ومن قال أني غير راضٍ عن الطريقة التي يعبّر فيها الراعي عن شكره لي؟!
رحمة الله يا إخوتي أوسع من ضيق عقولنا، وحتماً هي أوسع من ضيق صدورنا.. (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا)..

رابحة عيسى الزيرة
Rabha.alzeera@gmail.com

جمعية التجديد الثقافية

Advertisements

فكرة واحدة على ”الرحمة الواسعة المفتوحة.. لا مُمْسكَ لها..//رابحة عيسى الزيرة

  1. لاخوة // جريدة مصــــــــــــــر الحــــــــــــــــرة

    نحييكم ، ونشد على أياديكم ،لنشركم حــــــوار ي والروائي الفلسطيني أفــنان القاسم وما غايتنا الاتوريط عشاق الثقافة في بحورها العميقة والصافية ، في مواجهة الباحثين عن الجوائز الذهبية والكرتونية وشهادات تقدير الزيف والتضليل !!
    من محبي الصرعات في فن التغرب كما التغريب والاستلاب لدى ثقافات بنت فضاءاتها على تشويه ثقافات الآخر بل واستئصالها لتشويه الوعي الانساني بكل ما هو جذري وجدي….. وجديد على صعيد الثقافة والابداع…

    عيسى السعيد
    ودمتم ودامت لنا مصــــر حـــرة أبية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s