حوار خاصّ وشامل مع د. عزمي بشارة أجرى المقابلة: سَماح إدريس ويُسري الأمير

حوار خاصّ وشامل مع د. عزمي بشارة

أجرى المقابلة: سَماح إدريس ويُسري الأمير

حين التقينا والدكتور عزمي بشارة في ردهة الفندق، كان الرجل يغطّي الكثير من تعبه بلطفه وحسن استقباله. وهذا ما رافقه في حوار الساعتين في غرفته: فالتعب يكدّ الوجه الأسمر، وينافس أخضر العينين، لكنّ ذلك لم يمنعه من الخوض في النقاش، ولم يوقف حدّة الفكر ودقّة الملاحظة، لتكون النتيجة هذا الحوار الطويل ـ القصير: فقد كان طويلاً لأنّ بشارة استفاض في تقديم مفاهيمه حول القضايا القوميّة والعروبة ونضال فلسطينيي الداخل وتجاربه الذاتيّة وافق المستقبل؛ ولكنّه كان قصيرًا لأنّ الوقت لم يسعفْنا للحديث مع عزمي الأديب والروائيّ.

أُنهيَ الحوار ولم ينتهِ؛ فمن الصعب أن ينتهي نقاشٌ مع أمثال هذا الإنسان المجبول بالثقافة والنضال والناس والأمل.

1- عن المثقف والعمل التنظيميّ

يسري: د.عزمي، أرحّبُ بكَ في بيروت، وشعوري هو أنّك أنتَ مَن يرحّبُ بنا في وطنِه الكبير الذي يحمله معَه. وأعتمد على هذه الرحابة لأسألَكَ بدءًا من النهاية: متى ترى العودةَ إلى الوطن؟

أتوق إلى العودة طبعًا، ولكني لا أرى أفقًا في الوقت الحاليّ لأنّ الظروف التي دعتْ إلى الخروج من الوطن ما زالت قائمةً، بل تفاقمتْ؛ وبات الأمرُ أكثرَ وضوحًا منذ خروجي، من حيث نوعُ التهم المَحُوكة الموجّهة إليّ. إذا تغيّرتْ هذه الظروف، تُمْكِن دراسةُ الموضوع؛ فالأمرُ ليس خيارًا، بل قرارٌ بأنْ أسلّم نفسي لمخططٍ واضح دونما فائدةٍ تُرجى من ذلك. على كلّ حال، سأَبدأُ، مثلَكَ، من النهاية، فأقول إنّ مفهومي للوطن أوسَع، وإنّ عناءَ المنفى ـ في حالتي كعربيّ وكفلسطينيّ وكمثقّف ـ وطنٌ هو أيضًا.

يسري: الأمر مرتبطٌ إذًا بوقف الملاحقة القضائيّة لا غير؟

– … بوقفها وتغيير طابعها. فقد كنتُ في السابق مُلاحَقًا قضائيّاً، وتعرّضتُ للمَحاكمَ، لكنني بقيتُ. غير أنّ هذا النوع من التُهم ـ التي توجَّه من دون أيّ أساسٍ أو أدواتٍ للتعامل معها لكونها تُهمًا أمنيّةً خارجةً عن قواعد المعركة السياسيّة القضائيّة المُمكِنة في النضال السياسيّ ـ لا يَترك لي مجالاً للبقاء. والحقّ أنني لا أرى أيَّ فائدةٍ في تسليم نفسي كما ذكرتُ؛ بل على العكس: فكلُّ سجينٍٍ أمنيٍّ أعرفه (أكان “بريئًا” في لغتهم أمْ “مذْنبًا”) لم يسلّمْ نفسَه أو لا يسلّم نفسَه. وفي اعتقادي أنّ ما يَنتج من تسليم نفسي في هذه الظروف ضررٌ يصيب الحركةَ الوطنيّة، وهو غباء. وأما ما نتج من خروجي من المؤسّسات التي أقمناها، فقد بدا بفضله وكأنّني تنحّيتُ جانبًا؛ وهذا ما يُفترض أن يفعلَه القادةُ في حياتهم وإنْ كانوا مُؤسِّسين! وبخروجي أُعطِيتِ الفرصةُ لٍـ “التجمّع” بأن يستمرَّ، وللمؤسّسات بأن تنمو. إنّ جدليّةَ الأمور وصيرورتَها أثبتتا أنّ الحركة الوطنيّة ليست حركةً مُشخصَنة. لقد كنتُ أتمنّى، وأنا داخل الوطن، أن يحصل ما حصل الآن؛ وسبق أن طلبتُ التنحّي عدّة مرّاتٍ عن الترشّح للبرلمان على الأقلّ، إذ قمتُ فيه بكلِّ ما يمْكن، وباتَ يستنزفني. لكنْ لم يوافقني أحدٌ من الحركة الوطنيّة خشيةَ “الإسقاطات.” وها قد جاء “التنحّي،” ولم تحصل “الإسقاطاتُ” التي كنّا نخشاها، بل حدث عكسُ ذلك: استنفارٌ للحفاظ على الحركة. وهذا يدلّ على أنّ حركتنا نضجَتْ ووقفتْ على رجليها.

