ردود عباس وتهريب المؤتمر // أيمن اللبدي

ردود عباس وتهريب المؤتمر
أيمن اللبدي

نائب رئيس تحرير صحيفة «الحقائق» – المشرف العام على «الحقائق الثقافية».
http://www.alhaqaeq.net/?rqid=200&secid=5&art=92814

الفصائل الفلسطينية والقوى التي أعلنت موقفها على خلفية ما بات يعرف بقنبلة القدومي، جاء في اعتبارين، الأول: أن لا تدخّل في النقاش السياسي الجاري داخل حركة “فتح” باعتباره شأنا فتحوياً خالصاً، مع استهجانها لحفلة ردود الفعل غير المتحضرة ولا المسؤولة التي ارتفع صراخها أكثر من ارتفاع منسوب عقلها وبيانها، وهذا موقف سليم من الناحية الوطنية والسياسية الداخلية الفلسطينية، وممارسة سوية لتجنيب الساحة الفلسطينية ما هو أقسى، والثاني: أن مسألة صحة الوثيقة والتي عرض لها ملخص على الإعلام، وضرورة تبيان الحقيقة لعموم الرأي العام الشعبي الفلسطيني والعربي، هي مسألة ذات ملحاحية وأولوية وطتية وقومية، وهو أيضا موقف سليم ويمثّل بداية الخطوات الصحيحة في مسار التعامل مع هذه القضية الوطنية عالية الحساسية.
لكن ثمة سؤال لا زال باقياً حتى الساعة، وهو متى تكون الخطوة الفعلية الأولى في مسألة فحص الوثائق وإعلان الحقيقة، وهي مسألة لا زالت منتظرة حتى يمكن الركون إلى صدقية المعالجة، مع ملاحظة أن هذا المتبقي الوطني، هو قاسم مشترك عام لجميع المواطنين العرب والمسلمين، فضلاً عن انه يمثل مركز اهتمام الرأي العام الحر الداعم للقضية الوطنية الفلسطينية والقضايا التحريرية والعربية عموماً، ولا زالت الآلية التي اقترحها السيد فاروق القدومي الأمين المؤتمن قائمة، عبر اللجنة القانونية في منظمة التحرير الفلسطينية، أو عبر أية لجنة تحقيق قانونية فلسطينية وعربية ، تقحص جملة هذه الوثائق المعلن منها وغير المعلن، حيث ان ما نفهمه أن ثمة وثائق أخرى لا تقل خطورة، لا زالت قيد الحفظ!
هذا الموقف الفصائلي الصادر حديثا، موقف حقيقي على أثر إجتماع فعلي وليس موقفا مكذوبا على لسان أحد، مثلما كان بيان اللجنة التنفيذية لـ (م.ت.ف) المكذوب على أعضائها، بحسب اعتراض الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعلى لسان نائب أمينها العام السيد عبدالرحيم ملوح، فضلاً عن ان يكون مثلما هو بيان مكذوب على لسان اللجنة المركزية لحركة “فتح” نفسها مع أول ردود الفعل المسجّلة، وهو بالقطع ليس مثل بقية البيانات التي تنوب بالحديث عن اسماء مجهولة، أو إطارات منحوتة لا تؤشّر على قوة فعلية بقدر ما هي تؤشّر على مساحات الاصطفافات القائمة، ومع ذلك فإن الذي كنا ننتظره لنراقب مسؤولية التعامل معه، هو رد الذين اتهمتهم الوثيقة نفسها، وبينما جاء حديث دحلان في الغارديان بأن مسألة غزة يحسمها في أقل من ساعة ويستطيع إعادتها،- طبعا الزمن الذي لزم لفقدانها مغفل- وهو ربما يقصد استعادتهاعلى لوحة ألعاب فيديو، كان رد رئيس السلطة الفلسطينية مقتضباً ومثيراً.
