النسيان ذاكرة مزاجية

BIROUTالنسيان ذاكرة مزاجية

بقلم :بيروت حمود

شفافية النافذة هي غيمة الصدفة المرتحلة فوق وحل الثبات , تمامًا كما يبني الفجر عشه في حضرة صخرة ثم يهجرها في ساعة الزنبق .
هي مراقبة الطويلة لموكب الأمواج المتراقص على خاصرة الشاطئ , فللتكرار وحده شرعية احتلال من تهدلت عليه نعمة النسيان خصلة كرز.

كنت لأحسد هؤلاء الذين يجرون ذاكرتهم على كرسي المقعدين لولا أن مشهده وهو يقطع شارع عكا _صفد عرضًا ليصل إلى (ذيل المسيد) أثبت لي أن الذين تثقل الذاكرة على أرواحهم كعضو بُتر للتو هم وحدهم من يعانون من مرض النسيان .

عَبَر “مفترق الموت” غربًا دون أن يعير المركبات أدنى اهتمام وهناك حيث تفرش السكينة بساطًا من القلق تحت الخروبة الوحيدة في أُسرة الزيتون وقف يصرخ ((ابن عاهرة من باع “رباع المل “)).

ساعة الضغط عند( أمينة ) عندما يترك زوجها البيتَ قاصدًا تلك البقعة في الجنوب الغربي للقرية . وحدها (أمينة) كانت تدرك أين يتواجد زوجها عندما يقتله النسيان ,لكنها أبدًا لم تقتنع يومًا أن “رباع المل ” كانت ملكًا لفلاح أضناه الفقر كوالده.

على الرغم من أنه يعاني من ألف علة في زمن كله علل إلا أنه كان من الغريب بالنسبة إليه أن يجد نفسه على سرير (ربما يكون آخر سرير ينام عليه في حياته كلها ) في مستشفى (رمبام) .

(( ألم تجدِ يا أمينة في عمان كلها فندقًا أفضل من هذا الفندق ؟!)) ..

لم تضحك (أمينة) كالعادة ولم تهيئ نفسها لحديثه القادم حول تطبيع “الفندق” مع إسرائيل واستخدامه أغطية مليئة بالنجوم السداسية . كذلك لم ترهق نفسها في أن تشرح له عن أمراضه المتعددة التي كانت سببًا لدخوله “الفندق ” _مستشفى (رمبام).

((هذا غذاء هذا ؟!! أرز وشرشبيل _شنيتسل لا أعرف ماذا يدعونه , أنت تعرفين كم أكره طعام الإنجليز ,الله يسامحك يا أمينه تحضرينا هكذا لفندق يطبع حتى في الأطعمة ؟!!..آه كم أشتهى حبة زيتون أبيض من “رباع المل “! )) .

أمينة لم تجب ,لم تضحك كذلك لم تتحرك. أمينة اغتالها هدوء قلب كائن آخر في الغرفة غيرهما , تعلقت عيناها بشاشة جهاز قياس دقات القلب المتصل بقلب عجوز يهودي راقد قرب زوجها ,تخيلت لو أن الشاشة كانت شاشة التلفاز الذي تشاهد عليه كل مساء الأفلام المصرية لكتب عليها بخط القدر :النهاية . كانت أطرافه قد ازرقت و تقوضت,عيناه غرقت في عتمة أبديه ,فمه هو الشيء الوحيد الذي أتلف المشهد بانفتاحه على وسع الكون. كانت قد قررت أن تتخلى عن إنسانيتها إزاء الذين لم يسألوا عن الإنسانية عندما هجروا أهلها من إلى لبنان وتسببوا في أن تعيش مع أسرة لا تعرفها ,كانت قد نجت ربما بفضل العمالة أو الصدفة أو أي شيء آخر في النزوح من(شَعَب )إلى (مجد الكروم).

بكت (أمينة) حد الاختناق ,تذكرت أنها ستموت وحيدة وأن شرطيًا إسرائيليًا سيوقع على شهادة وفاتها,وتمشي قرية من الغريبين خلف نعشها تموء باستعارات التعزية وتكبير الله ,وفي مخيم الميه وميه عائلتها التي لم يتبقى منها سوى أخوين سيصلها خبر الوفاة بعد أن يكون جثمان أمينة قد توارى تحت التراب .

وكيف تموت(أمينة)؟!أمينة لا تموت كهذا الغريب (اليهودي),لن أقول أنها حية في ذاكرتي _هذا كذب (يكفي ما كذبته حتى اليوم),مخزون ذاكرتي أصلاً إذا ما قارناه مع الشيء الصغير المدعو بال ( يو.إس.بي )لوجدنا أن ال (يو.إس.بي) يتسع لخزن مواد أكثر من ذاكرتي المهترئه . لنقل فقط أن أمينه شيء غير مفهوم يشبه في تركيبته المعقدة قصة “البين بين “.

وماذا في شارع عكا_صفد؟! :

إعتقال تعسفي تحت رحمة عدسته الكاميراوالمسافات إذ تحترق البيوت على سفح التلة في منطقة “ذيل المسيد”,وتنهال أدعية العجائز وحفنات الأرز على جمهور الحجارة,ويتدافع الشبان للإشتباك مع قوات الشرطة الخاصه…

ليس من أجل مشروع سكة القطار, وإنما كانت عائلة تأخذ ثارها من أخرى ..هكذا يستردون الدم بالدم مستخدمين مظاهر الإنتفاضة..

تركض (أمينة) خلف زوجها رافعة ساعد الفكرة إلى ملاذ الحلم ,لكن الرصاص لا يعبء بأحد ولا يرحم رأسها …

هكذا تموت … بزلة رشاش .

وهو …. مستمر في الركض والصراخ :(( ابن عاهره من باع رباع المل,ابن عاهره من باع رباع المل )).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s