أنا مسرور لأنّ هذا الأمرَ تمّ في حياتي، وبنجاح، وهو في الواقع ما كنتُ أدعو إليه طوال الوقت: بناءُ المؤسّسات، على الضدّ من نزعة “النجوميّة الفرديّة” (التي يشجّعها الجمهورُ قبل أن يلومَ القادةَ عليها). ومن هنا أعتبر أنّي نجحتُ في امتحان الجيل المؤسِّس: أيَعْمل ليخلّفَ مِن بعدِه جيلاً يحْمل الرايةَ، ومؤسّساتٍ تحافظ على النهج والناس، أمْ لا؟ وفي هذا الوضع أتيحت لي أيضًا فرصةُ الاستمرار في العطاء الفكريّ والأدبيّ.

سماح: وكيف تجسَّدَ نجاحُ “التجمّع الوطني الديمقراطيّ” بعد غيابِك؟ هل زاد عددُ نوّابه مثلاً؟ هل تطوّر المردودُ الثقافيّ والمادّي لبعض مؤسّساته؟

كان خصومُ “التجمّع،” بل بعضُ أصدقائه كذلك، يتوقّعون أن ينهار. لكنّه لم يحافظْ على وجوده وحسب بعد خروجي، بل زادَ أصواتَه أيضًا، على الرغم من تعرّضه لحملة تحريضٍ وتخويف لم يسبقْ أن تعرّضتْ لها أيّة حركة سياسيّة في الداخل. هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى، وبعد معارضة البعضِ لرأيي في تحصين وضع المرأة في “التجمّع” وتثبيت حضورها في قوائمه الانتخابية النيابيّة والبلديّة، تمّ تبنّي هذا الأمر في غيابي وبناءً على اقتراحي، إذ تمّ انتخابُ امرأةٍ من “التجمّع” للبرلمان؛ كما تمّ تحصينُ ثلث المواقع بالحدّ الأدنى للنساء. أضِفْ إلى ذلك أنّ “اتّحاد الشباب الديمقراطيّ” ضاعف قوّتَه، وتضاعفتْ أعدادُه، على الرغم من تعرّض ناشطيه للملاحقة في فترة غيابي. ثم إنّ المؤسّسات الحزبيّة ناشطة، وقد عُقد مؤتمرٌ حزبيّ واحدٌ على الأقلّ

سماح: وهل تواصلتََ مع المؤتمر؟

ـ … مع المؤتمر الأوّل بعد خروجي فقط، وقد كان تنظيميَّ الطابع. ولكنّنا توقّفنا عن التواصل بعد ذلك لأنّنا أردنا أن نتجنّبَ تهمًا من نوع أنّني “ما زلتُ أدير الحزبَ من الخارج” ـ وهذا غيرُ صحيح، وليس في نيَّتي أصلاً: أولاً لأنّه خطأ؛ وثانيًا لأنّني لا أستطيع ذلك من الخارج؛ وثالثًا كي لا يُمنع الحزبُ من العمل! بالطبع، التواصلُ بيننا مازال موجودًا فكريّاً وسياسيّاً وغير ذلك، لأنه مبنيٌّ على روابطَ مبدئيّةٍ لا تتزعزع.