السيد عباس يقول أن هذه مجموعة افتراءات وأكاذيب، ويقول أنها متوفرة على موقع استخباري صهيوني بالإنترنت، ويكمل أن المؤتمر سيكون في موعده ليجري إصلاحات وتغييرات كثيرة، وطبعا نظن أن المواطن الفلسطيني لم يكن ينتظر أقل من دقيقة من السيد عباس في مؤتمر صحفي، سواء في القاهرة أو أنقرة أو غيرها، وذلك ليستقر بلباله ويطمئن أن الحال على خير ما يرام، وأنه عليه أن لا يعير ما سمع سابقاً أدنى اهتمام، فالمصدر الذي يلمّح إليه هو مصدر استخباراتي صهيوني، وأن المؤتمر الذي عمل على “تهريبه” شخصياً تحت حراب نتنياهو، سينافش وثيقة من هذا النوع ويشبعها بحثاً من مختلف الزوايا ، وأنه سيحقق العدالة ويجري الإصلاحات والتغييرات!
الاستخفاف بالعقول عرفناه طويلاً منذ مدة طويلة، وسمعناه في أكثر من مكان أكثر من مرة، تمارسه بعض القيادات التي اعماها الغرور سواء أكانت قيادات سياسية، أم كانت قيادات إدارية، وبالأخص عند الشعوب المغلوبة على أمرها وهي قليلة، أما أن يكون هناك سعي مع سبق الإصرار “لاستحمار” العقل الفلسطيني المعروف بقدراته وإبداعاته وذكائه، فهذا شيء جديد نسمعه لأول مرة ويقوم به السيد محمود عباس للأسف الشديد، فالموقف المسؤول على قياس مواقف العالم الحر، بالذهاب إلى البيت والمطالبة بوضع الوثائق كلها تحت الفحص القانوني، ووضع الموقع والنفس تحت تصرّف أصحاب التفويض من أبناء الشعب، فضلاً عن أعضاء هذه الحركة هو مستبعد تماماً، نعلم هذا وندركه دون أدنى شك، ولا يمكن القيام بهذا الآن ولا حتى ممارسة الحرد، وهو المشهور سابقاً عن الرئيس عباس، ولكن أن يصل الحال للقفز مرة واحدة في الهواء، والغمز من طرف خفي إلى أن الوثيقة منشورة في موفع استخباراتي صهيوني، مع ترك التفسير النفسي للمواطن المستمع للإيحاء وكأن السيد قدومي، قد استخدم مادة استخبارية صهيونية أو نفّذ فكرة صهيونية، ومن ثم القول بأن المؤتمر المهرّب إلى بيت لحم سيبحث في هذا الشأن ويبحث معه في تقديم إصلاحات وتغييرات، فهو أمر متعب حقاً لمن يريد تقدير معقولية ومصداقية في هذا المنحى.
في جانب آخر فإن هذه الوثيقة نشرت ملخصها أيضا هآرتس الصهيونية، ونشر ملخصها أيضا قبل عدة أعوام وهي متوفرة في الإعلام، لكن كل ما عرض وتم الحديث حوله هو ملخص وثيقة الاجتماع وليس وثيقة محضر الاجتماع نفسه، وهذا كله من المفترض أن يطلب السيد عباس نفسه بلجنة قانونية فوراً لفحص الوثيقة الأصلية كما غيرها من الوثائق، وليس أن يكتفي بمجرّد هذه الإشارة الواردة في تصريح صحفي مقتضب، والأهم من هذا أن إعادة تأكيد بعض من أثار المخاوف مبكراً بشأن قتل الشهيد عرفات مثل السيد بسام ابو شريف، نفى قناعته بأن يكون الرئيس عباس مشتركاً في قتل الشهيد عرفات، ولكنه أعاد التأكيد أن معلوماته من إجتماعات صهيونية مع مسؤولي أمن في اجهزة السلطة قد تم فعلاً، على هامش عمليات البحث والتآمر على حياة عرفات وعلى مجمل القضية الوطنية، وهو يعني أن القفز إلى نفي مطلق عام من موقع المتحدث ليس إلا انطباعات خاصة لا تلزم الحقيقة المطلوبة بشيء!
