إعادة الإنتشار لا تعني الإنتصار ..//د. و سام جواد

د. و سام جواد

إعادة الإنتشار لا تعني الإنتصار ..

تباينت ردود الأفعال بعد الإعلان عن انسحاب القوات الغازية من المدن العراقية, وإن تشابهت رغبة التخلص من الاحتلال الغاشم للعراق . وعلى الرغم من ان الأمر لا يتعدى تكتيكا عسكريا وسياسيا من قبل القيادة الأمريكية,الا أن ما لوحظ من مبالغة في تضخيم الحدث, قد عكس التسرع في تفسير ما حدث وعدم استيعاب لأساليب الكذب والخداع, التي تعود قادة الاحتلال الأمريكي على اللجوء اليها في حروبهم القذرة ضد شعوب العالم . فقد تحمس البعض لإعلان الإنتصار, واندفع الآخر ليبشر بـ “هزيمة” أعتى قوة إمبريالية, بينما راح المنظرون ودعاة تمثيل المقاومة يؤكدون على دور”ضرباتهم” الماحقة في إرغام قوات الاحتلال على التموضع خارج المدن .

وتوخيا لتقييم ما حدث, بعيدا عن العواطف, وقريبا من الواقعية, يصبح الحديث عن الانتصار سابقا لأوانه, ومبالغة لا يقرها الواقع, لأننا لم نبلغ الهدف المنشود بعد, ولا تزال المسافة المطلوب قطعها لتحقيق النصر أطول مما يتصورها البعض, ولأن سرعة تجاوزها بطيئة ومتعثرة لأسباب عديدة,أهمها :

دور القيادات السياسية :

لم تتمكن الأحزاب السياسية من تجاوز خلافاتها قبل وبعد الاحتلال, وبدلا من كسر القيود,التي كبلتها بها الفتنة السياسية قرابة نصف قرن, نجدها وبسبب قياداتها الفاشلة,عاجزة عن الخروج من دائرة التنافس الضيق, ورغبة التسلط والتضييق على الأحزاب الأخرى, وتصفية الحسابات معها حال سناح الفرصة, كما حصل مع الحزب الشيوعي في السابق ويحصل مع حزب البعث حاليا.

ولا يبدو ان عقلية الكثيرين من قادة الأحزاب السياسية قد تغيرت, رغم مرور عقود من التناحر الأخرق, الذي خُطِط له من قبل أعداء العراق, ضمن مؤامرة دنيئة, سهل تمريرها سوء التقدير والغباء السياسي للعديد ممن قدر لهم أن يكونوا في مواقع قيادية للأحزاب السياسية, والذين انشغلوا وشغلوا رفاقهم وانصارهم بخلافات وصراعات داخلية, قدمت خدمات جلية للامبريالية والصهيونية وعرقلت عملية التطور والازدهار.

دور القيادات الدينية :

يشغل الدين مساحة مهمة من حياة المجتمع العراقي الروحية, خصوصا بين الطبقات الفقيرة وغير المتعلمة . وكما هو الحال في السياسة, نجد ان بعض القيادات الدينية, لديها ما تشغل به عقول الناس البسطاء, وتمتلك القدرة على جعلهم منغمسين في خلافات مذهبية وطائفية بغيظة. ولا تتوقف أدوار هذه القيادات الدينية عند هذا الحد, بل تتجاوزه لتتدخل بشكل سافر في مجال السياسة, كي تؤدي أدوارها الخطيرة في تأجيج الخلافات الملتهبة أصلا بين الأحزاب السياسية, وإيجاد مبررات التحريض على هذا الحزب تارة, وعلى ذاك تارة أخرى, كما حصل بعد انقلاب 8 شباط 1963. حيث لم تمر التصفيات الدموية للشيوعيين وانصارهم, دون مؤازرة بعض القيادات الدينية,التي أفتت بمكافحة الشيوعية, وكما حدث بعد 2003 حين لعبت هذه القيادات دورا مزدوجا في الفتنين الطائفية والسياسية (إجتثاث البعث) .

دور القيادات الكردية :

قال أحد المفكرين – إذا اختلفتَ في أمر مع أحدهم, فقد تكون على حق, واذا اختلفت مع اثنين, فقد تكون على حق أيضا, واذا اختلفت مع عشرة, فقد يكون الحق معك, أما اذا اختلفت مع الجميع, فلا شك أنك لست محقا..

اختلفت المشايخ الكردية مع الجميع, وقاتلت ضد مختلف الأنظمة التي حكمت العراق منذ العهد الملكي . وغالبا ما كانت تتحين الفرص وتتحرك وفقا للجزء المعد سلفا من المؤامرة الشمولية الهادفة الى جعل القوى الوطنية في العراق منشغلة بالخلافات والنزاعات الداخلية المفتعلة . ففي الفترة,التي خُطط فيها لإسقاط نظام الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم, تنكرت القيادات الكردية لفضله عليها وحملت السلاح ضده في بداية الستينات. ورغم إقرار النظام السابق بالحقوق المشروعة للشعب الكردي وتوقيعه اتفاقية الحكم الذاتي مع القيادة الكردية,الا أن الأخيرة بقيت كعادتها تتحين الفرص,التي سنحت بعد الحرب العدوانية على العراق فاستغلتها, لترفع القناع عن وجها القبيح وتكشف مدى دونيتها لا مع الأنظمة المختلفة وحسب, بل مع الذين وقفوا الى جانبهم, كما حصل في جريمة بشت آشان,التي ارتكبتها عصابات جلال الطالباني .