في العمل السياسيّ التنظيميّ يَصْعب في فترة الـ”مؤسّسين” أن يَبرز “الآخرون.” وفي المؤسّسات والشركات عادةً لا يتمكّن مديرٌ عامٌّ جديدٌ من إدارتها فعلاً، ما دام مديرُها العامُّ القديمُ موجودًا فيها. هذا الأمر لم يحصل في “التجمّع،” وأنا سعيدٌ بذلك، إذ أرى أنّه لم يكن مُتاحًا بروزُ الشباب بشكلٍ جدّيٍّ إبّان وجودي في الداخل، على الرغم من فسحي المجال أمامهم بشكلٍ واعٍ. لا أقول إنّ خروجي أمرٌ ممتاز، لكنّ علينا أن نرى أيضًا إيجابيّاتِ ما حصل وإيجابيّاتِ المنفى.

سماح: لو أردتَ التنحّي خلال وجودكَ هناك، ما كانوا سيقبلون ذلك أصلاً

صحيح، ما كان ذلك مُمكنًا.

يسري: ما السبب الذي جعل هذه التجربة الحزبيّة تنجح كمؤسّسة، في حين فشل العديدُ من التجارب المؤسّساتيّة في العالم العربيّ؟

ـ أتصوّر أنّ الناحيةَ الذاتيّة المتعلّقة بنوع الناس المنضوين في هذا النشاط كانت هي الأساس. إنّ منْ يتّخذ قرارً الانخراط في عملٍ حزبيّ، إبّان صعود انتماءاتٍ عضويّةٍ وشائجيّةٍ وطائفيّةٍ وعائليّة، هو شخصٌ مُنتقًى بالضرورة؛ ففي فترة “أفول الإيديولوجيّات،” وتراجُعِ فكرة التنظيم الحزبيّ الطوعيّ وكلِّ فكرة الأحزاب، وصعودِ فكرة “المنظّمات غير الحكوميّة” في أوساط اليسار، وابتعادِ المثقّفين عن السياسة وكأنّها صارت حكرًا على الحركات الإسلاميّة… في هذه الفترة بالذات لا بدّ أنْ تكونَ نوعيّةُ الناس التي تنخرط معك في هذا النوع من العمل نوعيّةً مميّزةً نسبيّاً.

وفي المقابل، فإنّ الظروف الموضوعيّة للأفراد عندنا لا تختلف عنها في أيّ بلد عربيّ. كما أنّ الثقافةَ السياسيّةَ القائمة، والمتمثّلة في الانصياع إلى القائد والزعيم، والمَيْلِ إلى تحويل الحزب إلى جماعةٍ أهليّةٍ تشْبه الطائفةَ أو العائلة، كلّ ذلك موجودٌ أيضًا عندنا. لكنّ هناك مجموعةً أخرى من التجارب التي نجحتْ نتيجةً لمقدار الجهد المبذول ووعيِ الفرد المسؤول بالاستمراريّة، على عكس قاعدة “ومن بعديَ الطوفان.” والمدعوّون إلى القيام بهذه المهمّة يتعرّضون لإغراء إهمالها: فهي تكلِّف جهدًا ووقتًا وأعصابًا وانخراطًا في التفاصيل، وتُبعدُ المرءَ عن أشياءَ يحبّها، ولا تعطي مردودًا معنويّاً مباشرًا، بل هي ما نسمّيه “عملَ النملة” الذي لا يُنتج فكرًا ولا يَظهر للإعلام عادةً. إنّ الساعات التي تُمْضيها في بيتك وبيوتِ النشطاء تناقش وإيّاهم قضايا حزبيّةً تحضيرًا لمؤتمر، أو تصْرفها في اجتماع فرعٍ في قريةٍ أو بلدة، كلّ ذلك لا تراهُ في الإعلام. وإنّ الوقت الذي تستثمره في مثل هذا النشاط التنظيميّ هو خيارُكَ الذاتيّ كمثقف؛ والخيارُ الذاتيّ الحرّ هو الأساس لأنْ لا عملَ سياسيّاً أخلاقيّاً في هذه الظروف بلا تضحية. فكلُّ الناس، كما ذكرتُ، يمْلكون مَيلاُ إلى الزعامة، وإلى تحويل التنظيم إلى رابطةٍ عصبويّةٍ كالعائلة، وكذلك عندهم المَيلُ إلى القمع؛ بل إنّ هذا المَيل قد يوجد عندنا بدرجاتٍ أكبر لأنّ واقعَ عرب الداخل ـ في اعتقادي ـ أقلُّ مدينيّةً (لأسبابٍ موضوعيّة) من باقي المجتمعات العربيّة، إضافةً إلى أنه بقي معزولاً عن تفاعل التيّارات السياسيّة والفكريّة التي عصفتْ بالحداثة العربيّة.