كيف يمكن تصديق أن مؤتمراً يعقد يوم غد في بيت لحم سيجري تحقيقاً، وسوف يظهر حقائق للشعب الفلسطيني، وسوف تكون له مطلق الحرية في الإجابة عن أسئلة خطيرة تتعلق بمصير حركة تحرر وطني، وخيارات قضية وطنية، فضلاً عن أن يحاسب على جملة خطايا وجرائم بحق الحركة وحق الوطن، من قائمة اغتيالات أبو عمار، وموسى عرفات وغيرهم داخلياً، إلى بيع أملاك الحركة وسرقتها ووضعها رهن صدقات حكومة الانتداب الدولي المؤقتة،- حتى استيلاء جيش المستوطنين الصهاينة على بقية الأرض الفلسطينية، وممارسة الطرد العنصري العدواني إلى خارج الوطن المحتل-، وإجراء إصلاحات وتغييرات إدارية وقيادية ومراجعات حقيقية، كيف يمكن فهم هذا في ضوء عدم وجود أية ضمانات اللهم إلا ضمانات تفصيل مؤتمر معلّب على قياس إغتيال جديد لكل ما هو مطلوب أجوبة عنه، وتعليب أوضاع مفخّخة جديدة باسم “فتح” وباسم الوطنية الفلسطينية؟ماذا تبقى للانتظار وما هو لدى السيد أوباما قد اتضح من خلال خلاصة رأيه في اجتماع الإيباك مؤخراً، وفي تصريحات السيدة هيلاري كلنتون الأخيرة!
إذا كان من يريد الحقيقة لا زال موجوداً، مع أن المفترض اليوم أن يعلن السيد محمود عباس نفسه، قبل غيره من أعضاء اللجنة المركزية والثوري، دعوتهم لعقد هذا المؤتمر في أكثر موقع يحتوي الضمانات اللازمة، للقيام فعلاً بتبيان الحقيقة والبناء السليم دون خوف أو تردّد، ولكن السيد عباس للأسف الشديد يصرّ على المؤتمر المهرّب والمعلّب، وهو يتوقع من أخوته أيضا ومن أبناء شعبه أن يؤمّن على ما يقول دون اعتراض، وإلا فإن الاستقواء بالجغرافيا والأسلحة غير الوطنية ولا النظيفة هي الضمان لاستحمار النضال الوطني الفلسطيني، وعلى هامش ردود الفعل يأتي موقف “فتح الانتفاضة” والعقيد أبو موسى، الذي يقول من فضائية الجزيرة عن السيد القدومي، ما عهدنا عليه كذباً قط،، ولإذا كانت عملية انشقاقكم في يوم من الأيام قد تمت تحت شعار الإعتراض، فاليوم يجري تشقيق ما تبقى من هذه الحركة، وتدفيع بقية ما هو في فتح الوطنية من قوة أثمان مواقفها، لأن ثمة تهريب جديد لمؤتمر مع سبق الإصرار والترصّد عله ينتج موجة جديدة من الانشقاق، بدلاً أن يكون عنوان هذا المؤتمر العريض هو استعادة القوة الفتحوية، واستجماع ما تشظى منها سيما عقب وضوح نتيجة النظرية القائلة بالعري الإرادي، وما هو يتم تحضيره على الأرض من قبل حكومة العدو الصهيوني كسنياريوهات استراتيجية قادمة، وبدلاً من الحرص على أن تبقى “فتح” عنوان الوطنية الفلسطينية كما بدأت حركة وثورة اللاجئين، يتم العمل على اختزالها إلى حزب هراوة لدى المحتل، ويجري ذلك تحت بصر وغياب إرادة الفعل الفتحوي، فيما تكون المسألة البقاء تحت غمامة الصيف بانتظار هطولها مطراً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s