واقع الحال بعد الاحتلال :

* نجحت قيادة حزب البعث في إحكام قبضتها على الداخل, لكنها أفلتتها بمجرد بدء العدوان الخارجي على العراق. وكنتيجة حتمية للسياسات القمعية,التي مارسها النظام السابق مع مختلف القوى الوطنية خلال فترة حكمه, يدفع اليوم حتى البعثيون الأبرياء, ثمن التجاوزات والجرائم,التي ارتكبها المذنبون . وتحاول قيادات البعث جاهدة, تضميد الجراح ومعالجة الانشقاقات,التي عصفت بالحزب بعد السقوط السريع للنظام .
* ارتكبت القيادة الحالية للحزب الشيوعي خطأ تاريخيا جسيما, بتعاملها الفاضح مع قيادة الاحتلال, وبتحالفاتها مع بعض القوى السياسية والدينية المشبوهة. وقد أيقن الشعب العراقي تماما, وميز المواقف الوطنية المشرفة للشيوعيين الرافضين للاحتلال عن سلوك اولئك الذين ارتدوا عن قيم ومبادئ الحزب السامية .
* إرتكبت بعض القيادات الدينية جرائم لا تغتفر, بسكوتها والتزامها جانب الصمت على ما ارتكبتة القوات الهمجية من قتل واعتقلات وتشريد, وما الحقته من خراب ودمار أثناء وبعد الاحتلال الآثم . وقد لعبت بعض القيادات المعممة ( سنية وشيعية ) أدوارا خبيثة في إذكاء نار الفتنة الطائفية, بجعلها للبسطاء وقودا لآتونها,عوضا عن بث روح المحبة ونشر التسامح,التي أوصت بها التعاليم السماوية .
* بينت القيادة الكردية مشاركتها الفعلية في المؤامرة,التي تستهدف وحدة العراق بتعاونها السافر والمطلق مع الأمريكان. وقد هدد مسعود البرزاني أكثر من مرة, وفي أكثر من مناسبة بالإنفصال معتمدا على الدعم الامبريالي- الصهيوني له, ومنتهزا غياب الحكم الوطني . ولعل من المفارقات أن يدلي البرزاني بتصريحاته المسعورة, بعد إرساء أسس النظام “الديمقراطي”, دون أن ينطق ببنت شفة في زمن النظام “الدكتاتوري” و”الفاشي” .

الآثار والأخطار:

* تشير أرقام الإحصائيات المعتمدة من قبل المؤسسات والمنظمات العراقية والدولية الى أن خسائر الشعب العراقي قد تخطت المليوني قتيل و800 ألف مفقود, ومليون أرملة, وأربعة ملايين يتيم, و340 ألف معتقل في السجون الأمريكية والحكومية.
* توقف المصانع والمعامل عن العمل, بعد تدمير قوات الاحتلال لمعظمها وعدم إمكانية تشغيل ما تبقى منها, لأسباب فنية وأمنية.
* خطورة الأوضاع المحدقة بالزراعة,الناجمة عن الابتزاز التركي-الإيراني وبناء السدود العملاقة على حساب حصة العراق من مياه دجلة والفرات.
* تدهور خطير في الأوضاع المعيشية والصحية للمواطن العراقي .
* تدني مستوى التعليم وارتفاع نسبة الأمية في بلد, تنوي منظمة اليونسكو سحب الاعتراف بشهاداتهالجامعية, بعد إقرارها برقي التعليم فيه وتثمينها لدوره في محو الأمية قبل الاحتلال .

فهل يجوز بعد هذا كله, الحديث عن الانتصار ..؟

حقيقة الانسحاب من المدن :

صرح قائد القوات الأميركية، الجنرال راي أديرنو: “سنتدخل عند احتياج القوات العراقية لدعمنا”. وهذا يعني ان بنود الإتفاقية,التي وقعها أعوان الاحتلال تجيز للقوات الأجنبية التدخل عند تعرض مصالحها أو تعرض الحكومة العميلة لها للخطر. واذا أخذنا بنظر الأعتبار أن عدد القوات الأمريكية وقوات المرتزقة الباقية حتى عام2011 يبلغ حوالي ربع مليون, وأن خمسين ألف جندي سيبقون داخل المدن, إضافة الى وجود أكثر من خمسين قاعدة, ينوي الاحتلال الابقاء على 11 قاعدة عسكرية منها بصورة ثابتة, فإن إنسحاب القوات الغازية يُعد أمرا, من السذاجة تصديقة .

الخلاصــة :

في ظل الأوضاع الشاذة, التي تعيشها الأحزاب السياسية والدينية والكردية, وعدم قدرتها على تجاوز خلافاتها الداخلية, المتراكمة لعقود من التنافس الحزبي الضيق وانعدام الثقة, لم تلق المقاومة العراقية الدعم اللازم لتحقيق النصر على برابرة العصر . ولولا سقوط بعض الفصائل المقاتلة في شرك الفتنة الطائفية, والانقسامات,التي عمقها المتآمرون على وحدة العراق والمتحالفون مع العدو, وتشكيل مجالس الصحوات السيئة الصيت, لكانت هزيمة قوات الاحتلال أقسى من تلك,التي مُُنيت بها في فيتنام.

ولطالما بقيت الأوضاع الشاذة والأجواء المتلبدة بسحب الخلافات بين مختلف مكونات الشعب العراقي على حالها, فإن العدو سيطمأن الى جعل عملية الانسحاب من المدن, تبدو وكأنها المرحلة, التي يعقبها الانسحاب النهائي من العراق, مستغلا في الواقع, الوقت والظرف لتمرير خططه الهادفة الى السيطرة طويلة الأمد على العراق بمساعدة شراذم العمالة والخيانة الوطنية .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s