يسري: تتحدّث عن “الميْل إلى الزعامة” وكأنّها نزوعٌ فرديٌّ فقط. ألا ترى أنّ “الشعب” لا يرضَى من مسؤوله إلاّ أن يكون “زعيمًا ونجمًا ومالكََ الحكمة…”؟ وكيف التحصّن من هذه النزعة؟

ـ سأجيب باختصارٍ لأنّ هذا السؤال فلسفيٌّ وفكريٌّ واجتماعيّ. صحيحٌ أنّ الشعبَ يكرِّس هذه النزعةَ بالميْل (الموروثِ عن الثقافة الدينيّة) إلى المخلِّص والخلاص، وبالميل إلى إعادة إنتاج علاقة الرَعِيّة بالراعي أو الحاكم (التي هي من مخلّفات الدولة السلطانيّة). لكنّ ما ضاعف هذا كلَّه هو عبادةُ المشهد الإعلاميّ وتسويقُه السياسيّين وكأنهم نجومٌ أشبهُ بلاعبِي كرة القدم والفنّانين. أمّا بالنسبةِ إلى التحصين الاجتماعيّ ضدّ هذه النزعة، فللنقد والنقد الذاتيّ وللنخبةِ الواعيةِ ضدّ ثقافة القطيعِ دورٌ أساسيٌّ في هذا التحصين. وقد يكون الأمرُ مثلاً بالمطالبة بمواقفَ وبرامجَ وشرحٍ وتحليلٍ، لا بابتساماتٍ وشعاراتٍ وديماغوجيا و”سياساتِ هويّة.” طبعًا لا شيء سلبيّاً في الكاريزما القياديّة التي تُسْهم في تعبئةِ الناس إذا كان الموقِفُ الذي تخدُمه صحيحًا. ولكنْ يجب فضحُ الكذبِ والديماغوجيا حتّى عندما يكرِّس الإعلامُ الزعماءََ نجومًا، بل بالذاتِ عندما يفعل الإعلامُ ذلك لأنّ الكذبَ في هذه الحالة بنيويّ.

أمّا القائد فيحصِّنُ ذاتَه بأمرَين: الأوّل، بعدم تعويق بناء المؤسّسات، بل بالإسهام في بنائها واحترامها؛ وثانيًا بالمعرفةِ التي تضعُه في السياقِ التاريخيّ، وتنوِّرُه، فيدركُ حجمَه الحقيقيّ بدلاً من الاستماعِ إلى المُرائِين. وتُمكن هنا إضافةُ عاملٍ ثالثٍ، وهو وجوبُ تمتّعِ القائد بروحِ الدعابة والتهكّم الذاتيّ: فمَن يأخذْ نفسَه بجديّةٍ قاتلةٍ لا يتمتّعْ بروح النقد الذاتيّ؛ والأمور التي تبدو لبعضِ القادة جدّيّةً جدّاً ـ فيعبسون في حضرة المَقام والمناسبة، ويستعرِضون حرسَ الشرف، ويسيرون ويتكلّمون بشكلٍ غريب ـ تبدو لمَن يتمتّعُ بروح الدعابة والسخريةٍ أمرًا مثيرًا للضحك، بل مفزِعًا من شدّة سخفه!

سماح: يحيّرني يا عزمي سؤال: كيف تجد الوقتَ للخوض في كلّ ذلك الجهد الحزبيّ المتواصل؟

كنتُ في الحزب الشيوعيّ في بدايات الشباب؛ والأحزابُ الشيوعيّة تزوِّدكَ بتجربةٍ كبيرةٍ بالمعنيين السلبيّ والإيجابيّ. فبالمعنى السلبيّ، يصْعب أن تتحرّر من أسلوب العمل اللينينيّ، ولا بدّ أن تتحرّر من تحويل الإيديولوجيا إلى تديّنٍ وحتميّاتٍ قد تُفقِدك الحُكمَ الأخلاقيّ الحرّ على الأشياء ـ وهذه كارثةٌ حقيقيّةٌ على عقليّة الناس وثقافتهم. أمّا بالمعنى الإيجابيّ، فإنّ هذه التجربة تزوّدكَ بالحدّ الأدنى من أصول قواعد الانضباط وعمل المؤسّسات. إذًا، هذا النشاط لم يكنْ غريبًا عنّي لأنّني انخرطتُ فيه منذ الشباب، وبالتالي لم أحتَجْ إلى تعلّمه من البداية؛ والخبرة توفّر وقتًا كما تعْلم.

سماح: ألاحظ أيضًا أنّ مواقفك لا تعبّر عن “ثقافةٍ” وحسب، كما قد نجد عند إدوارد سعيد مثلاً. نقرأ إدوارد فيتّضح لنا عمقُ ثقافته، وتراكمُ القراءات من خلفها؛ ونقرأك فنشعر ـ إضافةً إلى ذينك العمق والتراكم ـ بوجود مُحاوِرٍ أمامكَ: تجيبه وكأنه يسألكَ من دون أن نقرأ سؤاله، وتناقش أفكارَه المتغلغلة في ثنايا ما “تجيبه” به. الكتابة عندك تنطلق من حواراتٍ ونقاشاتٍ حزبيّةٍ وغير حزبيّة جَرَتْ بالتأكيد، لا من كتبٍ قرأتَها وحسب.

حبّذا لو تجنّبْنا المقارنة! أقرأُ كثيرًا، وبلا توقّف، وبعدّة لغات. ولكنّ التجربة الحياتيّة، لا القراءات وحدَها، تشكّل مصدرًا لمواقفي هي الأخرى. ، عندما كنتُ أكتبُ مقالاً أسبوعيًّا كنت أُنتجُ كتبًا أيضًا، وأعمل في مؤسّساتٍ عديدة (حزبيّةٍ وغير حزبيّة)، وأنشطُ برلمانيّاً. مَنْ عرفني في قطاعٍ واحٍد من هذه القطاعات لم يخطرْ في باله أنّني أعمل في الأمور الأخرى. وهذا الأمرُ أفادني، لكنه أضرّ بي في الوقت ذاته: إذْ كان من الصعب في الأماكن المختلفة هذه أن تُقبَلَ كما أنت، كما أنّ علاقاتي المتعدّدة بعوالمَ متباينةٍ غيرِ متواصلةٍ بالضرورة عقّدتَْ حياتي فعلاً. إنّ إدراك أهميّة العمل السياسيّ ناتجٌ من تجربةٍ سياسيّةٍ طبعًا، كما أنّه ناتجٌ من إدراكٍ فكريّ وأخلاقيّ. ولكنّك لا تستطيع أنْ تقومَ بعملٍ سياسيّ من خلال المقال وحده؛ كما أنّه لا يسعكَ أن تقومَ بذلك من خلال جمعيّاتٍ مموَّلةٍ بموجب أجنداتٍ غربيّةٍ تعْمل على تخريب البديل الديمقراطيّ في مجتمعاتنا وتتركَ العملَ السياسيّ للحركات الدينيّة. أنت بحاجةٍ إلى تيّار سياسيّ منظّم؛ وهذا أمرٌ صعبٌ ومستهلِكٌ للوقت؛ كما أنّ التعامل مع كافّة الأمور الشخصيّة وطموحات البعض وتوقّعاتِهم الفرديّة أمرٌ منهك. ولا تستطيعَ أنْ “تمنّنَ” الناسَ يوميّاً بأنّك تقوم بعملٍ سياسيّ (علمًا أنه طوعيّ)، وأنّك لهذا لا تستطيع أن تذهبَ إلى مكتبة الجامعة يوميّاً مثلاً. عليك أنْ تقبلَ بوضعك، فتقتنعَ بأنّ هذه المهمّةَ (السياسيّة مثلاً) هي عملٌ بدوامٍ كامل، وأنّ المهمّة الأخرى (الثقافيّة) هي أيضًا عملٌ بدوامٍ كامل، فكأنّك عاملٌ يعْمل بوظيفتين أو ثلاثٍ ليُعيلَ أسرتَه.

في السنوات الأولى كان العمل التنظيميّ يستهلكُ الكثيرَ من الوقت. لكنّه صار أخفّ لاحقًا، وبشكلٍ تدريجيّ. وفي آخر سنتين من وجودي في “البلد” بات العملُ الحزبيّ والبرلمانيّ أقلّ، وكان واضحًا أنّني أسلّم الكثيرَ من المسؤوليّات إلى قياديين آخرين. والوقت والتجربة هما اللذان سيُثبتان مََن كان جديرًا بالثقة ومَن لم يكن.

وفي السنواتِ الأولى كان الوقتُ مكرّسًا للشأن العامّ، بما يتضمّنه من نومٍ خارجَ المنزل، وإهمالٍ للحياة العائليّة، والقيامِ بما لا تُحبّ. هذا هو النضالُ ببساطة، وإذا لم ينخرطْ فيه المثقّفون فمَنْ يقومُ به؟ أعتقد أنّ بإمكان المثقّف في باريس أو نيويورك أن يترفّعَ عن العمل السياسيّ التنظيميّ، بما فيه الحزبيّ؛ أما في بلادنا، فالترفّع خطأٌ لأنّ النخبَ قليلةٌ جدّاً، وإذا تعالَتْ عن العمل الحزبيّ فسيتحوّل إلى شؤونِ أُسرٍ وبيوتات سياسيّة. وفي هذا تجدُ عند المثقّفين العرب فكرةً مغلوطةً: ففي رأيي أنّ المثقّف العضويّ لا يكتمل إنْ لم يتورّطْ في العمل السياسيّ. وإذا كان المثقّفُ غيرَ متورّطٍ في العمل السياسيّ، فماذا يفعل؟ النخبُ العربيّة ليست واسعةً وكبيرةً حتّى يحْصرَ المثقّفُ اهتمامَه بأمورٍ أخرى غير العمل السياسيّ!

أما ما تذْكرُه يا سماح بالنسبة إلى الصديق الراحل إدوارد (وكنتُ أعرفُه مثقفًا كبيرًا)، فقد كنتُ ألاحظ فعلاً أنّ ما يقوله مبنيٌّ في الأساس على القراءة. أمّا حين نصل إلى السياسة، فقد كان ما يقوله لا يخلو من سذاجةٍ تتضمّن تكبّرًا وتعاليًا تنويريّاً يشْمل الاعتقادَ بأنّ قولَ الأشياء الصحيحة هو ما يجعلُها تحصل بشكلٍ آليّ. وذلك أشبهُ بالتبشير، بل هو أقلُّ منه: فالواعظُ أو المبشِّرُ أكثرُ تسييسًا لأنّه يخاطبُ جمهورًا ويتفاعلُ معه؛ أمّا في حالة السذاجة السياسيّة فيكادَ مَن يمارسها يعطي أوامرَ و”علاماتٍ” للواقع خطأً أو صوابًا. إنّ هذا الموقف لا يقلّلُ من أهميّة فكر إدوارد سعيد وثقافته، لكنّنا كنّا نشعر [بما ذكرتُه سابقًا] في حديثنا إليه أو عندما يكتب المقالات السياسيّة.

هنا أيضًا أُشير إلى مَيل البعض إلى التعامل مع إدوارد وكأنّه مثقّفٌ عربيّ يعيش في المهْجر (الولايات المتحدة). غير أنّ هذا لا ينطبق عليه في واقع الأمر، ولا ينطبق عليه تعبيرُ “السباحة بين الثقافات” لأنّ ثقافتَه غربيّةٌ في الأساس. فلو كان إدوارد في فلسطين ما كان سيكتفي بالمثقّف الذي عرفناه. ولكنه كان ذا دور عظيم كمثقّفٍ أميركيّ. ومن ناحيةٍ أخرى، فلو كان مثقّفًا عربيّاً في الأساس، لضمّن الاستشراق كمّاً أكبرَ من القراءات العربيّة والثقافة العربيّة، وزاويةَ نظرٍ أخرى، وربّما كان سيكون أكثر تقديرًا لجهد بعض المستشرقين وإنْ حافظَ على المنطلق القِيَميّ والمنهج النقديّ نفسه من الاستشراق. لكنْ، وكما أنّ أحدَ جوانب النقص فيه هو عدم الاطّلاع الكافي على الثقافة العربيّة الإسلاميّة، فإنّ إحدى إيجابيّاته ومصادر قوّته هي أنّه كتب ضمن الخطاب الجامعيّ الغربيّ وفي نقده في آنٍ معًا. أما أنا فمثقّفٌ عربيٌّ فلسطينيّ، ومع ذلك فإنّ الامتحان لكتاباتي الفكريّة يجب أنْ يخضعَ لمقاييسَ فكريّةٍ ونظريّة، لا لأمورٍ أخرى. وهذا ما آملُه. فكتابي، مساهمة في نقد المجتمع المدنيّ، صدرَ قبل دخولي ساحةَ العمل الحزبيّ البرلمانيّ، واستُقبِل بحفاوةٍ بالغةٍ من قِبل المختصّين بتاريخ الفلسفة والأفكار السياسيّة.

يسري: إذًا، عندما اضطررتَ إلى الانخراط في العمل الحزبيّ اضطررتَ إلى تأسيس حزب.

صحيح. كان علينا أنْ نبدأ كلّ شيءٍ من جديد. وطبعًا شكّل هذا تحدّيًا هائلاً، ولكنّه ليس مخيفًا. وأنا أسرد أفكاري هنا ولديّ فكرةٌ عمّن يقرأ الآداب، وأُحسِنُ الظنَّ بكيفيّة تتقييم جمهورِها لما أقول. لقد اضطررْنا إلى تأسيسِ حزبٍ وأنْ نبدأ من جديد. وكنّا نحتاج الى تأسيس مركزِ أبحاث، فأسّسناه؛ وإلى إنشاء صحيفةٍ، فأنشأناها؛ وإلى بناء جمعيّاتٍ متخصّصة (معروفةٍ حاليّاً) وغيرِ خاضعة للشروط الغربيّة وتكاد لا تتلقّى تمويلاً، فبنيناها. وقد حدث ذلك منذ بداية الانتفاضة الأولى، ومنذ أنْ بدأتُ التدريسَ في جامعة بيرزيت. فكما ترى لم نولدْ أبناءً لقادةٍ حزبيين أو سياسيين، ولم نولدْ وعندنا صحيفةٌ أو مؤسّسات. لم تكن موجودةً، فكان علينا أن نُقِيمها.

سماح: استكمالاً لهذه النقطة فإني أجد ابتعادًا كبيرًا في وطننا العربيّ، بشكلٍ خاصّ، ما بين المثقّفين من جهة، والناشطين سياسيّاً من جهةٍ ثانية. وقد يَبلغ هذا الابتعادُ تخومَ كراهية السياسيين للمثقّفين، وتقديسِهم لـ “الشعب.” أنت يا دكتور قد تشكّل نموذجًا للمثقّف العضويّ، أو للمثقف الناشطِ سياسيّاً، وبخاصّةٍ في سنوات وجودك في فلسطين. فكيف يمْكنُ أن نعيدَ إنتاجَ صورة المثقّف العضويّ ونرْدمَ ـ ما استطعنا ـ الهوّةََ القاتلةََ، التي لا يحتملها وضعُنا العربيُّ البائسُ أصلاًً، بين العمل السياسيّ والإنتاج الثقافيّ؟

ـ لا أستطيعُ أن أزايدَ على العالم العربيّ؛ فالعملُ السياسيّ فيه أصعبُ وأسهلُ [من العمل في فلسطين 48] في الوقتِ نفسه. هو أصعب لأنّ ظروفَ القمع أكبر، وإمكانيّاتِ العمل أقلّ، والحريّاتِ أشدُّ تقييدًا (ولاسيّما على صعيد حريّة الرأي والكلمة). وهو أسهلُ لأنّ أفق التطلّع والتطوّر عندنا في الداخل كان أضيقَ: فأنْ تنشِئ حزبًا عربيّاً ديمقراطيّاً في دولةٍ غير عربيّة ومن دون أفقِ الوصول إلى الحكم، وإنْ نظريّاً، ناهيك بالحفاظ على الهويّة العربيّة في ظروفٍ إسرائيليّة تؤسرِلُ الاقتصادَ والحاجات وسُبُلَ سدِّها… كلُّ ذلك شكّلَ صعوبةً غير موجودة في العالم العربيّ، هي صعوبةُ طرحِ مشروع شامل.

والأهمّ من ذلك هو أنه تمّ القضاءُ عندنا على الريف التقليديّ من دون نشوء مركزٍ مُدُنيّ، لأنّ المدنَ صهيونيّةٌ. والحزبُ الحديث يحتاج إلى مركز مدينة، إلى أفراد، ولا يستطيع أنْ يقوم على عشائرَ لأنّه اتّحادٌ طوعيٌّ بين أفراد. نحن انطلقنا من مجتمعٍ ريفيّ غير زراعيّ، يفتقر إلى الزراعة كنشاطٍ اقتصاديّ حقيقيّ، وتحوّل إلى مراكزَ ريفيّةٍ للعمل المأجور. وهذا أشبهُ بأحياء الفقر في المدن، لكنْ من دون مدن! وقد تعاملتُ مع هذا الموضوع بتوسّع في كتابي: الخطاب السياسيّ المبتور. وكما كان هذا التحليل ضروريّاً لفهم طبيعةِ التحرّك، فقد شكّل زاويةً جديدةً في التحليل الاجتماعيّ للمجتمع العربيّ في الداخل.

من المهمّ أنْ يعْلم الزملاءُ المثقّفون العربُ أنْ لا أُفق لتطوّرٍ ثقافيّ حقيقيّ من دون مشروعٍ سياسيّ، وأنّهم “لا يُسْدون معروفًا” للسياسة بعملهم على مثل هذا المشروع لأنّ وجودَه مسألةٌ مصيريّةٌ لتطوّر الثقافة العربيّة نفسها.

2 – عن “الشيوعيّة” و”القوميّة” وما يتجاوزهما

يسري: ما هو البرنامج الذي لم تلاقِه في الحزب الشيوعيّ وأوجدْتَه في “التجمّع”؟

البرنامج في الحزب الشيوعيّ كان، في حدّ ذاته، مشكلة! فقد تضمّنَ دولةً يهوديّةً ودولةً فلسطينيّةً في الضفّة والقطاع (وهذا الطرح نفسُه جاء متأخرًا)، ولم يعرِّفْ مفهومَ المساواةِ في دولة المواطنين، ولم يعرِّف الحقوقَ القوميّةَ للعرب كسكّانٍ أصليين، واعتبرَ نفسَه في دستوره “حزبَ الوطنيّة الإسرائيليّة والأمميّة البروليتاريّة،” وغير ذلك من الأمور.

لكنّ المشكلة مع الحزب الشيوعيّ لم تكنْ في البرنامج فقط. ففي مرحلةٍ مبكّرة من شبابيٍ، قرّرتُ أنّني لم أعُدْ مستعدّاً للبقاء فيه، ولو لم تسمحِ الدولةُ الإسرائيليّةُ لحزبٍ آخرَ بأن ينظّمَ نفسَه. فلقد وصلتُ إلى قناعةٍ عميقة، وهي أنّ الفَرقَ بين النظام الشيوعيّ والأنظمة الشموليّة الأخرى ضئيل؛ إنّه فَرقٌ في القِيَم الأصليّة التي تآكلتْ، لا في الممارسة. كما أنّ الادّعاء بأنّ القيمَ يمْكن أن تخدمَها الأساليبُ نفسُها ـ وإنْ كانت قيمَ سعادةِ الإنسان ـ يُنشئُ نظامًا شموليّاً مُماثلاً. ومع الستالينيّة، عَمَّرَ هذا الادّعاءُ مدّةً أطولَ، ولعب دورًا أخطر، وأدّى إلى ضحايا يفوقون ضحايا النازيّة التي لم تستطعْ أنْ تنشئَ دينًا جديدًا واختفت كأنّها لم تكن. وكما ذكرتُ،

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s